الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وممن توفي فيها من الأعيان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وممن توفي فيها من الأعيان

الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين ، التميمي السعدي ، أبو بحر البصري

ابن أخي صعصعة بن معاوية ، والأحنف لقب له ، وإنما اسمه الضحاك ، وقيل : صخر ، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وجاء في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له .

[ ص: 170 ] وكان سيدا شريفا مطاعا مؤمنا ، عليم اللسان ، وكان يضرب بحلمه المثل ، وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان ، قال عنه عمر بن الخطاب : هو مؤمن عليم اللسان . وقال الحسن البصري : ما رأيت شريف قوم أفضل منه . وقال أحمد بن عبد الله العجلي : هو بصري تابعي ثقة ، وكان سيد قومه ، وكان أعور أحنف الرجلين ، دميما قصيرا كوسجا ، له بيضة واحدة ، احتبسه عمر سنة يختبره ، ثم قال : هذا والله السيد . وقيل : إنه خطب عند عمر فأعجبه منطقه ، قيل : ذهبت عينه بالجدري ، وقيل : في فتح سمرقند . وقال يعقوب بن سفيان : كان الأحنف جوادا حليما ، وكان رجلا صالحا ، أدرك الجاهلية ثم أسلم ، وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فاستغفر له .

وقال محمد بن سعد : كان ثقة مأمونا قليل الحديث ، وكان كثير [ ص: 171 ] الصلاة بالليل ، وكان يسرج المصباح ، وكان يضع إصبعه فيه ، ثم يقول لنفسه : إذا لم تصبر على المصباح ، فكيف تصبر على نار جهنم ؟ وقيل له : بأي شيء سودك قومك ؟ قال : لو عاب الماء الناس ما شربته . وكان الأحنف لا يحسد ، ولا يجهل ، ولا يدفع الحق ، وقال : إن من السؤدد الصبر على الذل ، وكفى بالحلم ناصرا . وقال : ما نازعني أحد إلا أخذت من أمري إحدى ثلاث : إن كان فوقي عرفت قدره ، وإن كان دوني رفعت نفسي عنه ، وإن كان مثلي تفضلت . وقال : ما ذكرت أحدا بسوء بعد أن يقوم من عندي ، ولا سمعت كلمة تسوءني إلا طأطأت رأسي ; لما هو أعظم منها . وأغلظ له رجل في الكلام ، فلما وصل إلى نادي قومه وقف ، وقال : إن كان عندك شيء آخر فقل ; لئلا يسمعك قومي فيؤذوك .

وقيل : إن عبد الملك بن مروان كتب إليه يدعوه لنفسه ، ويعده بولاية الشام ، فقال : يدعوني ابن الزرقاء إلى ولاية الشام ، والله وددت أن بيني وبينهم جبلا من نار . وكان زياد بن أبيه يقول : قد بلغ الأحنف من السؤدد والشرف ما لا ينفعه معه ولاية ، ولا يضره عزل ، وإنه ليفر من الشرف وهو يتبعه .

وقال الحاكم : وهو الذي افتتح مرو الروذ ، وكان الحسن وابن سيرين في [ ص: 172 ] جيشه . وقيل : إنه مات سنة سبع وستين - وقيل غير ذلك - عن سبعين سنة . وقيل : عن أكثر من ذلك .

ومن كلامه وقد سئل عن الحلم ما هو ؟ فقال : الذل مع الصبر . وكان إذا تعجب الناس من حلمه يقول : والله إني لأجد ما تجدون ولكني صبور . وقال : وجدت الحلم أنصر لي من الرجال . وقد انتهى إليه الحلم والسؤدد ، وقال : أحي معروفك بإماتة ذكره . وقال : عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر ؟ ! وقال : ما أتيت باب أحد من هؤلاء إلا أن أدعى ، ولا دخلت بين اثنين إلا أن يدخلاني بينهما . وقال له رجل : بم سدت قومك ؟ قال : بتركي من أمرك ما لا يعنيني ، كما عناك من أمري ما لا يعنيك . وأغلظ له رجل في الكلام ، وقال : والله يا أحنف ، لئن قلت لي واحدة لتسمعن بدلها عشرا . فقال له : إنك إن قلت لي عشرا لا تسمع مني واحدة . وكان يقول في دعائه : اللهم إن تعذبني فأنا أهل لذلك ، وإن تغفر لي فأنت أهل لذلك .

وقد كان زياد بن أبيه يقربه ويعظمه ويدنيه ، فلما مات زياد وولي ابنه عبيد الله لم يرفع به رأسا ، فتأخرت عنده منزلته ; لقبح منظره ، وصار يقدم عليه من هو دونه ، فلما وفد برؤساء أهل العراق على معاوية ، أدخلهم [ ص: 173 ] عليه على مراتبهم عنده ، فكان الأحنف آخر من أدخله عليه ، فلما رآه معاوية أجله وعظمه ، وأدناه وكرمه ، وأجلسه معه على الفراش ، ثم أقبل عليه يحادثه دونهم ، ثم شرع الحاضرون في الثناء على عبيد الله بن زياد ، والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : ما لك لا تتكلم ؟ قال : إن تكلمت خالفتهم . فقال معاوية : اشهدوا علي أني قد عزلت عبيد الله عن العراق . ثم قال لهم : انظروا لكم نائبا عليكم . وأجلهم ثلاثة أيام ، فاختلفوا بينهم اختلافا كثيرا ، ولم يذكر أحد منهم بعد ذلك عبيد الله ، ولا طلبه أحد منهم ، ولم يتكلم الأحنف في هذه الأيام في ذلك كلمة واحدة مع أحد منهم ، فلما اجتمعوا بعد ثلاث أفاضوا في ذلك ، وكثر اللغط وارتفعت الأصوات ، والأحنف ساكت ، فقال له معاوية : تكلم . فقال له : إن كنت تريد أن تولي فيها أحدا من أهل بيتك فليس فيهم من هو مثل عبيد الله فإنه رجل حازم ، ولا يسد أحد منهم مسده ، وإن كنت تريد غيره فأنت أعلم بنوابك . فرده معاوية إلى الولاية ، ثم قال له بينه وبينه : كيف جهلت مثل الأحنف ؟ إنه عزلك وولاك وهو ساكت . فعظمت منزلة الأحنف بعد ذلك عند ابن زياد .

توفي الأحنف بالكوفة ، وصلى عليه مصعب بن الزبير ، ومشى في [ ص: 174 ] جنازته . ذكر الواقدي أنه قدم على معاوية فوجده غضبان على ابنه يزيد ، وأنه أصلح بينهما بكلام ، قال : فبعث معاوية إلى يزيد بمال جزيل ، وقماش كثير ، فأعطى يزيد نصفه للأحنف . والله سبحانه أعلم .

البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري ، الحارثي الأوسي

صحابي جليل ، وأبوه أيضا صحابي ، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة ، وحدث عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ، وعنه جماعة من التابعين ، وبعض الصحابة ، وقيل : إنه مات بالكوفة في أيام مصعب على العراق .

عبيدة السلماني القاضي

وهو عبيدة بن عمرو - ويقال : ابن قيس بن عمرو - السلماني ، المرادي ، أبو عمرو الكوفي ، وسلمان بطن من مراد ، أسلم عبيدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عن ابن مسعود وعلي وابن الزبير ، وحدث عنه جماعة من التابعين ، وقال الشعبي : كان يوازي شريحا في القضاء . وقال ابن [ ص: 175 ] نمير : كان شريح إذا أشكل عليه أمر كتب إلى عبيدة فيه ، وانتهى إلى قوله . وقد أثنى عليه غير واحد ، وكانت وفاته في هذه السنة ، وقيل : سنة ثلاث ، وقيل : أربع وسبعين ، فالله أعلم .

وقد قيل : إن مصعب بن الزبير قتل في هذه السنة ، فالله أعلم .

وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :

عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي ، قارئ أهل مكة ، له صحبة ورواية ، وقرأ على أبي بن كعب ، وقرأ عليه مجاهد وغيره .

عطية بن بسر المازني

له صحبة ورواية ، توفي بالمدينة .

عبيد بن نضلة ، أبو معاوية ، الخزاعي الكوفي

مقرئ أهل الكوفة ، مشهور بالخير والعبادة ، توفي بالكوفة في هذه السنة .

عبيد الله بن قيس الرقيات ، القرشي العامري

أحد الشعراء ، مدح [ ص: 176 ] مصعب بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر .

عبد الله بن همام ، أبو عبد الرحمن الشاعر ، السلولي

أحد الشعراء الفصحاء ، مدح يزيد بن معاوية بعد أن هجاه بقوله :


شربنا الغيض حتى لو سقينا دماء بني أمية ما روينا     ولو جاءوا برملة أو بهند
لبايعنا أمير المؤمنينا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث