الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 74 ] ثم دخلت سنة ثمان وستين

ففيها رد عبد الله أخاه مصعبا إلى إمرة البصرة ، فأتاها فأقام بها . واستخلف على الكوفة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ; قباعا ، واستعمل على المدينة جابر بن الأسود الزهري ، وعزل عنها عبد الرحمن بن الأشعث ; لكونه ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا ، فإنه أراد منه أن يبايع لابن الزبير فامتنع من ذلك فضربه فعزله ابن الزبير

وفيها هلك ملك الروم قسطنطين بن قسطنطين ببلده ، لعنه الله .

وفيها كانت وقعة الأزارقة . وذلك أن مصعبا كان قد عزل عن ناحية فارس المهلب بن أبي صفرة ، وكان قاهرا لهم ، وولاه الجزيرة ، وولى على فارس عمر بن عبيد الله بن معمر فثاروا عليه فقاتلهم عمر بن عبيد الله فقهرهم وكسرهم ، وكانوا مع أميرهم الزبير بن الماحوز ، ففروا بين يديه إلى إصطخر ، فاتبعهم فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وقتلوا ابنه ، ثم ظفر بهم مرة أخرى ثم هربوا إلى بلاد أصبهان ، ونواحيها فتقووا هنالك ، وكثر عددهم وعددهم ، ثم أقبلوا يريدون البصرة ، فمروا ببعض بلاد فارس ، وتركوا عمر بن عبيد الله بن معمر وراء ظهورهم ، فلما سمع مصعب بقدومهم ركب في الناس ، وجعل يلوم عمر بن عبيد الله بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده إلى البصرة وقد ركب عمر بن عبيد الله [ ص: 75 ] بن معمر في آثارهم ، فبلغ الخوارج أن مصعبا أمامهم وعمر بن عبيد الله وراءهم ، فعدلوا إلى المدائن فجعلوا يقتلون النساء والولدان ، ويبقرون بطون الحبالى ، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهم ; فقصدهم نائب الكوفة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة ومعه أهلها وجماعات من أشرافها ، منهم ابن الأشتر ، و شبث بن ربعي ، فلما وصلوا إليهم عند جسر الصراة ، قطعه الخوارج بينهم وبين الناس ، فأمر الأمير بإعادته ، فأعيد ، ففرت الخوارج هاربين بين يديه ، فاتبعهم عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف فمروا على الكوفة ، ثم صاروا إلى أرض أصبهان ، فانصرف عنهم ولم يقاتلهم ، ثم أقبلوا فحاصروا عتاب بن ورقاء شهرا ، بمدينة جبا حتى ضيقوا على الناس ، فنزلوا إليهم فقاتلوهم فكشفوهم وقتلوا أميرهم الزبير بن الماحوز ، وغنموا ما في معسكرهم ، وأمرت الخوارج عليهم قطري بن الفجاءة ، ثم ساروا إلى بلاد الأهواز ، فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب بن أبي صفرة - وهو على الموصل - أن يسير إلى قتال الخوارج ، وكان أبصر الناس بقتالهم ، وبعث مكانه إلى الموصل إبراهيم بن الأشتر فانصرف المهلب إلى الأهواز فقاتل فيها الخوارج ثمانية أشهر قتالا لم يسمع بمثله .

قال ابن جرير : وفي هذه السنة كان القحط الشديد ببلاد الشام ; بحيث لم يتمكنوا معه من الغزو لضعفهم وقلة طعامهم وميرتهم .

[ ص: 76 ] قال ابن جرير : وفيها قتل عبيد الله بن الحر وكان من خبره أنه كان رجلا شجاعا تتقلب به الأحوال والأيام والآراء ، حتى صار من أمره أنه لا ينطاع لأحد من بني أمية ولا لآل الزبير ، وكان يمر على عامل الكورة من العراق وغيره ، فيأخذ منه جميع ما في بيت ماله من الحواصل قهرا ، ويكتب له براءة ، ويذهب فينفقه على أصحابه ، وكان الخلفاء والأمراء يبعثون إليه الجيوش فيطردها ويكسرها ، قلت أو كثرت حتى كاع فيه مصعب بن الزبير وعماله ببلاد العراق ، ثم إنه وفد على عبد الملك بن مروان فبعثه في عشرة نفر ، وقال : ادخل الكوفة فأعلمهم أن الجنود ستصل إليهم سريعا . فبعث في السر إلى جماعة من إخوانه فظهر على أمره ، فأعلم أمير الكوفة الحارث بن عبد الله ، فبعث إليه جيشا ، فقتلوه في المكان الذي هو فيه ، وحمل رأسه إلى الكوفة ، ثم إلى البصرة ، واستراح الناس منه .

قال ابن جرير : وفيها شهد موقف عرفة أربع رايات متباينة ، كل واحدة منها لا تأتم بالأخرى ; الواحدة لمحمد ابن الحنفية في أصحابه ، والثانية لنجدة الحروري وأصحابه ، والثالثة لبني أمية ، والرابعة لعبد الله بن الزبير ، وكان أول من دفع راية ابن الحنفية ، ثم نجدة ، ثم بنو أمية ، ثم دفع ابن الزبير فدفع الناس معه وكان عبد الله بن عمر فيمن انتظر دفع ابن الزبير ، ولكنه تأخر دفعه فقال ابن عمر : أشبه بتأخيره دفع الجاهلية ، فدفع ابن عمر فدفع ابن الزبير وتحاجز الناس في هذا العام فلم يكن بينهم قتال ، وكان على نيابة المدينة [ ص: 77 ] لابن الزبير جابر بن الأسود بن عوف الزهري ، وعلى الكوفة والبصرة أخوه مصعب ، وعلى ملك الشام عبد الملك بن مروان ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث