الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل كفارة اليمين وفيها تخيير وترتيب

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل في كفارة اليمين وفيها تخيير وترتيب ) فالتخيير بين الإطعام والكسوة والعتق والترتيب فيها بين ذلك وبين الصيام والأصل في ذلك قوله تعالى { فكفارته إطعام عشرة مساكين } الآية ( فيخير من لزمته بين ثلاثة أشياء إطعام عشرة مساكين مسلمين أحرارا ولو صغارا ) كالزكاة ( جنسا ) واحدا ( كان المطعم ) كأن يطعمهم برا ( أو أكثر ) من جنس كأن أطعم البعض برا والبعض شعيرا والبعض تمرا والبعض زبيبا ( أو كسوتهم ) أي العشرة مساكين ( أو تحرير رقبة ) مؤمنة كما تقدم في الظهار ( فمن لم يجد ) بأن عجز عن العتق والإطعام والكسوة ( فصيام ثلاثة أيام ) للآية ( والكسوة ما تجزئ صلاة ) المسكين ( الآخذ الفرض فيه للرجل ثوب ولو عتيقا إذا لم تذهب قوته ) فإن بلي وذهبت منفعته لم يجزئه لأنه معيب .

( أو قميص يجزئه أن يصلي فيه الفرض نصا ) نقله حرب ( بأن يجعل على عاتقه منه شيئا ) بعد ستر عورته ( أو ثوبان يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ولا يجزئه مئزر وحده ولا سراويل ) وحده لأن الفرض لا يجزئ فيه ( وللمرأة درع ) أي قميص ( وخمار يجزئها أن تصلي فيه ) لأن ما دون ذلك لا يجزئ لابسه في الصلاة ويسمى عريانا ( وإن أعطاها ) المكفر ( ثوبا واسعا يمكن أن يستر ) الثوب ( بدنها ورأسها أجزأه ) إناطة بستر عورتها ( ويجوز أن يكسوهم من جميع أصناف الكسوة مما يجوز للآخذ لبسه من قطن وكتان وصوف وشعر ووبر وخزو حرير وسواء كان مصبوغا أو لا أو خاما أو مقصورا ) لعموم [ ص: 243 ] الآية .

( ويجوز أن يطعم ) المكفر ( بعضا ) من العشرة ( ويكسو بعضا ) منهم لأن الله تعالى خير من وجبت عليه الكفارة بين الإطعام والكسوة فكان مرجعهما إلى اختياره في العشرة وفي بعضهم بخلاف ما لم يخيره فيه ( فإن أطعم المسكين بعض الطعام وكساه بعض الكسوة ) لم يجزئه لأنه لم يطعمه ولم يكسه ( أو أعتق نصف عبد وأطعم خمسة أو كساهم ) لم يجزئه لأنه لم يحرر رقبة ولم يطعم أو يكسو عشرة ( أو أطعم ) بعض العشرة ( وصام ) دون الثلاثة .

( لم يجزئه ) وكذا لو كسا البعض وصام أو أعتق نصف رقبة وصام الباقي لأنه لم يعتق رقبة ولم يطعم عشرة ولم يكسهم ولم يصم ثلاثة أيام ( كبقية الكفارات ولا ينتقل ) المكفر بيمينه ( إلى الصوم إلا إذا عجز كعجزه عن زكاة الفطر ) كما تقدم ( ولو كان ماله غائبا استدان ) ما يطعمه أو يكسوه أو يعتق به ( إن قدر ) على ذلك ( وإلا صام ) كمن لا مال له ( والكفارة بغير الصوم ) من إطعام أو كسوة أو عتق رقبة ( إنما تجب في الفاضل عن حاجته الأصلية الصالحة لمثله كدار يحتاج إلى سكناها ودابة يحتاج إلى ركوبها وخادم يحتاج إلى خدمته فلا يلزمه بيع ذلك ) ليكفر منه لاحتياجه إليه فإن كانت الدار فوق ما يصلح لمثله أو الخادم كذلك وأمكن بيع ذلك وشراء ما يصلح لمثله والتكفير بالباقي لزمه .

( فإن كان له عقار يحتاج إلى أجرته لمؤنته أو ) ل ( حوائجه الأصلية ) من كسوة ومسكن ونحوهما ( أو ) كان له ( بضاعة يحتل ربحها المحتاج إليه بالتكفير منها أو ) كان له ( سائمة يحتاج إلى نمائها حاجة أصلية أو ) له ( أثاث يحتاج إليه أو كتب علم يحتاجها ) لنظر أو حفظ ( أو ثياب جمال ونحو ذلك ) كحلي امرأة تحتاجه ( أو تعذر بيع شيء لا يحتاج إليه انتقل إلى الصوم ) لأنه لم يتمكن من غيره على وجه لا يضره ( وتقدم بعض ذلك في الظهار ويجب التتابع في الصوم ) لقراءة أبي وابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " حكاه أحمد ورواه الأثرم وكصوم الظهار ( إن لم يكن عذر ) فيسقط به وجوب التتابع كما تقدم في الظهار ( وتجب كفارة يمين ونذر على الفور إذا حنث ) لأنه الأصل في الأمر المطلق .

( وإن شاء ) الحالف ( كفر قبل الحنث فتكون ) الكفارة ( محللة لليمين وإن شاء ) كفر ( بعده ) أي الحنث ( فتكون مكفرة ) وممن روي عنه تقديم الكفارة قبل الحنث : عمر وابنه وابن عباس وسلمان وعن عبد الرحمن بن سمرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير } رواه [ ص: 244 ] أبو داود والنسائي ورجاله ثقات .

ولأنه كفر بعد سببه فجاز ككفارة الظهار والقتل بعد الجراح والحنث شرط وليس بسبب ( فهما ) أي التكفير قبل الحنث وبعده ( في الفضيلة سواء ) نص عليه لأن الأحاديث الواردة فيها التقديم مرة والتأخير أخرى وهذا دليل التسوية ( هو ما كانت الكفارة غيره ) أي غير صوم لظاهر ما سبق ( ولو كان الحنث حراما ) كأن حلف لا يشرب الخمر أو ليصلي الظهر خلافا لما في المبدع حيث قال : إذا كان كذلك كفر بعده مطلقا ( ولا يصح تقديمها ) أي الكفارة ( على اليمين ) لأنه تقديم الحكم قبل سببه كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب .

( وإذا كفر بالصوم قبل الحنث لفقره ) إذ ( ثم حنث وهو موسر لم يجزئه ) الصوم قال في المغني : لأن المعتبر في الكفارات وقت الوجوب وهو هنا وقت الحنث وقد صار موسرا فلا يجزئ الصوم كما لو صام إذن .

وقال ابن رجب في القاعدة الخامسة : وإطلاق الأكثرين يخالف ذلك لأنه كان فرضه في الظاهر فبرئ من الواجب فلم يحصل به الحنث لأن الكفارة حلته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث