الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
616 - أنا أبو طالب : عمر بن إبراهيم بن سعيد الفقيه ، أنا أبو إسحاق : إبراهيم بن محمد بن الفتح بن عبد الله الجلي ، قال : قال بعض المتأخرين في ابتداء علم النظر : " وما زال هذا العلم إذا وقف الإنسان منه على بعضه انفتح له ما وراء [ ص: 9 ] ذلك كالإنسان الذي يرى قصرا على بعد ، فيأتيه ، فيرى من قربه ما لم يكن يرى من بعده ، وكذلك إن تهيأ له الدخول إليه ، وكالإنسان الذي يكون على الأرض المستوية ، لا يرى شيئا إلا ما قاربه ، وما هو حذاءه ، غير بعيد منه ، خاصة إذا كان بين يديه نشز من الأرض أو جبل ، فإذا علا على ذلك كان كلما ارتفع وارتقى أشرف على ما لم يكن مشرفا عليه طولا وعرضا ، فإذا تكلف الصعود إلى أعلى رأس الجبل ، انكشفت له الأرض والمواضع التي لم يكن يراها قبل ذلك ، ولم يكن يقدر على رؤيتها إلا بهذا التعب والتكلف الذي صار إليه ، فيبدو له في كل خطوة من الأشياء ما لم يكن يبدو له قبل ذلك ، فكلما زاد ارتقاء ، ازداد معرفة بما لم يكن قبل ذلك رآه وكذلك العلم ، كلما تعلم المرء منه أصلا انكشف له ما فيه وشاكله وما في بابه وطريقه واستدل به على ما سواه ، إذا كان فهما ووفقه الله .

وقد شبه صاحب أدب الجدل قبل هذا النظر والكلام بالنخل يؤبره ويقوم عليه ، فينال من ثمرته ما لا ينال عند ترك ذلك وكذلك الحديد والحجر ، ما لم يستعملهما لم تخرج النار ، ولم يوجد ما ينفع لما احتيج إلى طبخ وتسخين ، فإذا أوري خرجت النار ، فإذا وقعت في الحراق وتركت انطفأت ، وإن أمدت بنفخ وكبريت ، [ ص: 10 ] وحطب ، وغير ذلك ، كثرت وكثر نفعها ، والعلم إذا لم يستعمل ولم يذاكر به كالمسك إذا طال مكثه في الوعاء ذهب ريحه ، وكالماء الصافي إذا طال مكثه نشفته الأوعية والهواء وغيرته ، وذهبت بأكثره أو بكله ، وتغير ريحه وطعمه ، وكالبئر تحفر فتجري فيها عين ، فإن حصل له طريق حتى ينتشر صار نهرا وكثر ونفع وعاش به الحيوان ، وإن حبس وترك قل نفعه وربما غار ، فكذلك العلم ، إذا لم يذاكر به ، ولم يبحث عنه ، وإذا ذاكرت بالعلم ونشرته صار كالنهر الجاري دائم النفع ، غزير الماء ، إن قل مرة لعارض زاد أخرى ، وإن تكدر وقتا لعلة صفا في ثان وتحيا به الأرض والزرع والحيوان " .

التالي السابق


الخدمات العلمية