الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ترجمة معاوية رضي الله عنه وذكر شيء من أيامه ودولته

[ ص: 396 ]

وهذه ترجمة معاوية ، رضي الله عنه ، وذكر شيء من أيامه ، ودولته ، وما ورد في مناقبه وفضائله

هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي ، أبو عبد الرحمن ، خال المؤمنين ، وكاتب وحي رسول رب العالمين . وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .

أسلم معاوية عام الفتح ، وروي عنه أنه قال : أسلمت يوم القضية ، ولكن كتمت إسلامي من أبي ، ثم علم بذلك فقال لي : هذا أخوك يزيد ، وهو خير منك على دين قومه . فقلت له : لم آل نفسي جهدا . قال معاوية : ولقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وإني لمصدق به ، ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي ، فجئته فرحب بي ، وكتبت بين يديه .

قال الواقدي : وشهد معه حنينا ، وأعطاه مائة من الإبل ، وأربعين أوقية من ذهب ، وزنها له بلال .

وشهد اليمامة ، وزعم بعضهم أنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب ، حكاه ابن عساكر . وقد يكون له شرك في قتله ، وإنما الذي طعنه وحشي ، وجلله أبو دجانة سماك بن خرشة بالسيف .

[ ص: 397 ] وكان أبوه من سادات قريش في الجاهلية ، وتفرد فيهم بالسؤدد بعد يوم بدر ، ثم لما أسلم حسن بعد ذلك إسلامه ، وكان له مواقف شريفة ، وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله وما بعده .

وصحب معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكتب الوحي بين يديه مع الكتاب ، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في " الصحيحين " ، وغيرهما من " السنن " و " المسانيد " ، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين .

قال أبو بكر بن أبي الدنيا : كان معاوية طويلا أبيض جميلا ، إذا ضحك انقلبت شفته العليا ، وكان يخضب . حدثني محمد بن يزيد الأدمي ، ثنا أبو مسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن أبي عبد رب قال : رأيت معاوية يصفر لحيته كأنها الذهب .

وقال غيره : كان أبيض طويلا ، أجلح أبيض الرأس واللحية ، يخضبهما بالحناء والكتم ، وقد أصابته لقوة في آخر عمره ، فكان يستر وجهه ، ويقول : رحم الله عبدا دعا لي بالعافية ، فقد رميت في أحسني وما يبدو مني ، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي . وكان حليما وقورا رئيسا سيدا في الناس ، كريما عادلا شهما .

[ ص: 398 ] وقال المدائني ، عن صالح بن حسان قال : رأى بعض متفرسي العرب معاوية وهو صبي صغير ، فقال : إني لأظن هذا الغلام سيسود قومه . فقالت هند : ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه .

وقال الشافعي : قال أبو هريرة : رأيت هند بمكة كأن وجهها فلقة قمر ، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس ، ومعها صبي يلعب ، فمر رجل ، فنظر إليه فقال : إني لأرى غلاما إن عاش ليسودن قومه . فقالت هند : إن لم يسد إلا قومه فأماته الله . وهو معاوية بن أبي سفيان .

وقال محمد بن سعد : أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف قال : نظر أبو سفيان يوما إلى معاوية وهو غلام ، فقال لهند : إن ابني هذا لعظيم الرأس ، وإنه لخليق أن يسود قومه . فقالت هند : قومه فقط ؟ ! ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة . وكانت هند تحمله وهو صغير ، وتقول :


إن بني معرق كريم محبب في أهله حليم     ليس بفحاش ولا لئيم
ولا بطخرور ولا سئوم     صخر بني فهر به زعيم
لا يخلف الظن ولا يخيم

[ ص: 399 ] قال : فلما ولى عمر يزيد بن أبي سفيان ما ولاه من الشام ، خرج إليه معاوية ، فقال أبو سفيان لهند : كيف رأيت صار ابنك تابعا لابني ؟ فقالت : إن اضطرب حبل العرب فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني .

فلما مات يزيد بن أبي سفيان سنة بضع عشرة ، وجاء البريد إلى عمر بموته ، رد عمر البريد إلى الشام بولاية معاوية مكان أخيه يزيد ، ثم عزى أبا سفيان في ابنه يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، من وليت مكانه ؟ قال : أخاه معاوية . قال : وصلتك رحم يا أمير المؤمنين . وقالت هند لمعاوية فيما كتبت به إليه : والله يا بني ، إنه قل أن تلد حرة مثلك ، وإن هذا الرجل قد استنهضك في هذا الأمر ، فاعمل بطاعته فيما أحببت وكرهت . وقال له أبوه : يا بني ، إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا ، فرفعهم سبقهم ، وقصر بنا تأخرنا ، فصاروا قادة ، وصرنا أتباعا ، وقد ولوك جسيما من أمورهم فلا تخالفهم ، فإنك تجري إلى أمد فنافس فيه ، فإن بلغته أورثته عقبك .

فلم يزل معاوية نائبا على الشام في الدولة العمرية والعثمانية مدة خلافة عثمان ، وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرس ، وسكنها المسلمون قريبا [ ص: 400 ] من ستين سنة في أيامه ومن بعده ، ولم تزل الفتوحات والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها ، فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي ما كان ، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية ، لا على يديه ولا على يدي علي ، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخسأه وأذله ، وقهر جنده ودحاهم ، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة ، وطمع فيه ، فكتب إليه معاوية : والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك ، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت . فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف ، وبعث يطلب الهدنة .

ثم كان من أمر التحكيم ما كان ، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي كما تقدم ، فانعقدت الكلمة على معاوية ، واجتمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين كما قدمنا ، فلم يزل مستقلا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته ، والجهاد في بلاد العدو قائم ، وكلمة الله عالية ، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض ، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو .

وقد ثبت في " صحيح مسلم " من طريق عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل سماك بن الوليد ، عن ابن عباس قال : قال أبو سفيان : يا رسول الله ، ثلاث أعطنيهن . قال : " نعم " . قال : تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل [ ص: 401 ] المسلمين . قال : " نعم " . قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك . قال : " نعم " . وذكر الثالثة ، وهو أنه أراد أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته الأخرى عزة بنت أبي سفيان . واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة ، فقال : " إن ذلك لا يحل لي " وقد تكلمنا على ذلك في جزء مفرد ، وذكرنا أقوال الأئمة واعتذارهم عنه ، ولله الحمد . والمقصود منه أن معاوية كان من جملة الكتاب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يكتبون الوحي .

وروى الإمام أحمد ومسلم والحاكم في " مستدركه " من طريق أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء ، عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الغلمان ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فقلت : ما جاء إلا إلي . فاختبأت على باب ، فجاءني فحطأني حطأة ثم قال : " اذهب فادع لي معاوية " . وكان يكتب الوحي . قال : فذهبت فدعوته له ، فقيل : إنه يأكل . فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إنه يأكل . فقال : " اذهب فادعه " . فأتيته الثانية فقيل : إنه يأكل . فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال في الثالثة : " لا أشبع الله بطنه " . قال : فما شبع بعدها .

[ ص: 402 ] وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه . أما في الدنيا فإنه لما صار في الشام أميرا ، كان يأكل في اليوم سبع مرات ، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها ، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم ، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ، ويقول : والله ما أشبع ، وإنما أعيى . وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك .

وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه هو والبخاري وغيرهما ، من غير وجه عن جماعة من الصحابة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم إنما أنا بشر ، فأيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه ، وليس لذلك أهلا ، فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة " . فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية ، ولم يورد له غير ذلك .

وقال المسيب بن واضح ، عن أبي إسحاق الفزاري ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، أقرئ معاوية السلام ، واستوص به خيرا ; فإنه أمين الله على كتابه ووحيه ، ونعم الأمين .

ثم أورده ابن عساكر من وجه آخر ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، ثم أورده أيضا من رواية علي وجابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتابه معاوية ، فقال : استكتبه فإنه أمين . ولكن في الأسانيد إليهما غرابة . [ ص: 403 ] ثم أورد عن علي في ذلك غرائب كثيرة ، وكذا عن غيره أيضا .

وقال أبو عوانة ، عن سليمان ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن الحارث ، عن زهير بن الأقمر الزبيدي ، عن عبد الله بن عمرو قال : كان معاوية يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن محمد الصيدلاني ، ثنا السري بن عاصم ، ثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير ، عن أبيه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما كان يوم أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم دق الباب داق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " انظروا من هذا " . قالوا : معاوية . قال : " ائذنوا له " . فدخل وعلى أذنه قلم لم يخط به ، فقال : " ما هذا القلم على أذنك يا معاوية ؟ " قال : قلم أعددته لله ولرسوله . فقال : " جزاك الله عن نبيك خيرا ، والله ما استكتبتك إلا بوحي من الله ، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله ، كيف بك لو قمصك الله قميصا ؟ " . يعني الخلافة . فقامت [ ص: 404 ] أم حبيبة ، فجلست بين يديه وقالت : يا رسول الله ، وإن الله مقمصه قميصا ؟ ! قال : " نعم ، ولكن فيه هنات وهنات وهنات " . فقالت : يا رسول الله ، فادع الله له . فقال : " اللهم اهده بالهدى ، وجنبه الردى ، واغفر له في الآخرة والأولى " . قال الطبراني : تفرد به السري بن عاصم ، عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير ، عن هشام . وقد أورد ابن عساكر من طريق شعيب بن إسحاق وغيره ، عن هشام بن عروة ، فذكر بإسناده نحوه . وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة ، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها . والله الموفق للصواب . وقد أورد من طريق أبي هريرة وأنس وواثلة بن الأسقع مرفوعا : " الأمناء ثلاثة ; جبريل ، وأنا ، ومعاوية " . ولا يصح من جميع وجوهه . ومن رواية ابن عباس : " الأمناء سبعة ; القلم ، واللوح ، وإسرافيل ، وميكائيل ، وجبريل ، وأنا ، ومعاوية " . وهذا أنكر من الأحاديث التي قبله ، وأضعف إسنادا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية ، يعني ابن [ ص: 405 ] صالح ، عن يونس بن سيف ، عن الحارث بن زياد ، عن أبي رهم ، عن العرباض بن سارية السلمي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى السحور في شهر رمضان : " هلم إلى الغداء المبارك " . ثم سمعته يقول : " اللهم علم معاوية الكتاب والحساب ، وقه العذاب " . تفرد به أحمد ، ورواه ابن جرير من حديث ابن مهدي ، وكذلك رواه أسد بن موسى ، وبشر بن السري ، وعبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، بإسناده مثله . وفي رواية بشر بن السري : وأدخله الجنة " .

ورواه ابن عدي وغيره ، من حديث عثمان بن عبد الرحمن الجمحي ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم علم معاوية الكتاب والحساب ، وقه العذاب " .

وقال محمد بن سعد : ثنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى الأشيب قالا : ثنا أبو هلال محمد بن سليم ، ثنا جبلة بن عطية ، عن [ ص: 406 ] مسلمة بن مخلد ، وقال الأشيب : قال أبو هلال : أو عن رجل ، عن مسلمة بن مخلد . وقال سليمان بن حرب : أو حدثه مسلمة عن رجل ، أنه رأى معاوية يأكل ، فقال لعمرو بن العاص : إن ابن عمك هذا لمخضد . قال : أما إني أقول لك هذا ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم علمه الكتاب ، ومكن له في البلاد ، وقه العذاب " . وقد أرسله غير واحد من التابعين ، منهم ; الزهري وعروة بن رويم وحريز بن عثمان الرحبي الحمصي ، ويونس بن ميسرة بن حلبس .

وقال الطبراني : ثنا أبو زرعة وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقيان قالا : ثنا أبو مسهر ، ثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية : " اللهم علمه الكتاب والحساب ، وقه العذاب " . قال ابن عساكر : وهذا غريب ، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث العرباض الذي تقدم .

ثم روى من طريق الطبراني ، عن أبي زرعة ، عن أبي مسهر ، عن سعيد ، عن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 407 ] يقول لمعاوية : " اللهم اجعله هاديا مهديا ، واهده واهد به " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن بحر ، ثنا الوليد بن مسلم ، ثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الأزدي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه ذكر معاوية فقال : " اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به " . وهكذا رواه الترمذي ، عن محمد بن يحيى عن أبي مسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز به ، وقال : حسن غريب . وقد رواه عمر بن عبد الواحد ومحمد بن سليمان الحراني ، كما رواه الوليد بن مسلم وأبو مسهر ، عن سعيد ، عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي عميرة . ورواه محمد بن المصفى ، عن مروان بن محمد الطاطري ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس ، عن ابن أبي عميرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية فقال : " اللهم علمه العلم ، واجعله هاديا مهديا ، واهده واهد به " . وقد رواه سلمة بن شبيب وصفوان بن صالح وعيسى بن هلال وأبو الأزهر ، عن مروان الطاطري ، ولم يذكروا أبا إدريس في إسناده . ورواه الطبراني عن عبدان بن أحمد ، عن علي بن سهل الرملي ، عن الوليد بن مسلم ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن يونس بن ميسرة بن حلبس ، عن عبد الرحمن بن أبي [ ص: 408 ] عميرة المزني ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر معاوية فقال : " اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به " . قال ابن عساكر : وقول الجماعة هو الصواب . وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث ، وأطنب فيه وأطيب وأطرب ، وأفاد وأجاد ، وأحسن الانتقاد ، فرحمه الله ، كم له من موطن قد برز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد .

وقال الترمذي : حدثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، ثنا عمرو بن واقد ، عن يونس بن حلبس ، عن أبي إدريس الخولاني قال : لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن الشام ، وولى معاوية ، قال الناس : عزل عميرا وولى معاوية . فقال عمير : لا تذكروا معاوية إلا بخير ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم اهد به " . تفرد به الترمذي ، وقال : غريب ، وعمرو بن واقد ضعيف . هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عمير بن سعد الأنصاري . وعندي أنه ينبغي أن يكون من رواية عمر بن الخطاب ، ويكون الصواب : فقال عمر : لا تذكروا معاوية إلا بخير . ليكون عذرا له في توليته له . ومما يقوي هذا أن هشام بن عمار قال : حدثنا ابن أبي السائب ، وهو عبد العزيز [ ص: 409 ] بن الوليد بن سليمان ، قال : وسمعت أبي يذكر أن عمر بن الخطاب ولى معاوية بن أبي سفيان ، فقالوا : ولى حدث السن . فقال : تلومونني في ولايته ، وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم اجعله هاديا ، واهد به " . وهذا منقطع يقويه ما قبله .

قال الطبراني : حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ، ثنا نعيم بن حماد ، ثنا محمد بن شعيب بن سابور ، ثنا مروان بن جناح ، عن يونس بن ميسرة بن حلبس ، عن عبد الله بن بسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر وعمر في أمر ، فقال : " أشيروا علي " . فقالا : الله ورسوله أعلم . فقال : " ادعوا معاوية " . فقال أبو بكر وعمر : أما كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من رجال قريش ما يتقنون أمرهم حتى يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غلام من غلمان قريش ؟ ! فقال : " ادعو لي معاوية " . فدعي له ، فلما وقف بين يديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحضروه أمركم وأشهدوه أمركم ، فإنه قوي أمين " ورواه بعضهم عن نعيم ، وزاد : " وحملوه أمركم " . ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة ، بلا شك ، في فضل معاوية ، أضربنا عنها صفحا ، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات ، عما سواها من الموضعات والمنكرات .

[ ص: 410 ] ثم قال ابن عساكر : وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي حمزة ، عن ابن عباس ، أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلم . أخرجه مسلم في " صحيحه " . وبعده حديث العرباض : " اللهم علم معاوية الكتاب " . وبعده حديث ابن أبي عميرة : " اللهم اجعله هاديا مهديا " .

قلت : وقد قال البخاري في كتاب المناقب : ذكر معاوية بن أبي سفيان : حدثنا الحسن بن بشر ، ثنا المعافى ، عن عثمان بن الأسود ، عن ابن أبي مليكة قال : أوتر معاوية بعد العشاء بركعة ، وعنده مولى لابن عباس ، فأتى ابن عباس ، فقال : دعه فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا ابن أبي مريم ، ثنا نافع بن عمر ، ثنا ابن أبي مليكة قال : قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية ؟ ما أوتر إلا بواحدة ! قال : أصاب ، إنه فقيه .

ثنا عمرو بن عباس ، ثنا ابن جعفر ، ثنا شعبة ، عن أبي التياح قال : [ ص: 411 ] سمعت حمران عن أبان ، عن معاوية قال : إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه يصليهما ، ولقد نهى عنهما . يعني الركعتين بعد العصر .

ثم قال البخاري بعد ذلك : ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة : وقال عبدان ، ثنا عبد الله ، ثنا يونس ، عن الزهري ، حدثني عروة ، أن عائشة قالت : جاءت هند بنت عتبة فقالت : يا رسول الله ، ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك ، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك . فقال : " وأيضا والذي نفسي بيده " . فقالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا ؟ قال : " لا ، بالمعروف " . فالمدحة في قوله : " وأيضا والذي نفسي بيده " . وهو أنه كان يود أن هند وأهلها وكل [ ص: 412 ] كافر يذلوا في حال كفرهم ، فلما أسلموا كان يحب أن يعزوا ، فأعزهم الله يعني أهل خبائها .

وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال : سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الإداوة بعد أبي هريرة ، فتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها - وكان أبو هريرة قد اشتكى - فبينما هو يوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين وهو يتوضأ ، فقال : " يا معاوية ، إن وليت أمرا فاتق الله واعدل " . قال معاوية : فما زلت أظن أني سأبتلى بعمل ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى ابتليت . تفرد به أحمد . ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن أبي إسحاق الهمذاني سعيد بن زنبور بن ثابت ، عن عمرو بن يحيى بن سعيد . ورواه ابن منده من حديث بشر بن الحكم ، عن عمرو بن يحيى به .

وقال أبو يعلى : حدثنا سويد بن سعيد ، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد ، عن جده ، عن معاوية قال : اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء ، فلما توضأ نظر إلي فقال : " يا معاوية ، إن وليت أمرا فاتق الله واعدل " . فما زلت أظن أني مبتلى بعمل ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى وليت .

ورواه غالب القطان عن الحسن قال : سمعت معاوية يخطب وهو يقول : [ ص: 413 ] صببت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه ، فرفع رأسه إلي فقال : " أما إنك ستلي أمر أمتي بعدي ، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم " . وقال : فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا .

وروى البيهقي عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن عبد الملك بن عمير قال : قال معاوية : والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معاوية ، إن ملكت فأحسن " . قال البيهقي : إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف ، إلا أن للحديث شواهد .

وروى ابن عساكر بإسناده عن نعيم بن حماد : ثنا محمد بن حرب ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، ثنا محمد بن زياد ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا - وهي يومئذ مسجد يصلى فيها - إذ انتبهت من نومي ، فإذا أنا بأسد يمشي بين يدي ، فوثبت إلى سلاحي ، فقال الأسد : مه ، إنما أرسلت إليك برسالة لتبلغها . قلت : ومن أرسلك ؟ قال : الله أرسلني إليك لتبلغ معاوية السلام ، وتعلمه أنه من أهل الجنة . فقلت له : ومن معاوية ؟ قال : معاوية بن أبي سفيان . ورواه الطبراني ، عن أبي يزيد القراطيسي ، عن المعلى بن الوليد القعقاعي ، عن محمد بن حرب الخولاني ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني . وفيه ضعف ، وهذا غريب جدا ، ولعل الجميع منام ، ويكون [ ص: 414 ] قوله : إذ انتبهت من نومي . مدرجا لم يضبطه ابن أبي مريم . والله أعلم .

وقال محمد بن عائذ ، عن الوليد ، عن ابن لهيعة ، عن يونس ، عن الزهري ، قال : قدم عمر الجابية فنزع شرحبيل ، وأمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر ، وبقي الشام على أميرين ; أبي عبيدة ويزيد ، ثم توفي أبو عبيدة ، فاستخلف عياض بن غنم ثم توفي يزيد ، فأمر معاوية مكانه ، ثم نعاه عمر لأبي سفيان ، فقال : يا أبا سفيان ، احتسب يزيد بن أبي سفيان . قال : من أمرت مكانه ؟ قال : معاوية . فقال : وصلتك يا أمير المؤمنين رحم . فكان على الشام معاوية ، وعمير بن سعد ، حتى قتل عمر ، رضي الله عنهم .

وقال محمد بن إسحاق : مات أبو عبيدة في طاعون عمواس واستخلف معاذا ، فمات معاذ ، واستخلف يزيد بن أبي سفيان فمات ، واستخلف أخاه معاوية ، فأقره عمر ، وولى عمرو بن العاص فلسطين والأردن ، ومعاوية دمشق وبعلبك والبلقاء ، وولى سعيد بن عامر بن حذيم حمص ، ثم جمع الشام كلها لمعاوية بن أبي سفيان ، ثم استمر به عثمان بن عفان على الشام .

وقال إسماعيل بن أمية : أفرد عمر معاوية بإمرة الشام وجعل له في كل [ ص: 415 ] شهر ثمانين دينارا . والصواب أن الذي جمع لمعاوية الشام كلها عثمان بن عفان وأما عمر إنما ولاه بعض أعمالها . وقال بعضهم : لما عزيت هند في يزيد بن أبي سفيان - ولم يكن منها - قيل لها : إنه قد جعل معاوية أميرا مكانه . فقالت : أو مثل معاوية يجعل خلفا من أحد ؟ ! فوالله لو أن العرب اجتمعت متوافرة ، ثم رمي به فيها لخرج من أي أعراضها شاء . وقال آخرون : ذكر معاوية عند عمر ، فقال : دعوا فتى قريش وابن سيدها ، إنه لمن يضحك في الغضب ولا ينال منه إلا على الرضا ، ومن لا يأخذ من فوق رأسه إلا من تحت قدميه .

وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن قدامة الجوهري ، حدثني عبد العزيز بن بحر ، عن شيخ له قال : لما قدم عمر بن الخطاب الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم ، فلما دنا من عمر قال له : أنت صاحب الموكب العظيم ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك ؟ قال : مع ما بلغك من ذلك . قال : ولم تفعل هذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة ، فيجب أن يظهر من عز السلطان ما يرهبهم به ، فإن أمرتني فعلت ، وإن نهيتني انتهيت . فقال له عمر : [ ص: 416 ] يا معاوية ، ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس ، لئن كان ما قلت حقا ، إنه لرأي أريب ، ولئن كان باطلا إنه لخديعة أديب . قال : فمرني يا أمير المؤمنين . قال : لا آمرك ولا أنهاك . فقال رجل : يا أمير المؤمنين ، ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه ! فقال عمر : لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه .

وفي رواية أن معاوية تلقى عمر حين قدم الشام ومعاوية في موكب كثيف ، فاجتاز بعمر وهو وعبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار ، ولم يشعر بهما ، فقيل له : إنك جاوزت أمير المؤمنين . فرجع ، فلما رأى عمر ترجل ، وجعل يقول له ما ذكرنا ، فقال عبد الرحمن بن عوف : ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين ! فقال : من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه .

وقال عبد الله بن المبارك في كتاب " الزهد " : أخبرنا محمد بن أبي ذئب ، عن مسلم بن جندب ، عن أسلم مولى عمر قال : قدم علينا معاوية ، وهو أبيض أو أبض الناس وأجملهم ، فخرج إلى الحج مع عمر ، فكان عمر ينظر إليه فيعجب له ، ثم يضع أصبعه على متنه ، ثم يرفعها عن مثل الشراك ، فيقول : بخ بخ ، نحن إذا خير الناس ; أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة . فقال معاوية : يا أمير [ ص: 417 ] المؤمنين ، سأحدثك ; إنا بأرض الحمامات والريف . فقال عمر : سأحدثك ; ما بك إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك ، وذوو الحاجات وراء الباب . قال : فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها ، فوجد عمر منها ريحا كأنه ريح طيب ، فقال : يعمد أحدكم فيخرج حاجا تفلا ، حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما ! فقال معاوية : إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي أو قومي . والله لقد بلغني أذاك هاهنا وبالشام ، والله يعلم أني لقد عرفت الحياء فيه . ثم نزع معاوية ثوبيه ، ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني أبي ، عن هشام بن محمد ، عن أبي عبد الرحمن المدني قال : كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال : هذا كسرى العرب . وهكذا حكى المدائني عن عمر أنه قال ذلك .

وقال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي ، عن جده قال : دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء ، فنظر إليها الصحابة ، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرة ، فجعل يضربه بها ، وجعل معاوية يقول : يا أمير المؤمنين ، الله الله في . فرجع عمر إلى مجلسه ، فقال له القوم : لم ضربته يا أمير المؤمنين وما في قومك [ ص: 418 ] مثله ؟ ! فقال : والله ما رأيت إلا خيرا ، وما بلغني إلا خير ، ولكني رأيته - وأشار بيده - فأحببت أن أضع منه .

وقد قال أبو داود : حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، ثنا يحيى بن حمزة ، ثنا ابن أبي مريم ، أن القاسم بن مخيمرة أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره قال : دخلت على معاوية فقال : ما أنعمنا بك أبا فلان ؟ - وهي كلمة تقولها العرب - فقلت : حديث سمعته أخبرك به ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ولاه الله - عز وجل - شيئا من أمر المسلمين ، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم ، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره " . قال : فجعل رجلا على حوائج الناس . ورواه الترمذي وغيره .

وقال الإمام أحمد : حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، ثنا حبيب بن الشهيد ، عن أبي مجلز قال : خرج معاوية على الناس ، فقاموا له فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " .

[ ص: 419 ] وفي رواية قال : خرج معاوية على ابن عامر وابن الزبير ، فقام له ابن عامر ، ولم يقم له ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر : اجلس ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحب أن يتمثل له العباد قياما فليتبوأ مقعده من النار " . ورواه أبو داود والترمذي : من حديث حبيب بن الشهيد ، وقال الترمذي : حديث حسن .

وروى أبو داود من حديث الثوري ، عن ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد المقرائي الحمصي ، عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم . أو : كدت أن تفسدهم " . قال أبو الدرداء : كلمة سمعها معاوية نفعه الله بها . تفرد به أبو داود . يعني أنه كان جيد السيرة ، حسن التجاوز ، جميل العفو ، كثير الستر ، رحمه الله تعالى .

وثبت في " الصحيحين " من حديث الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن معاوية أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، وإنما أنا قاسم والله يعطي ، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون " . وفي رواية : " وهم على ذلك " . وقد خطب معاوية بهذا الحديث [ ص: 420 ] مرة ثم قال : وهذا مالك بن يخامر يخبر عن معاذ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " وهم بالشام " فحث بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق - وإن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها . وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل العراق .

وقال الليث بن سعد فتح معاوية قيسارية سنة تسع عشرة في دولة عمر بن الخطاب . وقال غيره : وفتح قبرس سنة خمس . وقيل : سنة سبع . وقيل : ثمان وعشرين . في أيام عثمان . قالوا : وكان عام غزوة المضيق - يعني مضيق القسطنطينية - في سنة ثنتين وثلاثين الأمير على الناس يومئذ معاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنه ، وجمع عثمان لمعاوية جميع الشام ، وقد استقضى معاوية فضالة بن عبيد بعد أبي الدرداء ، ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان ، على سبيل الاجتهاد والرأي ، فجرى بينهما قتال عظيم ، كما قدمنا ، وكان الحق والصواب مع علي ، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفا وخلفا ، وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين ; أهل العراق وأهل الشام .

كما ثبت في الحديث " الصحيح " : " تمرق مارقة على حين فرقة من [ ص: 421 ] المسلمين ، فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق " . فكانت المارقة الخوارج ، وقتلهم علي وأصحابه ، ثم قتل علي ، فاستقل معاوية بالأمر سنة إحدى وأربعين ، وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين ; مرة في الصيف ، ومرة في الشتاء ، ويأمر رجلا من قومه فيحج بالناس .

وحج بالناس معاوية سنة خمسين ، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين ، وفيها أو في التي بعدها أغزاه بلاد الروم ، فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية ، وقد ثبت في " الصحيح " : " أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم " . وقد تقدم هذا كله .

وقال وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : كان الحادي يحدو بعثمان فيقول :


إن الأمير بعده علي     وفي الزبير خلف مرضي

فقال كعب : بل هو صاحب البغلة الشهباء . يعني معاوية . فأتاه معاوية فقال : يا أبا إسحاق ، تقول هذا ، وهاهنا علي والزبير وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أنت صاحبها . ورواه سيف ، عن بدر بن الخليل ، عن عثمان بن عطية الأسدي ، عن رجل من بني أسد قال : ما زال معاوية يطمع فيها منذ سمع الحادي في أيام عثمان يقول :


إن الأمير بعده علي     وفي الزبير خلف مرضي

[ ص: 422 ] فقال كعب : كذبت ، بل صاحب البغلة الشهباء بعده . يعني معاوية . فقال له معاوية في ذلك ، فقال : نعم ، أنت الأمير بعده ، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا ، فوقعت في نفس معاوية .

وقال ابن أبي الدنيا : ثنا محمد بن عباد المكي ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي هارون قال : قال عمر : إياكم والفرقة بعدي ، فإن فعلتم فإن معاوية بالشام ، وستعلمون إذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها دونكم . ورواه الواقدي من وجه آخر ، عن عمر ، رضي الله عنه .

وقد روى ابن عساكر ، عن عامر الشعبي ، أن عليا حين بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية قبل وقعة صفين - وذلك حين عزم علي على قصد الشام ، وجمع الجيوش لذلك - وكتب معه كتابا إلى معاوية يذكر له فيه أنه قد لزمته بيعته ; لأنه قد بايعه المهاجرون والأنصار ، فإن لم تبايع استعنت بالله عليك وقاتلتك . وقد أكثرت القول في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله . في كلام طويل ، وقد قدمنا أكثره فيما سلف - فقرأه معاوية على الناس ، وقام جرير فخطب الناس ، وأمر في خطبته معاوية بالسمع والطاعة ، وحذره من المخالفة والمعاندة ، ونهاه عن إيقاع الفتنة بين الناس ، وأن يضرب بعضهم بعضا بالسيوف . فقال له معاوية : انتظر حتى آخذ رأي أهل الشام . فلما كان بعد ذلك أمر معاوية مناديا ، فنادى في الناس : الصلاة جامعة . فلما اجتمع الناس صعد المنبر ، فخطب فقال : الحمد لله [ ص: 423 ] الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا ، والشرائع للإيمان برهانا ، يتوقد مصباحه بالسنة في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده ، فأحلها أهل الشام ورضيهم لها ، ورضيها لهم ; لما سبق من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها ، والقوام بأمره ، الذابين عن دينه وحرماته ، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما ، وفي أعلام الخير عظاما ، يردع الله بهم الناكثين ، ويجمع بهم ألفة المؤمنين ، والله نستعين على ما تشعث من أمور المسلمين ، وتباعد بينهم بعد القرب والألفة ، اللهم انصرنا على قوم يوقظون نائما ، ويخيفون آمننا ، ويريدون هراقة دمائنا ، وإخافة سبيلنا ، وقد يعلم الله أنا لا نريد لهم عقابا ، ولا نهتك لهم حجابا ، غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى ، وسقط الندى ، وعرف الهدى ، وقد علمنا أن الذي حملهم على خلافنا البغي والحسد لنا ، فالله نستعين عليهم ، أيها الناس ، قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأني خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم ، وأني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط ، وأني ولي عثمان وابن عمه ، قال الله تعالى في كتابه : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [ الإسراء : 33 ] . وقد علمتم أنه قتل مظلوما ، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان . فقال أهل الشام بأجمعهم : بل نطلب بدمه . فأجابوه إلى ذلك وبايعوه ، ووثقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم ، أو يدركوا بثأره ، أو يفني الله أرواحهم قبل ذلك . فلما رأى جرير من طاعة أهل [ ص: 424 ] الشام لمعاوية ما رأى ، أفزعه ذلك ، وعجب منه . وقال معاوية لجرير : إن ولاني على الشام ومصر بايعته على ألا يكون لأحد بعده علي بيعة . فقال : اكتب إلى علي بما شئت ، وأنا أكتب معك . فلما بلغ عليا الكتاب قال : هذه خديعة ، وقد سألني المغيرة بن شعبة أن أولي معاوية الشام وأنا بالمدينة ، فأبيت ذلك وما كنت متخذ المضلين عضدا . ثم كتب إلى جرير بالقدوم عليه ، فما قدم إلا وقد اجتمعت العساكر إلى علي ، وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص - وكان معتزلا بفلسطين حين قتل عثمان - وكان عثمان قد عزله عن مصر ، فكتب إليه معاوية يستدعيه ليستشيره في أموره ، فركب إليه ، فاجتمعا على حرب علي .

وقد قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، في كتاب معاوية إلى علي حين سأله نيابة الشام ومصر ، فكتب إلى معاوية يؤنبه ويلومه على ذلك ويعرض بأشياء فيه :


معاوي إن الشام شامك فاعتصم     بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
وحام عليها بالقبائل والقنا     ولا تك مخشوش الذراعين وانيا
فإن عليا ناظر ما تجيبه     فأهد له حربا تشيب النواصيا
وإلا فسلم إن في الأمن راحة     لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا
وإن كتابا يا ابن حرب كتبته     على طمع جان عليك الدواهيا
سألت عليا فيه ما لا تناله     ولو نلته لم يبق إلا لياليا
إلى أن ترى منه التي ليس بعدها     بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا
[ ص: 425 ] ومثل علي تغترره بخدعة     وقد كان ما جربت من قبل كافيا
ولو نشبت أظفاره فيك مرة     حذاك ابن هند بعد ما كنت حاذيا

وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية ، فقالوا له : أنت تنازع عليا أم أنت مثله ؟ فقال : والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل ، وأحق بالأمر مني ، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ، وأنا ابن عمه ، وأنا أطلب بدمه ، وأمره إلي ؟ فقولوا له فليسلم إلي قتلة عثمان ، وأنا أسلم له أمره . فأتوا عليا ، فكلموه في ذلك ، فلم يدفع إليهم أحدا ، فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية .

وعن عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي ، عن عامر الشعبي أو أبي جعفر الباقر ، قال : بعث علي رجلا إلى دمشق ينذرهم أن عليا قد نهد في أهل العراق إليكم ; ليستعلم طاعتهم لمعاوية ، فلما قدم ، أمر معاوية فنودي في الناس : الصلاة جامعة . فملئوا المسجد ، ثم صعد المنبر ، فقال في خطبته : إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق ، فما الرأي ؟ فضرب كل منهم على صدره ، ولم يتكلم أحد منهم ، ولا رفعوا إليه أبصارهم ، وقام ذو الكلاع فقال : يا أمير المؤمنين ، عليك الرأي وعلينا امفعال . يعني : الفعال . ثم نادى معاوية في الناس أن اخرجوا [ ص: 426 ] إلى معسكركم في ثلاث ، فمن تخلف فقد أحل بنفسه . فاجتمعوا كلهم ، فركب ذلك الرجل إلى علي فأخبره ، فأمر علي مناديا فنادى : الصلاة جامعة . فاجتمعوا ، فصعد المنبر فقال : إن معاوية قد جمع الناس لحربكم ، فما الرأي ؟ فقال كل فريق منهم مقالة ، واختلط كلام بعضهم في بعض ، فلم يدر علي مما قالوا شيئا ، فنزل عن المنبر وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب والله بها ابن آكلة الأكباد . ثم كان من أمر الفريقين بصفين ما كان ، كما ذكرناه مبسوطا في سنة ست وثلاثين .

وقد قال أبو بكر بن دريد : أنبأنا أبو حاتم ، عن أبي عبيدة قال : قال معاوية : لقد وضعت رجلي في الركاب ، وهممت يوم صفين بالهزيمة ، فما منعني إلا قول ابن الإطنابة حيث يقول :


أبت لي عفتي وأبى بلائي     وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإكراهي على المكروه نفسي     وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت     مكانك تحمدي أو تستريحي

وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال : الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي . فقيل له : فمعاوية ؟ قال : لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي ، ورحم الله معاوية .

وقال علي بن المديني : سمعت سفيان بن عيينة يقول : ما كانت في علي خصلة تقصر به عن الخلافة ، ولم يكن في معاوية خصلة ينازع عليا بها .

[ ص: 427 ] وقيل لشريك القاضي : كان معاوية حليما ؟ فقال : ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا . رواه ابن عساكر .

وقال سفيان الثوري ، عن حبيب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه ذكر معاوية وأنه لبى عشية عرفة ، فقال فيه قولا شديدا ، ثم بلغه أن عليا لبى عشية عرفة ، فتركه .

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثني عباد بن موسى ، ثنا علي بن ثابت الجزري ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن عمر بن عبد العزيز قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده ، فسلمت وجلست ، فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية ، فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر ، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول : قضي لي ورب الكعبة . ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول : غفر لي ورب الكعبة .

وروى ابن عساكر ، عن أبي زرعة الرازي ، أنه قال له رجل : إني أبغض معاوية . فقال له : ولم ؟ قال : لأنه قاتل عليا . فقال له أبو زرعة : ويحك ! إن رب معاوية رب رحيم ، وخصم معاوية خصم كريم ، فأيش دخولك أنت بينهما ؟ ! رضي الله عنهما .

وسئل الإمام أحمد عما جرى بين علي ومعاوية ، فقرأ : [ ص: 428 ] تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون [ البقرة : 134 ] . وكذا قال غير واحد من السلف .

وقال الأوزاعي : سئل الحسن عما جرى بين علي وعثمان فقال : كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة ، ولهذا قرابة ولهذا قرابة ، فابتلي هذا وعوفي هذا . وسئل عما جرى بين علي ومعاوية فقال : كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة ، ولهذا سابقة ، ولم يكن لهذا سابقة ، فابتليا جميعا .

وقال كلثوم بن جوشن : سأل النضر أبو عمر الحسن البصري فقال : أبو بكر أفضل أم علي ؟ فقال : سبحان الله ! ولا سواء ، سبقت لعلي سوابق شركه فيها أبو بكر ، وأحدث علي أحداثا لم يشركه فيها أبو بكر ، أبو بكر أفضل . فقال : فعمر أفضل أم علي ؟ فقال مثل قوله الأول ، ثم قال : عمر أفضل . ثم قال : عثمان أفضل أم علي ؟ فقال مثل قوله الأول ، ثم قال : عثمان أفضل . قال : فعلي أفضل أم معاوية ؟ فقال : سبحان الله ! ولا سواء ، سبقت لعلي سوابق لم يشركه فيها معاوية ، وأحدث علي أحداثا شركه فيها معاوية ، علي أفضل من معاوية .

وقد روي عن الحسن البصري أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء ; قتاله عليا ، وقتله حجر بن عدي واستلحاقه زياد بن أبيه ، ومبايعته ليزيد ابنه .

وقال جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة قال : لما جاء خبر قتل علي إلى [ ص: 429 ] معاوية جعل يبكي ، فقالت له امرأته : أتبكيه وقد قاتلته ؟ فقال : ويحك ! إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم . وفي رواية أنها قالت له : بالأمس تقاتله واليوم تبكيه ؟ !

قلت : وقد كان مقتل علي في رمضان سنة أربعين كما قدمنا . ولهذا قال الليث بن سعد : إن معاوية بويع له بإيلياء بيعة الجماعة ، ودخل الكوفة سنة أربعين . والصحيح الذي قاله ابن إسحاق والجمهور ; أنه بويع له بإيلياء في رمضان سنة أربعين ، حين بلغ أهل الشام مقتل علي ، ولكنه إنما دخل الكوفة بعد مصالحة الحسن له في شهر ربيع الأول ، سنة إحدى وأربعين ، وهو عام الجماعة ، وذلك بمكان يقال له : أذرح . وقيل : بمسكن . من أرض سواد العراق من ناحية الأنبار ، فاستقل معاوية بالأمر إلى أن مات سنة ستين . وقد قال بعضهم : كان نقش خاتم معاوية : لكل عمل ثواب . وقيل : بل كان : لا قوة إلا بالله .

وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن منصور ، قالا ثنا أبو معاوية ، ثنا الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن سويد قال : صلى بنا معاوية بالنخيلة - يعني خارج الكوفة - الجمعة في الضحى ، ثم خطبنا فقال : ما قاتلتكم لتصوموا ، ولا لتصلوا ، ولا لتحجوا ، ولا لتزكوا ، قد عرفت [ ص: 430 ] أنكم تفعلون ذلك ، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون . ورواه محمد بن سعد ، عن يعلى بن عبيد ، عن الأعمش به .

وقال محمد بن سعد : حدثنا عارم ، ثنا حماد بن زيد ، عن معمر ، عن الزهري ، أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه ، ثم إنه بعد .

وقال نعيم بن حماد : حدثنا ابن فضيل ، عن السري بن إسماعيل ، عن الشعبي ، حدثني سفيان بن الليل قال : قلت للحسن بن علي لما قدم من الكوفة إلى المدينة : يا مذل المؤمنين . قال : لا تقل ذلك ، فإني سمعت أبي يقول : لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية . فعلمت أن أمر الله واقع ، فكرهت أن تهراق بيني وبينه دماء المسلمين .

وقال مجالد ، عن الشعبي ، عن الحارث الأعور قال : قال علي بعد ما رجع من صفين : أيها الناس ، لا تكرهوا إمارة معاوية ، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرءوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل .

وقال ابن عساكر بإسناده عن أبي داود الطيالسي ، ثنا أيوب بن جابر ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود بن يزيد قال : قلت لعائشة : ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الخلافة ؟ فقالت : وما تعجب من [ ص: 431 ] ذلك ؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر ، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة .

وقال الزهري : حدثني القاسم بن محمد ، أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة ، فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة ، فقالت : أمنت أن أخبئ لك رجلا يقتلك بقتلك أخي محمدا ؟ فقال : صدقت . فكلمها معاوية ، فلما قضى كلامه معها تشهدت عائشة ، ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق ، والذي سن الخلفاء بعده ، وحضت معاوية على اتباع أمرهم ، فقالت في ذلك فلم تترك ، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية : أنت والله العالمة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة ، حضضت على الخير وأمرت به ، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا ، وأنت أهل أن تطاعي . وتكلمت هي ومعاوية كلاما كثيرا . فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان وقال : والله ما سمعت خطيبا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ من عائشة .

وقال محمد بن سعد : حدثنا خالد بن مخلد البجلي ، ثنا سليمان بن بلال ، حدثني علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه قالت : قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة ، فأرسل إلى عائشة أن أرسلي إلي بأنبجانية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره ، فأرسلت به معي أحمله ، حتى دخلت به عليه ، فأخذ الأنبجانية ، فلبسها ، وأخذ [ ص: 432 ] شعره فدعا بماء ، فغسله وشربه ، وأفاض على جلده .

وقال الأصمعي ، عن الهذلي ، عن الشعبي قال : لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقته رجال من وجوه قريش فقالوا : الحمد لله الذي أعز نصرك ، وأعلى أمرك . فما رد عليهم جوابا حتى دخل المدينة ، فقصد المسجد وعلا المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإني والله ما وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها ، وإني لعالم بما في نفوسكم ، ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة ، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة فلم أجدها تقوم بذلك ، وأردتها على عمل ابن الخطاب ، فكانت أشد نفورا ، وحاولتها على مثل سنيات عثمان ، فأبت علي ، وأين مثل هؤلاء ؟ ! هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممن بعدهم ، رحمة الله ورضوانه عليهم ، غير أني سلكت بها طريقا لي فيه منفعة ، ولكم فيه مثل ذلك ، ولكل فيه مؤاكلة حسنة ، ومشاربة جميلة ، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة ، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم ، والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه ، ومهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذني ، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فارضوا مني ببعضه ، فإنها ليست بقائبة قوبها ، وإن السيل إذا جاء تترى - وإن قل - أغنى ، وإياكم والفتنة فلا تهموا بها ، فإنها تفسد المعيشة ، وتكدر النعمة ، وتورث الاستئصال ، أستغفر الله لي ولكم . ثم نزل . قال أهل اللغة : القائبة : البيضة ، والقوب : الفرخ ، قابت [ ص: 433 ] البيضة تقوب إذا انفلقت عن الفرخ .

والظاهر أن هذه الخطبة كانت عام حج في سنة أربع وأربعين ، أو في سنة خمسين ، لا في عام الجماعة .

وقال الليث : حدثني علوان بن دواد ، عن صالح بن كيسان ، أن معاوية قدم المدينة أول حجة حجها بعد اجتماع الناس عليه ، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش ، فتوجه إلى دار عثمان بن عفان ، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان ، وندبت أباها ، فقال معاوية لمن معه : انصرفوا إلى منازلكم فإن لي حاجة في هذه الدار . فانصرفوا ودخل ، فسكن عائشة ، وأمرها بالكف ، وقال لها : يا بنت أخي ، إن الناس أعطونا سلطانا فأظهرنا لهم حلما تحته غضب ، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، فبعناهم هذا ، وباعونا هذا ، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا شحوا على حقهم ، ومع كل إنسان منهم شيعة ، وهو يرى مكان شيعتهم ، فإن نكثناهم نكثوا بنا ، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا ؟ وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين خير من أن تكوني أمة من إماء المسلمين ، ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك .

وقد روى ابن عدي ، من طريق علي بن زيد ، وهو ضعيف ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، ومن حديث مجالد ، وهو ضعيف أيضا ، عن [ ص: 434 ] أبي الوداك ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " . أسنده أيضا من طريق الحكم بن ظهير ، وهو متروك ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود مرفوعا . وهذا الحديث كذب بلا شك ، ولو كان صحيحا لبادر الصحابة إلى فعل ذلك ; لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم . وأرسله عمرو بن عبيد عن الحسن البصري . قال أيوب : وهو كذب . ورواه الخطيب البغدادي بإسناد مجهول ، عن أبي الزبير ، عن جابر مرفوعا " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه فإنه أمين مأمون " .

وقد قال أبو زرعة الدمشقي ، عن دحيم ، عن الوليد ، عن الأوزاعي قال : أدركت خلافة معاوية عدة من الصحابة ; منهم أسامة ، وسعد ، وجابر ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد ، ورافع بن خديج ، وأبو أمامة ، وأنس بن مالك ، ورجال أكثر ممن سمينا بأضعاف مضاعفة ، كانوا مصابيح الهدى ، وأوعية العلم ، حضروا من الكتاب تنزيله ، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويله ; ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله ، منهم المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعبد الله بن محيريز ، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يدا عن [ ص: 435 ] مجامعة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو زرعة عن دحيم ، عن الوليد ، عن سعيد بن عبد العزيز قال : لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو ، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة ، تذهب سرية في الصيف وتشتو بأرض الروم ، ثم تقفل وتعقبها أخرى ، وكان في جملة من أغزا ابنه يزيد ، ومعه خلق من الصحابة ، فجاز بهم الخليج ، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها ، ثم قفل بهم ، وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال : شدوا خناق الروم .

وقال ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري قال : حج بالناس معاوية في أيام خلافته مرتين ، وكانت أيامه عشرين سنة إلا شهرا .

وقال أبو بكر بن عياش : حج بالناس معاوية سنة أربع وأربعين ، وسنة خمسين . وقال غيره : سنة إحدى وخمسين . فالله أعلم .

وقال الليث بن سعد : حدثنا بكير ، عن بسر بن سعيد ، أن سعد بن أبي وقاص قال : ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب . يعني معاوية .

وقال عبد الرزاق : حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، [ ص: 436 ] ثنا المسور بن مخرمة أنه وفد على معاوية ، قال : فلما دخلت عليه - حسبت أنه قال : سلمت عليه - فقال : ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور ؟ قال : قلت : ارفضنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له . فقال : لتكلمني بذات نفسك . قال : فلم أدع شيئا أعيبه عليه إلا أخبرته به . فقال : لا براء من الذنوب ، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك ؟ قال : قلت : نعم . قال : فما يجعلك أحق بأن ترجو المغفرة مني ، فوالله لما ألي من الإصلاح بين الناس وإقامة الحدود والجهاد في سبيل الله والأمور العظام التي نحصيها والتي لا نحصيها أكثر مما تلي ، وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات ، ووالله على ذلك ما كنت لأخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه . قال : ففكرت حين قال لي ما قال ، فعرفت أنه قد خصمني . قال : فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير . وقد رواه شعيب ، عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور بنحوه .

وقال ابن دريد عن أبي حاتم ، عن العتبي قال : قال معاوية : يا أيها الناس ، ما أنا بخيركم ، وإن منكم لمن هو خير مني ; عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وغيرهما من الأفاضل ، ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية ، وأنكاكم في عدوكم ، وأدركم حلبا . وقد رواه محمد بن سعد ، عن محمد بن [ ص: 437 ] مصعب ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن ثابت مولى سفيان ، أنه سمع معاوية يقول نحو ذلك .

وقال هشام بن عمار خطيب دمشق : حدثنا عمرو بن واقد ، ثنا يونس بن حلبس قال : سمعت معاوية على منبر دمشق يوم جمعة يقول : أيها الناس ، اعقلوا قولي ، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني ، أقيموا وجوهكم وصفوفكم في الصلاة ، فلتقيمن وجوهكم وصفوفكم ، أو ليخالفن الله بين قلوبكم ، خذوا على أيدي سفهائكم ، أو ليسلطنهم الله عليكم فليسومنكم سوء العذاب ، تصدقوا ولا يقولن الرجل : إني مقل . فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغني ، وإياكم وقذف المحصنات ، وأن يقول الرجل : سمعت . و : بلغني . فلو قذف أحدكم امرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا يزيد بن طهمان الرقاشي ، ثنا محمد بن سيرين قال : كان معاوية إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتهم .

وروى أبو القاسم البغوي ، عن سويد بن سعيد ، عن ضمام بن إسماعيل ، عن أبي قبيل قال : كان معاوية يبعث رجلا يقال له : أبو الجيش . في [ ص: 438 ] كل يوم ، فيدور على المجالس يسأل هل ولد لأحد مولود ، أو قدم أحد من الوفود ، فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان . يعني ليجري عليه الرزق .

وقال غيره : كان معاوية متواضعا ، ليس له مجالد إلا كمجالد الصبيان التي يسمونها المخاريق ، فيضرب بها الناس .

وقال هشام بن عمار ، عن عمرو بن واقد ، عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال : رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردف وراءه وصيفا ، عليه قميص مرقوع الجيب ، وهو يسير في أسواق دمشق .

وقال الأعمش ، عن مجاهد أنه قال : لو رأيتم معاوية لقلتم : هذا المهدي .

وقال هشيم ، عن العوام ، عن جبلة بن سحيم ، عن ابن عمر قال : ما رأيت أحدا أسود من معاوية . قال : قلت : ولا عمر ؟ قال : كان عمر خيرا منه ، وكان معاوية أسود منه . ورواه أبو سفيان الحميري ، عن العوام بن حوشب به ، قال : ما رأيت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية . قيل : ولا أبا بكر ؟ قال : كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرا منه ، وهو أسود منهم . وروي من طرق عن ابن عمر مثله .

[ ص: 439 ] وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، سمعت ابن عباس يقول : ما رأيت رجلا كان أخلق بالملك من معاوية .

وقال حنبل بن إسحاق : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا ابن أبي عتبة ، عن شيخ من أهل المدينة قال : قال معاوية : أنا أول الملوك .

وقال ابن أبي خيثمة : حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا ضمرة ، عن ابن شوذب قال : كان معاوية يقول : أنا أول الملوك وآخر خليفة .

قلت : والسنة أن يقال لمعاوية : ملك . ولا يقال له : خليفة . لحديث سفينة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا عضوضا " .

وقال عبد الملك بن مروان يوما ، وذكر معاوية فقال : ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه .

وقال قبيصة بن جابر : ما رأيت أحدا أعظم حلما ، ولا أكثر سؤددا ، ولا أبعد أناة ، ولا ألين مخرجا ، ولا أرحب باعا بالمعروف من معاوية .

[ ص: 440 ] وقال بعضهم : أسمع رجل معاوية كلاما شديدا ، فقيل له : لو سطوت عليه ! فقال : إني لأستحيي أن يضيق حلمي عن أحد من رعيتي . وفي رواية : قال له رجل : يا أمير المؤمنين ، ما أحلمك ! فقال : إني لأستحيي أن يكون جرم رجل أعظم من حلمي .

وقال الأصمعي ، عن الثوري قال : قال معاوية : إني لأستحي أن يكون ذنب أعظم من عفوي ، أو جهل أكبر من حلمي ، أو تكون عورة لا أواريها بستري .

وقال الشعبي - والأصمعي ، عن أبيه - قالا : جرى بين رجل يقال له : أبو الجهم . وبين معاوية كلام ، فتكلم أبو الجهم بكلام فيه غم لمعاوية ، فأطرق ، ثم رفع رأسه فقال : يا أبا الجهم ، إياك والسلطان ، فإنه يغضب غضب الصبيان ، ويأخذ أخذ الأسد ، وإن قليله يغلب كثير الناس . ثم أمر له بمال ، فقال أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية :


نميل على جوانبه كأنا     إذا ملنا نميل على أبينا
نقلبه لنخبر حالتيه     فنخبر منهما كرما ولينا



وقال الأعمش : طاف الحسن بن علي مع معاوية ، فكان معاوية [ ص: 441 ] يمشي بين يديه ، فقال الحسن : ما أشبه أليتيه بأليتي هند . فالتفت إليه معاوية فقال : أما إنه كان يعجب أبا سفيان .

وقال ابن أخته عبد الرحمن بن أم الحكم لمعاوية : إن فلانا يشتمني . فقال له : تطأطأ لها تمر فتجاوزك .

وقال ابن الأعرابي : قال رجل لمعاوية : ما رأيت أنذل منك . فقال معاوية : بلى ، من واجه الرجال بمثل هذا .

وقال أبو عمرو بن العلاء : قال معاوية : ما يسرني بدل الكرم حمر النعم . وقال بعضهم : قال معاوية : يا بني أمية ، قاربوا قريشا بالحلم ، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتما وأوسعه حلما ، فأرجع وهو لي صديق ، أستنجده فينجدني ، وأثور به فيثور معي ، وما رفع الحلم عن شريف شرفه ، ولا زاده إلا كرما . وقال : آفة الحلم الذل . وقال أيضا : لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله ، وصبره شهوته ، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة الحلم .

[ ص: 442 ] وقال عبد الله بن الزبير : لله در ابن هند ، والله إن كنا لنفرقه - وما الليث على براثنه بأجرأ منه - فيتفارق لنا ، وإن كنا لنخدعه - وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه - فيتخادع لنا ، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا الجبل حجر . وأشار إلىأبي قبيس . وقال رجل لمعاوية : من أسود الناس ؟ فقال : أسخاهم نفسا حين يسأل ، وأحسنهم في المجالس خلقا ، وأحلمهم حين يستجهل .

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى : كان معاوية يتمثل بهذه الأبيات كثيرا :


فما قتل السفاهة مثل حلم     يعود به على الجهل الحليم
فلا تسفه وإن ملئت غيظا     على أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخا لك عند ذنب     فإن الذنب يغفره الكريم

[ ص: 443 ] وعن ابن عباس أنه قال : قد علمت بم غلب معاوية الناس ، كانوا إذا طاروا وقع ، وإذا وقعوا طار .

وقال غيره : كتب معاوية إلى نائبه زياد : إنه لا ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة ; باللين فيمرحوا ، ولا بالشدة فنحمل الناس على المهالك ، ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة ، أكون أنا للين والألفة والرحمة ، فإذا خاف خائف وجد بابا يدخله .

وقال أبو مسهر ، عن سعيد بن عبد العزيز قال : قضى معاوية عن عائشة أم المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار كانت عليها .

وقال هشام بن عروة ، عن أبيه قال : بعث معاوية إلى أم المؤمنين عائشة بمائة ألف ، ففرقتها من يومها ، فلم يبق منها درهم ، فقالت لها خادمتها : هلا أبقيت لنا درهما نشتري به لحما . فقالت : لو أذكرتني لفعلت .

وقال عطاء : بعث معاوية إلى عائشة - وهي بمكة - بطوق قيمته مائة ألف ، فقبلته .

وقال زيد بن الحباب ، عن الحسين بن واقد ، عن عبد الله بن بريدة قال : [ ص: 444 ] قدم الحسن بن علي على معاوية فقال : لأجيزنك بجائزة لم يجز بها أحد كان قبلي . فأعطاه أربعمائة ألف ألف .

ووفد إليه مرة الحسن والحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف ، وقال لهما : ما أجاز بها أحد قبلي . فقال له الحسين : ولم تعط أحدا أفضل منا .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا يوسف بن موسى ، ثنا جرير عن مغيرة قال : أرسل الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه المال ، فبعث إليهما أو إلى كل منهما بمائة ألف ، فبلغ ذلك عليا ، فقال لهما : ألا تستحيان ; رجل نطعن في عينه غدوة وعشية تسألانه المال ؟ ! فقالا : بل حرمتنا وجاد لنا .

وروى الأصمعي قال : وفد الحسن وعبد الله بن الزبير على معاوية ، فقال للحسن : مرحبا وأهلا بابن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأمر له بثلاثمائة ألف ، وقال لابن الزبير : مرحبا وأهلا بابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأمر له بمائة ألف .

وقال أبو مروان المرواني : بعث معاوية إلى الحسن بن علي بمائة ألف ، فقال : لجلسائه : من أخذ شيئا فهو له . وبعث إلى الحسين بمائة ألف ، فقسمها على جلسائه ، وكانوا عشرة ، فأصاب كل واحد عشرة آلاف . وبعث إلى [ ص: 445 ] عبد الله بن جعفر بمائة ألف ، فاستوهبتها منه امرأته ، فأطلقها لها . وبعث إلى مروان بن الحكم بمائة ألف ، فقسم منها خمسين ألفا ، وحبس خمسين ألفا ، وبعث إلى عبد الله بن عمر بمائة ألف ، ففرق منها تسعين ألفا ، واستبقى عشرة آلاف . فقال معاوية : إنه لمقتصد يحب الاقتصاد ، وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمائة ألف فقال للرسول : لم جئت بها بالنهار ؟ هلا جئت بها بالليل . ثم حبسها عنده ، ولم يعط منها أحدا شيئا ، فقال معاوية : إنه لخب ضب ، كأنك به قد رفع ذنبه وقطع .

وقال ابن داب : كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف ، ويقضي له معها مائة حاجة ، فقدم عليه عاما ، فأعطاه المال ، وقضى له الحاجات ، وبقيت منها حاجة واحدة ، فبينما هو عنده إذ قدم أصبهبذ سجستان يطلب من معاوية أن يملكه تلك البلاد ، ووعد من قضى له هذه الحاجة من ماله ألف ألف ، فطاف على رءوس الأمراء من أهل الشام وأمراء العراق ، ممن قدم مع الأحنف بن قيس فكلهم يقولون له : عليك بعبد الله بن جعفر . فقصده الدهقان ، فكلم فيه ابن جعفر معاوية ، فقضى حاجته تكملة المائة حاجة ، وأمر الكاتب فكتب له عهده ، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان ، فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم ، فقال له ابن جعفر : اسجد لله ، واحمل مالك إلى منزلك ، فإنا أهل بيت لا نتبع المعروف بالمن . فبلغ ذلك معاوية فقال : لأن يكون يزيد قالها أحب إلي من خراج العراق ، أبت بنو هاشم إلا كرما .

[ ص: 446 ] وقال غيره : كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف ، فاجتمع عليه في بعض الأوقات دين خمسمائة ألف ، فألح عليه غرماؤه ، فاستنظرهم حتى يقدم على معاوية ، فيسأله أن يسلفه شيئا من العطاء ، فركب إليه ، فقال له : ما أقدمك يا ابن جعفر ؟ فقال : دين ألح علي غرماؤه . فقال : وكم هو : قال : خمسمائة ألف . فقضاها عنه . وقال له : إن الألف ألف ستأتيك في وقتها .

وقال ابن سعيد : حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا أبو هلال ، عن قتادة قال : قال معاوية : يا عجبا للحسن بن علي ! شرب شربة عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه . ثم قال لابن عباس : لا يسوءك الله ولا يخزيك في الحسن بن علي . فقال ابن عباس لمعاوية : لا يخزيني الله ولا يسوءني ما أبقى الله أمير المؤمنين . قال : فأعطاه ألف ألف درهم وعروضا وأشياء ، وقال : خذها فاقسمها في أهلك .

وقال أبو الحسن المدائني ، عن سلمة بن محارب قال : قيل لمعاوية : أيكم كان أشرف ; أنتم أو بنو هاشم ؟ قال : كنا أكثر أشرافا وكانوا أشرف واحدا ; لم يكن في عبد مناف مثل هاشم ، فلما هلك كنا أكثر عددا وأكثر أشرافا ، وكان فيهم عبد المطلب ، ولم يكن فينا مثلهم ، فصرنا أكثر عددا وأكثر أشرافا ولم يكن فيهم واحد كواحدنا ، فلم يكن إلا كقرار العين حتى جاء شيء لم يسمع الأولون بمثله ، ولا يسمع الآخرون بمثله ; محمد صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 447 ] وروى ابن أبي خيثمة عن موسى بن إسماعيل ، عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ، أن عمرو بن العاص قص على معاوية مناما رأى فيه أبا بكر وعمر وعثمان ، وهم يحاسبون على ما ولوه في أيامهم ، ورأى معاوية وهو موكل به رجلان يحاسبانه على ما عمل في أيامه ، فقال له معاوية : ما رأيت ثم دنانير مصر ؟ !

وقال ابن دريد ، عن أبي حاتم ، عن العتبي قال : دخل عمرو على معاوية وقد ورد عليه كتاب فيه تعزية له في بعض الصحابة ، فاسترجع معاوية ، فقال عمرو بن العاص :


يموت الصالحون وأنت حي     تخطاك المنايا لا تموت

فقال له معاوية :


أترجو أن أموت وأنت حي     فلست بميت حتى تموت



وقال ابن السماك : قال معاوية : كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة ; فإنه لا يرضيه إلا زوالها .

وقال الزهري ، عن عبد الملك بن مروان ، عن أبي بحرية قال : قال معاوية : المروءة في أربع ; العفاف في الإسلام ، واستصلاح المال ، وحفظ الإخوان ، وحفظ الجار .

[ ص: 448 ] وقال أبو بكر الهذلي : كان معاوية يقول الشعر ، فلما ولي الخلافة قال له أهله : قد بلغت الغاية ، فماذا تصنع بالشعر ؟ فارتاح يوما فقال


سرحت سفاهتي وأرحت حلمي     وفي على تحلمي اعتراض
على أني أجيب إذا دعتني     إلى حاجاتها الحدق المراض

وقال مغيرة ، عن الشعبي : أول من خطب جالسا معاوية حين كثر شحمه وعظم بطنه . وكذا روى مغيرة ، عن إبراهيم أنه قال : أول من خطب جالسا يوم الجمعة معاوية . وقال أبو المليح ، عن ميمون : أول من جلس على المنبر معاوية ، واستأذن الناس في الجلوس .

وقال قتادة ، عن سعيد بن المسيب : أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية .

وقال أبو جعفر الباقر : كانت أبواب مكة لا أغلاق لها ، وأول من اتخذ لها الأبواب معاوية .

وقال أبو اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري : مضت السنة أن لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر ، وأول من ورث المسلم من الكافر معاوية ، وقضى بذلك بنو أمية بعده ، حتى كان عمر بن عبد العزيز فراجع السنة ، [ ص: 449 ] وأعاد هشام ما قضى به معاوية وبنو أمية من بعده . وبه قال الزهري : ومضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم ، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف ، وأخذ النصف لنفسه .

وقال ابن وهب ، عن مالك ، عن الزهري قال : سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : اسمع يا زهري ، من مات محبا لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وشهد للعشرة بالجنة ، وترحم على معاوية ، كان حقيقا على الله أن لا يناقشه الحساب .

وقال سعيد بن يعقوب الطالقاني : سمعت عبد الله بن المبارك يقول : تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز .

وقال محمد بن يحيى بن سعيد : سئل ابن المبارك عن معاوية فقال : ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سمع الله لمن حمده " . فقال خلفه : ربنا ولك الحمد ؟ ! فقيل له : أيما أفضل ؟ هو أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز .

وقال غيره عن ابن المبارك قال : معاوية عندنا محنة فمن رأيناه ينظر إليه شزرا اتهمناه على القوم . يعني الصحابة .

[ ص: 450 ] وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره : سئل المعافى بن عمران أيما أفضل معاوية أم عمر بن عبد العزيز ؟ فغضب وقال للسائل : تجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين ؟ ! معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوا لي أصحابي وأصهاري ، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " . وكذا قال الفضل بن عنبسة .

وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي : معاوية ستر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه .

وقال الميموني : قال لي أحمد بن حنبل : يا أبا الحسن ، إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام .

وقال الفضل بن زياد : سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص : أيقال له رافضي ؟ فقال : إنه لم يجتر عليهما إلا وله خبيئة سوء ، ما انتقص أحد أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وله داخلة سوء .

وقال ابن المبارك ، عن محمد بن مسلم ، عن إبراهيم بن ميسرة [ ص: 451 ] قال : ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية ، فإنه ضربه أسواطا .

وقال بعض السلف : بينا أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفا يقول : من أبغض الصديق فذاك زنديق ، ومن أبغض عمر فإلى جهنم زمر ، ومن أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن ، ومن أبغض علي فذاك خصمه النبي ، ومن أبغض معاويه ، سحبته الزبانيه ، إلى جهنم الحاميه ، ويرمى به في الهاويه .

وقال بعضهم : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية ، إذ جاء رجل فقال عمر : يا رسول الله ، هذا ينتقصنا . فكأنه انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إني لا أنتقص هؤلاء ، ولكن أنتقص هذا . يعني معاوية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويلك ! أو ليس هو من أصحابي ؟ ! قالها ثلاثا ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربة ، فناولها معاوية فقال : جأ بها في لبته . فضربه بها ، وانتبهت فبكرت إلى منزله ، فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات . وهو راشد الكندي .

وروى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض ، أنه كان يقول : معاوية من الصحابة ، من العلماء الكبار ، ولكن ابتلي بحب الدنيا .

[ ص: 452 ] وقال العتبي : قيل لمعاوية : أسرع إليك الشيب . فقال : كيف لا ولا أزال أرى رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه ، فإن أصبت لم أحمد ، وإن أخطأت سارت بها البرد .

وقال الشعبي وغيره : أصابت معاوية في آخر عمره لقوة .

وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية ، فقال لهم في الطريق : إذا دخلتم على معاوية فلا تسلموا عليه بالخلافة ; فإنه لا يحب ذلك . فلما دخل عليه عمرو قبلهم قال معاوية لحاجبه : أدخلهم . وأوعز إليه أن يخوفهم في الدخول ويرعبهم ، وقال : إني لأظن عمرا قد تقدم إليهم في شيء . فلما أدخلوهم عليه - وقد أهانوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول : السلام عليك يا رسول الله . فلما نهض عمرو من عنده قال : قبحكم الله ! [ ص: 453 ] نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة !

وذكر أن رجلا سأل من معاوية أن يساعده في بناء دار باثني عشر ألف جذع من الخشب . فقال له معاوية : أين دارك ؟ قال : بالبصرة . وكم اتساعها ؟ قال : فرسخان في فرسخين . قال : لا تقل داري بالبصرة ، ولكن قل البصرة في داري .

وذكر أن رجلا دخل بابن معه ، فجلسا على سماط معاوية ، فجعل ولده يأكل أكلا ذريعا ، فجعل معاوية يلاحظه ، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن ، فلما خرجا لامه أبوه ، وقطعه عن الدخول ، فقال له معاوية : أين ابنك التلقامة ؟ قال : اشتكى . قال : قد علمت أن أكله سيورثه داء .

قال : ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عباءة ، فجعل يزدريه . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنك لا تخاطب العباءة ، إنما يخاطبك من فيها .

وقال معاوية : أفضل الناس من عقل وحلم ; من إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وإذا غضب كظم ، وإذا قدر غفر ، وإذا وعد أنجز ، وإذا أساء استغفر .

وكتب رجل من أهل المدينة إلى معاوية بن أبي سفيان ، رضي الله عنه :


إذا الرجال ولدت أولادها     واضطربت من كبر أعضادها
[ ص: 454 ] وجعلت أسقامها تعتادها     فهي زروع قد دنا حصادها

فقال معاوية نعى إلي نفسي .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثني هارون بن سفيان ، عن عبد الله السهمي ، حدثني ثمامة بن كلثوم ، أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال : أيها الناس ، إني من زرع قد استحصد ، وإني قد وليتكم ، ولن يليكم أحد بعدي إلا من هو شر مني ، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني ، ويا يزيد ، إذا وفى أجلي فول غسلي رجلا لبيبا ; فإن اللبيب من الله بمكان ، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير ، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقراضة من شعره وأظفاره ، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني ، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني ، ويا يزيد ، احفظ وصية الله في الوالدين ، فإذا أدرجتموني في جريدتي ، ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين .

وقال بعضهم : لما احتضر معاوية جعل يقول :


لعمري لقد عمرت في الدهر برهة     ودانت لي الدنيا بوقع البواتر
وأعطيت حمر المال والحكم والنهى     وسلم قماقيم الملوك الجبابر
[ ص: 455 ] فأضحى الذي قد كان مما يسرني     كحلم مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة     ولم أعن في لذات عيش نواضر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة     من العيش حتى زار ضيق المقابر

وقال محمد بن سعد : أنا علي بن محمد ، عن محمد بن الحكم ، عمن حدثه ، أن معاوية لما احتضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال ، كأنه أراد أن يطيب له ; لأن عمر بن الخطاب قاسم عماله .

وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد ، فكان إذا لبس أو تغطى بشيء ثقيل يغمه ، فاتخذ له ثوب من حواصل الطير ، ثم ثقل عليه بعد ذلك ، فقال : تبا لك من دار ، ملكتك أربعين سنة ; عشرين أميرا ، وعشرين خليفة ، ثم هذا حالي فيك ، ومصيري منك ، تبا للدنيا ومحبيها .

وقال محمد بن سعد : أنا أبو عبيد ، عن أبي يعقوب الثقفي ، عن [ ص: 456 ] عبد الملك بن عمير قال : لما ثقل معاوية وتحدث الناس أنه بالموت قال لأهله : احشوا عيني إثمدا ، وأوسعوا رأسي دهنا . ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن ، ثم مهد له فجلس وقال : أسندوني . ثم قال : ائذنوا للناس فليسلموا علي قياما ولا يجلس أحد . فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه متكحلا متدهنا ، فيقول متقول الناس : هو لما به ، وهو أصح الناس . فلما خرجوا من عنده قال معاوية :


وتجلدي للشامتين أريهم     أني لريب الدهر لا أتضعضع
وإذا المنية أنشبت أظفارها     ألفيت كل تميمة لا تنفع

قال : وكان به التفاتة ، يعني لقوة ، فمات من يومه ذلك ، رحمه الله ورضي عنه .

وقال محمد بن عقبة : لما نزل بمعاوية الموت قال : يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى ولم أل من هذا الأمر شيئا .

وقال أبو السائب المخزومي : لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر :


إن تناقش يكن نقاشك يا رب     عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز تجاوز العفو فاصفح     عن مسيء ذنوبه كالتراب

[ ص: 457 ] وقال بعضهم : لما احتضر معاوية جعل أهله يقلبونه فقال لهم : أي شيخ تقلبون ؟ إن نجاه الله من النار غدا .

وقال محمد بن سيرين : جعل معاوية لما احتضر يضع خدا على الأرض ، ثم يقلب وجهه ، ويضع الخد الآخر ، ويبكي ويقول : اللهم إنك قلت في كتابك : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ النساء : 48 ] . اللهم فاجعلني ممن تشاء أن تغفر له .

وقال العتبي عن أبيه : تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق :


هو الموت لا منجى من الموت والذي     نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع

ثم قال : اللهم أقل العثرة ، واعف عن الزلة ، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك ، فإنك واسع المغفرة ، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك . ورواه ابن دريد عن أبي حاتم ، عن أبي عبيدة ، عن أبي عمرو بن العلاء ، فذكر مثله ، وزاد : ثم مات .

وقال غيره : أغمي عليه ثم أفاق ، فقال لأهله : اتقوا الله ، فإن الله تعالى يقي من اتقاه ، ولا يقي من لا يتقي . ثم مات رحمه الله .

[ ص: 458 ] وقد روى أبو مخنف ، عن عبد الملك بن نوفل قال : لما مات معاوية صعد الضحاك بن قيس المنبر ، فخطب الناس وأكفان معاوية على يديه ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : إن معاوية الذي كان عود العرب وحد العرب ، قطع الله به الفتنة ، وملكه على العباد ، وفتح به البلاد ، ألا إنه قد مات وهذه أكفانه ، فنحن مدرجوه فيها ، ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة ، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى . ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يعلمه ويستحثه على المجيء .

ولا خلاف أنه ، رضي الله عنه ، توفي بدمشق في رجب سنة ستين . فقال جماعة : ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين . وقيل : ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين . قاله ابن إسحاق وغير واحد . وقيل : لأربع خلت من رجب . قاله الليث . وقال سعد بن إبراهيم : لمستهل رجب .

وقال محمد بن إسحاق والشافعي : صلى عليه ابنه يزيد . وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كساه إياه ، وكان مدخرا عنده لهذا اليوم ، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه [ ص: 459 ] وعينيه وأذنيه . وقال آخرون : بل كان ابنه يزيد غائبا ، فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق ، ثم دفن فقيل : بدار الإمارة . وهي الخضراء ، وقيل : بمقابر باب الصغير . وعليه الجمهور . والله أعلم . وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة . وقيل : جاوز الثمانين . وهو الأشهر . والله أعلم . ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش ، وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية ، وكان يزيد بحوارين ، فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد ، وإذا يزيد راكب على بختي وعليه الحزن ظاهر ، فسلم عليه الناس بالإمارة ، وعزوه في أبيه ، وهو يخفض صوته في رده عليهم ، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس ، فانتهى إلى باب توماء ، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة ، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي ، فقيل : يدخل منه . لأنه باب خالد ، فجازه حتى أتى الباب الصغير ، فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه ، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند المقبرة ، ثم دخل ، فصلى على أبيه بعد ما دفن ، ثم انفتل ، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة ، فركب ، ثم دخل البلد ، وأمر فنودي في الناس أن الصلاة جامعة . ودخل الخضراء ، فاغتسل ولبس ثيابا حسنة ، ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين ، فقال بعد حمد الله والثناء عليه : أيها الناس ، إن معاوية كان عبدا من عبيد الله ، أنعم الله عليه ، ثم قبضه إليه ، وهو خير ممن بعده ، ودون من قبله ، ولا أزكيه على الله ، عز وجل ، هو أعلم به ، إن عفا عنه فبرحمته ، وإن عاقبه [ ص: 460 ] فبذنبه ، وقد وليت الأمر من بعده ، ولست آسى على طلب ، ولا أعتذر من تفريط ، وإذا أراد الله شيئا كان . وقال لهم في خطبته هذه : وإن معاوية كان يغزيكم في البر والبحر ، وإني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر ، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ، ولست مشتيا أحدا بأرض الروم ، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا ، وأنا أجمعه لكم كله . قال : فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون عليه أحدا .

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : بعث معاوية وهو مريض إلى ابنه يزيد ، فلما جاءه البريد ركب وهو يقول :


جاء البريد بقرطاس يخب به     فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم     قال الخليفة أمسى مثبتا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا     كأن أغبر من أركانها انقلعا
ثم انبعثنا إلى خوص مضمرة     نرمي الفجاج بها ما نأتلي سرعا
فما نبالي إذا بلغن أرحلنا     ما مات منهن بالموماة أو ظلعا

[ ص: 461 ] وزاد غيره :


لما انتهينا وباب الدار منصفق     بصوت رملة ريع القلب فانصدعا
من لا تزل نفسه توفي على شرف     توشك مقادير تلك النفس أن تقعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه     كانا جميعا خليطا سالمين معا
أغر أبلج يستسقى الغمام به     لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا
لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا     أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا

قال الشافعي : سرق يزيد هذين البيتين من الأعشى . ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق ، وأنه أوصى إليه . وهذا قد قاله ابن إسحاق وغير واحد ، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلا بعد موت أبيه ، وأنه صلى على قبره بالناس ، كما قدمنا . والله أعلم .

وقال أبو الورد العنبري يرثي معاوية ، رضي الله عنه :


ألا أنعى معاوية بن حرب     نعاه الحل للشهر الحرام
نعاه الناعجات بكل فج     خواضع في الأزمة كالسهام
فهاتيك النجوم وهن خرس     ينحن على معاوية الشآم

[ ص: 462 ] وقال أيمن بن خريم يرثيه أيضا :


رمى الحدثان نسوة آل حرب     بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا     ورد وجوههن البيض سودا
فإنك لو شهدت بكاء هند     ورملة إذ يصفقن الخدودا
بكيت بكاء معولة قريح     أصاب الدهر واحدها الفريدا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث