الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 81 ] قصة سقيفة بني ساعدة

قال الإمام أحمد : ثنا إسحاق بن عيسى الطباع ، ثنا مالك بن أنس ، حدثني ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن ابن عباس أخبره أن عبد الرحمن بن عوف رجع إلى رحله - قال ابن عباس : وكنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف فوجدني وأنا أنتظره - وذلك بمنى في آخر حجة حجها عمر بن الخطاب ، فقال عبد الرحمن بن عوف : إن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال : إن فلانا يقول : لو قد مات عمر بايعت فلانا . فقال عمر : إني قائم العشية ، إن شاء الله ، في الناس ، فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم . قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس ، فأخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ، ولا يضعوها مواضعها ، ولكن حتى تقدم المدينة ; فإنها دار الهجرة والسنة ، وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم ، فتقول ما قلت متمكنا ، فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها . قال عمر : لئن قدمت المدينة سالما صالحا لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه . فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ، وكان يوم الجمعة عجلت الرواح صكة الأعمى - قلت لمالك : وما صكة الأعمى ؟ قال : إنه لا يبالي أي ساعة [ ص: 82 ] خرج ، لا يعرف الحر والبرد . أو نحو هذا - فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني ، فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن طلع عمر ، فلما رأيته قلت : ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله . قال : فأنكر سعيد بن زيد ذلك وقال : ما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد ؟ فجلس عمر على المنبر ، فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس ، فإني قائل مقالة قد قدر لي أن أقولها ، لا أدري لعلها بين يدي أجلي ، فمن وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ، ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب علي ، إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها وعقلناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله . فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله ، عز وجل ، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ; إذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف ، ألا وإنا قد كنا نقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم ، فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تطروني كما أطري عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله " وقد بلغني أن قائلا منكم يقول : لو قد مات عمر بايعت فلانا . فلا يغترن امرؤ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة . ألا وإنها كانت كذلك ، ألا إن الله وقى شرها ، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثلأبي بكر ، وإنه [ ص: 83 ] كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخلفت عنا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت له : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار . فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان ، فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلت : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم ، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين . فقلت : والله لنأتينهم . فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا هم مجتمعون ، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة فقلت : ما له ؟ قالوا : وجع . فلما جلسنا قام خطيبهم ، فأثنى على الله بما هو أهله وقال : أما بعد ، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا ، وقد دفت دافة منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويحضنونا من الأمر . فلما سكت أردت أن أتكلم ، وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر ، وقد كنت أداري منه بعض الحد ، وهو كان أحلم مني وأوقر ، [ ص: 84 ] فقال أبو بكر : على رسلك . فكرهت أن أغضبه ، وكان أعلم مني وأوقر ، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت . فقال : أما بعد ، فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ; هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم . وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح ، فلم أكره مما قال غيرها ، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، إلا أن تغير نفسي عند الموت ، فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش - فقلت لمالك : ما يعني أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ؟ قال : كأنه يقول : أنا داهيتها - قال : فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف . فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر . فبسط يده ، فبايعته وبايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعدا . فقلت : قتل الله سعدا . قال عمر : أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى ، وإما أن نخالفهم فيكون فيه فساد ، فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ، ولا بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا . قال مالك : فأخبرني ابن شهاب ، عن عروة أن الرجلين [ ص: 85 ] اللذين لقياهما : عويم بن ساعدة ومعن بن عدي . قال ابن شهاب : وأخبرني سعيد بن المسيب أن الذي قال : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب . هو الحباب بن المنذر وقد أخرج هذا الحديث الجماعة في كتبهم ، من طرق عن مالك وغيره ، عن الزهري به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، ثنا زائدة ، ثنا عاصم ، ( ح ) وحدثني حسين بن علي ، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . فأتاهم عمر فقال : يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس ؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ؟ فقالت الأنصار : نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر . ورواه النسائي ، عن إسحاق بن راهويه وهناد بن السري ، عن حسين بن علي الجعفي ، عن زائدة به . ورواه علي بن المديني ، عن حسين بن علي ، وقال : صحيح لا أحفظه إلا من حديث زائدة ، عن عاصم . وقد رواه النسائي أيضا من حديث سلمة بن نبيط ، عن نعيم بن أبي هند ، عن نبيط بن شريط ، عن سالم بن عبيد ، عن عمر مثله . وقد [ ص: 86 ] روي عن عمر بن الخطاب نحوه من طرق أخر .

وجاء من طريق محمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عمر ، أنه قال : قلت : يا معشر المسلمين ، إن أولى الناس بأمر نبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار ; أبو بكر السباق المبين . ثم أخذت بيده ، وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ، ثم ضربت على يده وتتابع الناس .

وقد روى محمد بن سعد ، عن عارم بن الفضل ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، فذكر نحوا من هذه القصة ، وسمى هذا الرجل الذي بايع الصديق قبل عمر بن الخطاب ، فقال : هو بشير بن سعد والد النعمان بن بشير

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث