الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1207 ص: قال أبو جعفر - رحمه الله -: فلما تواترت هذه الآثار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- بما ذكرنا، وكان في بعضها أنهم كانوا يستفتحون القراءة ب الحمد لله رب العالمين، فليس في ذلك دليل على أنهم كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم قبلها؛ لأنه إنما عنى بالقراءة ها هنا قراءة القرآن، فاحتمل أنهم لم يعدوا بسم الله الرحمن الرحيم قرآنا، وعدوها ذكرا مثل سبحانك اللهم وبحمدك وما يقال عند افتتاح الصلاة، فكان ما يقرأ من القرآن بعد ذلك ويستفتح ب الحمد لله رب العالمين.

                                                وفي بعضها: أنهم كانوا لا يجهرون ب بسم الله الرحمن الرحيم ففي ذلك دليل أنهم كانوا يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذكرهم نفي الجهر معنى؛ فثبت بتصحيح هذه الآثار ترك الجهر ب بسم الله الرحمن الرحيم وذكرها سرا .

                                                التالي السابق


                                                ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث والأخبار التي تدل على أن التسمية ليست من الفاتحة، وأنها لا يجهر بها في الصلاة ، ولكن لما كان في ألفاظها اختلاف تعرض إلى بيان وجهه؛ وهو أن قوله على بعض ألفاظها: "كانوا يستفتحون القراءة ب الحمد لله رب العالمين وهذه العبارة لا تدل على أنهم كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم قبل قراءة فاتحة الكتاب؛ لأن المراد بالقراءة ها هنا هو قراءة القرآن، فيحتمل أنهم لم يكونوا عدوا البسملة قرآنا، وإنما عدوها ذكرا مثل الثناء والاستفتاح، فحينئذ يكون القرآن هو الذي يقرأ بعد ذلك، وفي بعضها أنهم كانوا لا يجهرون ب بسم الله الرحمن الرحيم وهذا دليل على أنهم كانوا يقولونها سرا؛ إذ لو لم يكن ذلك لخلا الكلام عن الفائدة، وهو ظاهر،

                                                [ ص: 602 ] فإذا كان الأمر كذلك وجب أن نقول: إن البسملة يؤتى بها ولكن يسر بها عملا بما ورد من الألفاظ، وتعلق مالك بظاهر العبارة الأول حيث قال: يشرع في القراءة عقيب التكبير، ولا يشتغل بشيء غير ذلك. وتعلقت الشافعية منهم الخطيب بقوله: "فكانوا يستفتحون القراءة ب الحمد لله رب العالمين" وضعف ما سواه من العبارات، وهي سبعة ألفاظ رويت بطرق مختلفة عن أنس :

                                                الأول: "كانوا لا يستفتحون القراءة ب بسم الله الرحمن الرحيم " .

                                                والثاني: "فلم أسمع أحدا يقول أو يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم " .

                                                الثالث: "فلم يكونوا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم " .

                                                الرابع: "فلم أسمع أحدا منهم يجهر ب بسم الله الرحمن الرحيم " .

                                                الخامس: "فكانوا لا يجهرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم " .

                                                السادس: "فكانوا يسرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم " .

                                                السابع: "فكانوا يستفتحون القراءة بـ بسم الله الرحمن الرحيم " .

                                                وهذا هو الذي تعلق به الخطيب وصححه، وجعل اللفظ المحكم عن أنس ، وجعل غيره متشابها، وحمله على الافتتاح بالسورة لا بالآية، وهو غير مخالف للألفاظ الباقية بوجه، فكيف يجعل مناقضا لها فإن حقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية جهرا وسرا، فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب ويؤكده قوله في رواية مسلم : "لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" ، لكنه محمول على نفي الجهر؛ لأن أنسا -رضي الله عنه- إنما ينفي ما يمكنه العلم بانتقائه؛ فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا، وأما كون الإمام لم يقرأها أصلا فهذا لا يمكن إدراكه إلا إذا لم يكن بين التكبير والقراءة سكوت يمكن القراءة فيه سرا، ولهذا استدل بحديث أنس هذا على عدم قراءتها أصلا من لم ير ها هنا سكوتا كمالك وغيره [ ص: 603 ] كما ذكرنا، ولكن ثبت في "الصحيحين": عن أبي هريرة أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: كذا وكذا..." إلى آخره، وإذا كان له سكوت لم يكن لأنس أن ينفي قراءة البسملة في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر والاستفتاح والسماع مرادا به الجهر بذلك، يدل عليه قوله: "فكانوا لا يجهرون"، وقوله: "فلم أسمع أحدا منهم يجهر" لا تعرض فيه للقراءة سرا ولا على نفيها؛ إذ لا علم لأنس بها حتى يثبتها أو ينفيها، ولذلك قال لمن سأله: "إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه" ، فإن العلم بالقراءة السرية إنما يحصل بأخبار أو سماع عن قرب، وليس في الحديث شيء منها، ورواية من روى: "فكانوا يسرون" كأنها مروية بالمعنى من لفظ: "لا يجهرون".

                                                وأيضا فحمل الافتتاح ب الحمد لله رب العالمين على السورة لا الآية مما تستبعده القريحة وتمجه الأفهام الصحيحة؛ لأن هذا من العلم الظاهر الذي يعرفه العام والخاص، كما يعلمون أن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع، وأن الركوع قبل السجود، والتشهد بعد الجلوس... إلى غير ذلك، فليس في نقل مثل هذه فائدة فكيف يجوز أن يظن أن أنسا قصد تعريفهم بهذا، وأنهم سألوه عنه، وإنما مثل هذا مثل من يقول: فكانوا يركعون قبل السجود أو فكانا يجهرون في العشاءين والفجر، ويخافتون في صلاة الظهر والعصر.

                                                وأيضا فلو أريد الافتتاح بالسورة لقيل: كانوا يفتتحون القراءة بأم القرآن، أو بفاتحة الكتاب، أو بسورة الحمد، هذا هو المعروف في تسميتها عندهم. وأما تسميتها ب الحمد لله رب العالمين، فلم ينقل عن النبي -عليه السلام- ولا عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد يحتج بقوله، وأما تسميتها بالحمد فقط فعرف متأخر، يقولون: فلان قرأ الحمد. وأين هذا من قوله: "فكانوا يفتتحون القراءة ب الحمد لله رب العالمين " فإن هذا لا يجوز أن يراد به السورة إلا بدليل صحيح.

                                                [ ص: 604 ] فإن قيل: فقد روى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس الاستفتاح بأم القرآن، وهذا يدل على إرادة السورة.

                                                قلنا: هذا مروي بالمعنى، والصحيح عن الأوزاعي ما رواه مسلم : عن الوليد بن مسلم ، عنه، عن قتادة ، عن أنس قال: "صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان ، فكانوا يستفتحون ب الحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" .

                                                ثم أخرجه مسلم : عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك.

                                                هكذا رواه مسلم في "صحيحه" عاطفا له على حديث قتادة ، وهذا اللفظ المخرج في الصحيح هو الثابت عن الأوزاعي ، واللفظ الآخر - إن كان محفوظا - فهو مروي بالمعنى، فيجب حمله على الافتتاح بأم القرآن.

                                                ورواه الطبراني في "معجمه" بهذا الإسناد: "أن النبي -عليه السلام- وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يجهرون ب بسم الله الرحمن الرحيم " .




                                                الخدمات العلمية