الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل ( ما دار بين علي وأصحابه بعد فراغهم من قتال الخوارج )

قال الهيثم بن عدي في كتابه الذي جمعه في الخوارج ، وهو من أحسن ما صنف في ذلك ، قال : وذكر عيسى بن داب قال : لما انصرف علي ، رضي الله عنه ، من النهروان قام في الناس خطيبا ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : أما بعد ، فإن الله قد أعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام . فقاموا إليه فقالوا : يا أمير المؤمنين ، نفد نبلنا ، [ ص: 639 ] وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنتنا ، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا ، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا وهلك منا ; فإنه أقوى لنا على عدونا - وكان الذي تكلم بهذا الأشعث بن قيس الكندي - فبايعهم ، وأقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة ، وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ، ويوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم ، ويقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم ، فأقاموا معه أياما مستمسكين برأيه وقوله ، ثم تسللوا حتى لم يبق معه منهم أحد إلا رءوس أصحابه ، فقام علي فيهم خطيبا ، فقال : الحمد لله فاطر الخلق وفالق الإصباح ، وناشر الموتى وباعث من في القبور ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأوصيكم بتقوى الله ، فإن أفضل ما توسل به العبد الإيمان والجهاد في سبيله وكلمة الإخلاص ; فإنها الفطرة ، وإقام الصلاة ; فإنها الملة ، وإيتاء الزكاة ; فإنها من فرائضه ، وصوم شهر رمضان ; فإنه جنة من عذابه ، وحج البيت ; فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب ، وصلة الرحم ; فإنها مثراة في المال ، منسأة في الأجل ، محبة في الأهل ، وصدقة السر ; فإنها تكفير للخطيئة ، وتطفئ غضب الرب ، وصنع المعروف ; فإنه يدفع ميتة السوء ، ويقي مصارع الهول ، أفيضوا في ذكر الله ; فإنه أحسن الذكر ، وارغبوا فيما وعد الله المتقين ; فإن وعد الله أصدق الوعد ، واقتدوا بهدي نبيكم ، صلى الله عليه وسلم ، فإنه أفضل الهدي ، واستنوا بسنته ; فإنها أفضل السنن ، وتعلموا كتاب الله ; فإنه أفضل الحديث ، وتفقهوا في الدين ; فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره ; فإنه شفاء لما في الصدور ، وأحسنوا تلاوته ; فإنه [ ص: 640 ] أحسن القصص ، وإذا قرئ عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون ; فإن العالم العامل بغير علم كالجاهل الحائر الذي لا يستقيم من جهله ، بل قد رأيت أن الحجة أعظم ، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه ، وضرره على هذا الجاهل المتحير في جهله ، وكلاهما حائر مضلل مثبور . لا ترتابوا فتشكوا ، ولا تشكوا فتكفروا ، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا ، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا ، ألا وإن من الحزم أن تثقوا ، ومن الثقة أن لا تغتروا ، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه ، وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه ، من يطع الله يأمن ويستبشر ، ومن يعص الله يخف ويندم ، سلوا الله اليقين ، وارغبوا إليه في العافية ، وخير ما دام في القلب اليقين ، إن عوازم الأمور أفضلها ، وإن محدثاتها شرها ، وكل محدثة بدعة وكل محدث مبتدع ، ومن ابتدع فقد ضيع ، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة ، المغبون من غبن دينه ، والمفتون من خسر نفسه ، وإن الرياء من الشرك ، وإن الإخلاص من العمل والإيمان . ومجالس اللهو تنسي القرآن ويحضرها الشيطان ، وتدعو إلى كل غي ، [ ص: 641 ] ومحادثة النساء تزيغ القلوب وتطمح لهن الأبصار ، وهن مصائد الشيطان ، فاصدقوا الله ; فإن الله مع من صدق ، وجانبوا الكذب ; فإن الكذب مجانب للإيمان ، ألا إن الصادق على شرف منجاة وكرامة ، وإن الكاذب على شرف ردى وهلكة وإهانة ، ألا وقولوا الحق تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله ، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم ، وصلوا أرحام من قطعكم ، وعودوا بالفضل على من حرمكم ، وإذا عاهدتم فأوفوا ، وإذا حكمتم فاعدلوا ولا تفاخروا بالآباء ، ولا تنابزوا بالألقاب ، ولا تمازحوا ، ولا يغتب بعضكم بعضا ، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، وارحموا الأرملة واليتيم ، وأفشوا السلام وردوا التحية على أهلها مثلها أو بأحسن منها . وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب [ المائدة : 2 ] . وأكرموا الضيف ، وأحسنوا إلى الجار ، وعودوا المرضى ، وشيعوا الجنائز ، وكونوا عباد الله إخوانا . أما بعد ، فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع ، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ، وإن المضمار اليوم ، وغدا السباق ، وإن السبقة والغاية الجنة والنار ، [ ص: 642 ] ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل حثيث عجل ، فمن أخلص لله عمله في أيام مهله قبل حضور أجله ، فقد أحسن عمله ونال أمله ، ومن قصر عن ذلك فقد خسر عمله وخاب أمله ، وضره أمله ، ألا فاعملوا في الرغبة والرهبة ، فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله واجمعوا معها رهبة ، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة ; فإن الله قد تأذن المسلمين بالحسنى ، ولمن شكر بالزيادة ، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها ، ولا كالنار نام هاربها ، ولا أكيس من مكتسب يكسب شيئا اليوم يدخره ليوم تنفع فيه الذخائر ، وتبلى فيه السرائر ، يجمع فيه المؤمن والكافر ، ألا وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ، ومن لا يستقم على الهدى يجر به الضلال ، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك ، ومن لا ينفعه حاضره فغاربه عنه أعوز وغائبه عنه أعجز ، ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد فاعملوا على المراد ، ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنتان ; طول الأمل واتباع الهوى ; فطول الأمل ينسي الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن الحق ، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة ، وإن [ ص: 643 ] الآخرة قد ترحلت مقبلة ، ولهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم ، ولا تكونوا من أبناء الدنيا ; فإن اليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل . وهذه خطبة عظيمة بليغة نافعة ، جامعة للخير ناهية عن الشر . وقد روي لها شواهد من وجوه أخرى متصلة ، ولله الحمد والمنة .

وقد ذكر ابن جرير أن عليا ، رضي الله عنه ، لما نكل أهل العراق عن الذهاب معه إلى الشام خطبهم ، فوبخهم وأنبهم وتوعدهم وتهددهم وتلا عليهم في الجهاد آيات من القرآن من سور متفرقة ، وحثهم على المسير إلى عدوهم فتأبوا على ذلك ، وخالفوه ولم يوافقوه ، واستمروا في بلادهم ، وانصرفوا عنه هاهنا . قيل : إن ذلك بسبب قتله الخوارج ; لأنهم كانوا قراباتهم وإخوانهم ، ويرونهم أفضلهم وخيرهم ; لعبادتهم وقراءتهم ، فتثاقلوا عنه وهجروه ، فدخل علي الكوفة في حالة الله بها عليم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث