الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 380 ] وهذا ذكر عمارة بيت المقدس بعد خرابها ، واجتماع بني إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض

قال الله تعالى في كتابه المبين ، وهو أصدق القائلين : أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير [ البقرة : 259 ] . قال هشام ابن الكلبي : ثم أوحى الله تعالى إلى أرميا ، عليه السلام - فيما بلغني - أنى عامر بيت المقدس ، فاخرج إليها فانزلها . فخرج حتى قدمها وهي خراب ، فقال في نفسه : سبحان الله ، أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها ، فمتى يعمرها ، ومتى يحييها الله بعد موتها ؟ ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام ، فمكث في نومه سبعين سنة [ ص: 381 ] حتى هلك بخت نصر والملك الذي فوقه ، وهو لهراسب وكان ملكه مائة وعشرين سنة ، وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب ، وكان موت بخت نصر في دولته ، فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب ، وأن السباع قد كثرت في أرض فلسطين ، فلم يبق بها من الإنس أحد ، فنادى في أرض بابل ، في بني إسرائيل أن من شاء أن يرجع إلى الشام ، فليرجع . وملك عليهم رجلا من آل داود ، وأمره أن يعمر بيت المقدس ، ويبني مسجدها ، فرجعوا فعمروها ، وفتح الله لأرميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تبنى وكيف تعمر ، ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ، ثم بعثه الله ، وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة ، وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر إليها عامرة آهلة قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير . قال : فأقام بنو إسرائيل بها ورد الله عليهم أمرهم ، فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف ، ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان ، يعني بعد ظهور النصارى عليهم . هكذا حكاه ابن جرير في " تاريخه " عنه .

وذكر ابن جرير ، أن لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته ، قد دانت له العباد والبلاد ، والملوك والقواد ، وأنه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل ، ثم لما ضعف عن تدبير المملكة ، بعد [ ص: 382 ] مائة سنة ونيف ، نزل عن الملك لولده بشتاسب فكان في زمانه ظهور دين المجوسية ; وذلك أن رجلا كان اسمه زرادشت كان قد صحب أرميا ، عليه السلام ، فأغضبه ، فدعا عليه أرميا فبرص زرادشت فذهب فلحق بأرض أذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه ، لعنه الله ، فقبله منه بشتاسب وحمل الناس عليه ، وقهرهم وقتل منهم خلقا كثيرا ممن أباه منهم . ثم كان بعد بشتاسب يهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والأبطال المذكورين ، وقد ناب بخت نصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ، وعمر دهرا طويلا ، قبحه الله .

والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير ، من أن هذا المار على هذه القرية هو أرميا عليه السلام ، قاله وهب بن منبه ، وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهما ، وهو قوي من حيث السياق المتقدم . وقد روي عن علي ، وعبد الله بن سلام ، وابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وسليمان بن بريدة وغيرهم أنه عزير . وهذا أشهر عند كثير من السلف والخلف . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث