الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيان شروط وأحكام القضاء وما يتعلق به

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 255 ] ( باب ) أهل القضاء :

التالي السابق


( باب ) في بيان شروط وأحكام القضاء وما يتعلق به ( أهل ) أي مستحق ( القضاء ) بفتح القاف وإعجام الضاد ممدودا . ابن راشد وابن فرحون القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام . ابن عرفة القضاء صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين ، فيخرج التحكيم وولاية الشرطة والإمامة . وقول بعضهم هو الفصل بين الخصمين واضح قصوره

. الحط يطلق القضاء في الاصطلاح على الصفة المذكورة كما في قولهم وفي القضاء وقول المصنف أهل القضاء إلخ وعلى الإخبار المذكور كما في قولهم قضى القاضي بكذا ، وقولهم قضاء القاضي بكذا حق أو باطل . لكن في تعريف ابن راشد مسامحات الأولى ذكر الأخبار ، إذ المتبادر منه ما يحتمل الصدق والكذب المقابل للإنشاء ، وليس بمراد ، وإنما المراد به أمر القاضي بحكم شرعي على طريق الإلزام .

الثانية شمول حكم حكمي جزاء الصيد وتنازع الزوجين وحكم المحكم وحكم المحتسب والوالي وغيرهما من ولاة المسلمين إذا حكموا بالشرع ، قول ابن عرفة إن التحكيم يخرج من تعريفه لم يظهر لي وجه خروجه منه ، فإن المحكم لا يحكم ابتداء إلا في الأموال وما يتعلق بها ، وما في معناها مما لا يتعلق بغير المحكمين ولا يحكم ابتداء في القصاص واللعان والطلاق والإعتاق لتعلق حق غيرهما بذلك ، قالوا فإن حكم فيها بغير جور نفذ حكمه والظاهر أن التعديل والتجريح كذلك والله أعلم .



[ ص: 256 ] تنبيهات )

الأول : في الذخيرة عقد القضاء جائز من الجانبين مطلقا كالجعالة والقراض قبل الشروع في عملهما والمغارسة والتحكيم والوكالة ، فللإمام عزله وله عزل نفسه مطلقا كما يأتي .

الثاني : ابن سهل تلخيص خطط الولاية القضاء والشرطة والمظالم والرد والمدينة والسوق ، فمتعلق حكم والي الرد ما استرابه القضاة وردوه عن أنفسهم وصاحب السوق يعرف بصاحب الحسبة لأن أكثر نظره فيها بالأسواق من غش وتفقد مكيال وميزان .

الثالث : علم القضاء أخص من العلم بفقهه لأن متعلق فقهه كلي من حيث هو كلي ومتعلق علمه كلي من حيث صدق كليه على جزئيات ، وكذا فقه الفقيه من حيث كونه فقيها هو أعم من فقه الفقيه من حيث كونه مفتيا ، ثم قال وإذا تأملت ذلك علمت أن حال الفقيه من حيث هو فقيه كحال عالم بكبرى قياس الشكل الأول فقط ، وحال القاضي والمفتي كحال عالم بها مع علمه بصغراه ولا خفاء أن العلم بهما أشق وأخص من العلم بالكبرى فقط ، وأيضا فقه القضاء والفتوى مبنيان على النظر في الصور الجزئية بإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف التي فيها ، فيلغى طرديها ويعمل معتبرها .

ابن عبد السلام علم القضاء وإن كان أحد أنواع علم الفقه متميز بأمور لا يحسنها كل فقيه ، وربما كان بعض الناس عارفا بفصل الخصام ، وليس له باع في غيره من أبواب الفقه ، كما أن علم الفرائض كذلك ، وكما أن علم التصريف من علم العربية ، وأكثر أهل زماننا لا يحسنونه ، وقد يحسنه من هو دونهم في العربية ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه ، وإنما الغرابة في استعمال كليات علم الفقه وتطبيقها على جزئياتها الواقعة بين الناس وهو عسير على كثير من الناس فتجد من يحفظ أصولا كثيرة من الفقه ويفهمها ويعلمها غيره ، وإذا سئل عن الواقعة جزئية من مسائل الصلاة أو من مسائل الإيمان لا يحسن الجواب ، بل لا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر ، وللشيوخ في هذا حكايات نبه ابن سهل على بعضها . [ ص: 257 ]

الرابع : أقوال الشيوخ واضحة الدلالة على جلالة خطة القضاء وندور السلامة فيه ، قال بعض الناس القضاء من أعظم الخطط قدرا وأجلها خطرا ، لا سيما إذا اجتمعت إليه الصلاة ابن عرفة أراد إمامة الصلاة ومقتضاه حسن اجتماعهما والمعروف ببلدنا قديما وحديثا منع إمامة قاضي الجماعة بها وإلا تنكحه إمامة الجامع الأعظم بها .

الخامس : ابن رشد عن غير واحد الحكم بين الناس بالعدل من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر ، والجور فيه واتباع الهوى من أكبر الكبائر ، وهو محنة من دخل فيه ابتلي بعظيم لأنه عرض نفسه للهلاك إذ التخلص فيه عسير . عمر رضي الله تعالى عنه وددت أني أنجو من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي ، فالهروب منه واجب لا سيما في هذا الوقت . مالك عن عمر بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ما أدركت قاضيا استقضى بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام إلا رأيت كآبة القضاء عليه وكراهيته في وجهه إلا قاضيين سماهما . ابن عبد السلام ، هذا حين كان القاضي يعان على ما وليه وربما كان بعضهم يحكم على من ولاه ولا يقبل شهادته إن شهد عنده ، وأما إذا صار القاضي لا يعان بل من ولاه ربما أعان عليه من مقصوده بلوغ هواه على أي حال كان ، فإن ذلك ينقلب محرما نسأل الله تعالى السلامة . وأكثر الخطط الشرعية في زمننا أسماء شريفة على مسميات خسيسة .

السادس : حكم تولية القاضي الوجوب . اللخمي وغيره إقامة حكم للناس واجبة لما فيه من رفع الهرج والمظالم ، فعلى الوالي على بلد النظر في أحكامهم إن كان أهلا لذلك ، فإن لم يكن أهلا له أو اشتغل عنه وجب عليه أن يقدم لهم من هو أهل لذلك وإن لم يكن بالموضع وال كان ذلك لذوي الرأي والثقة .

السابع : مالك رضي الله تعالى عنه لم يكن ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الخلفاء قاض . هم الذين كانوا يقضون بين الناس . أول من استقضى معاوية رضي الله تعالى عنه ، وأنكر أن يكون علي رضي الله تعالى عنه استقضى شريحا ، وحكى ابن شعبان أن أول قاض استقضي عبد الله بن نوفل ولاه معاوية . العراقيون أول من استقضى عمر وجه [ ص: 258 ] شريحا للكوفة وكعب بن سرار للبصرة ، وقيل أول من استقضى علي رضي الله تعالى عنه لما منعته الحروب استقضى شريحا ، وقول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه لم يستقض أبو بكر ولا عمر ولا عثمان يعني بدار الهجرة وسائر البلاد بعثوا إليها قضاة واستقضى النبي صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا وغيرهما رضي الله تعالى عنهم .

الثامن : صفات القاضي المطلوبة فيه ثلاثة أقسام : شروط في صحة توليته وشروط في دوامها وشروط في كمالها ، أشار المصنف إلى الأولى بقوله عدل إلى قوله فأمثل مقلد ، وإلى الثاني بقوله ونفذ حكم أعمى إلى قوله ووجب عزله وإلى الثالث بقوله كورع إلخ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث