الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        1202 1157 - مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ; أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم . وانتفل من ولدها . ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما . وألحق الولد بالمرأة .

                                                                                                                        [ ص: 216 ]

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        [ ص: 216 ] 26072 - قال أبو عمر : هكذا قال يحيى " انتفل من ولدها " ، وقال سائر الرواة ، عن مالك : وانتفى من ولدها ، والمعنى قريب من السواء .

                                                                                                                        26073 - قال أبو عمر : وأما قوله : فانتفى من ولدها ، فيحتمل أن يكون الولد حيا ظاهرا في حين اللعان ، فانتفى منه ; إما لغيبة غابها ، أو لاستبراء ادعاه لم يعلم بحملها حتى وضعته ، أو ما أشبه هذا مما ينفي عنه أنه أقر به وقتا ما ثم جحده ونفاه بعد ، ويحتمل أن يكون انتفى من ولدها ، هو حمل ظاهر بها .

                                                                                                                        26074 - وقد اختلف الفقهاء في وقت نفي الولد باللعان .

                                                                                                                        [ ص: 217 ] 26075 - فقال مالك : إذا رأى الحمل ، فلم ينفه حتى وضعته ، لم ينتف عنه بعد ذلك ، وإن نفاه حرة كانت أو أمة ، فإن انتفى منه حين ولدته وقد رآها حاملا فلم ينتف منه ، فإنه يجلد الحد ، إذا كانت حرة مسلمة ; لأنه صار قاذفا لها ، فإن كان غائبا عن الحمل ، فقدم وقد ولدته فله أن ينفيه .

                                                                                                                        26076 - وقال الليث فيمن أقر بحمل امرأته ، ثم قال بعد ذلك : رأيتها تزني ، لاعن في الرؤية ، ولزمه الحمل .

                                                                                                                        26077 - وقال الشافعي : إذا علم الزوج بالحمل ، فأمكنه الحاكم إمكانا بينا ، فترك اللعان لم يكن له أن ينفيه كالشفعة .

                                                                                                                        26078 - هذا قوله في الجديد ، وقال في القديم : إن لم ينفه في يوم أو يومين ، لم يكن له أن ينفيه .

                                                                                                                        26079 - وقال بمصر : لو قال قائل : له نفيه مدة ثلاثة أيام من وقت علم به ، يأتي فيها الحاكم أو يشهد كان مذهبا .

                                                                                                                        26080 - قال : وأي مدة إن قلت ، له نفيه فيها فأشهد على نفسه ، وهو [ ص: 218 ] مشغول بما يخاف فوته بمرض أو كان مسافرا ، فأشهد ولم يسر فهو على نفيه .

                                                                                                                        26081 - وكذلك الغائب إذا قال : لم أصدق حملها ، أو الحاضر إن قال : لا أعلم .

                                                                                                                        28082 - وقال : لو رآها حبلى ، فلما ولدت نفاه ، وقال . لم أدر أنه حمل ، كان له نفيه .

                                                                                                                        26083 - وقال أبو حنيفة : إذا ولدت ، فنفى ولدها من يوم يولد ، أو بعده بيوم ، أو بيومين ، لاعن وانتفى الولد ، فإن لم ينفه حتى مضت سنة أو سنتان ، ثم نفاه ، لاعن ولزمه الولد .

                                                                                                                        26084 - ولم يؤقت أبو حنيفة لذلك وقتا ، ووقت أبو يوسف ، ومحمد مقدار النفاس : أربعين ليلة .

                                                                                                                        26085 - قال : وقال أبو يوسف : إن كان غائبا ، فقدم فله أن ينفيه ما بينه وبين مقدار النفاس منذ يوم قدم ، ما كان في الحولين ، فإن قدم بعد الحولين ، لم ينتف عنه أبدا .

                                                                                                                        26086 - قال أبو عمر : جملة قول مالك وأصحابه أن الحمل لا ينفيه الزوج بما يدعيه من رؤية الزنا ، ولا ينتفي الحمل إلا بدعوى الاستبراء ، وأنه لم يطأ بعد أن استبرأ .

                                                                                                                        26087 - والاستبراء عند مالك ، وابن القاسم حيضة .

                                                                                                                        [ ص: 219 ] 26088 - وقال عبد الملك بن عبد العزيز : لا تستبرأ الحرة في ذلك بأقل من ثلاث حيض .

                                                                                                                        26089 - ورواه عن مالك .

                                                                                                                        26090 - وقال ابن القاسم : إن لم يكن الحمل ظاهرا بإقراره أو بينة ، يشهد له به لم ينفه لعانه ولحق به .

                                                                                                                        26091 - وقال ابن القاسم : لو أكذب نفسه في الاستبراء وادعى الولد لحق به ، وهو أدنى اللعان نفيناه عنه ، وصار قاذفا لها بنفيه ولدها .

                                                                                                                        26093 - وقال المغيرة المخزومي : إن أقر بالحمل وادعى رؤيته لاعن ، فإن وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية فهو له ، فإن كان لستة أشهر فأكثر فهو اللعان . فإن ادعاه لحق به وحده .

                                                                                                                        26093 - قال المغيرة : ويلاعن في الرؤية من يدعي الاستبراء .

                                                                                                                        26094 - وجملة قول الشافعي وأصحابه : أن كل من نفى الحمل ، وقال : ليس مني لاعن ، وانتفى عنه الولد وإلا أن يكون علم ، فسكت على ما مضى من قوله في توقيت المدة في ذلك .

                                                                                                                        [ ص: 220 ] 26095 - وقال أحمد ، وأبو ثور ، وداود نحو قول الشافعي .

                                                                                                                        26096 - ولا معنى عند الشافعي للاستبراء ; لأن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم ، وتلد مع الاستبراء .

                                                                                                                        26097 - وأما أبو حنيفة ، وأصحابه فلا يجوز عندهم اللعان على الحمل .

                                                                                                                        26098 - وقال أبو حنيفة : إذا قال : ليس هذا الحمل مني ، لم يكن قاذفا لها ، فإن ولدت ولو بعد يوم ، لم يلاعن بالقول الأول حتى ينفيه بعد الولادة .

                                                                                                                        26099 - وهو قول زفر ، وقول الثوري .

                                                                                                                        26100 - وقال أبو يوسف ، ومحمد : إن جاءت به بعد هذا القول لأقل من ستة أشهر لاعن .

                                                                                                                        26101 - وقد روي عن أبي يوسف أنه يلاعنها قبل الولادة .

                                                                                                                        26102 - وهو قول ابن أبي ليلى ، وعبيد الله بن الحسن ، ومالك ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأبي عبيد ، كلهم يقول : يلاعن على الحمل الظاهر .

                                                                                                                        26103 - وقد روى الربيع ، عن الشافعي : لا يلاعنها حتى تلد .

                                                                                                                        26104 - وكذلك قال أحمد بن حنبل قال : ولو نفى الحمل في التعانه عن قذفها لم ينتف ولدها عنه حتى ينفيه بعد وضعها ويلاعن .

                                                                                                                        [ ص: 221 ] 26105 - وهو قول ابن الماجشون في الملاعنة على الحمل .

                                                                                                                        26106 - قال عبد الملك بن الماجشون : لا يلاعن على الحمل ; لأنه قد ينفش ، فيكون قولا على ريح .

                                                                                                                        26107 - ومن نفى حمل امرأته عند مالك ، وعبيد الله بن الحسن ، وابن أبي ليلى ، وقال : ليس مني ، لاعنها ; لأنه قاذف لها .

                                                                                                                        26108 - وقال الشافعي : لا يلاعنها إلا أن يقذفها ; لأنه لا يقول : لم يصح عندي حملها ، فينتفي قذفها عنه .

                                                                                                                        26109 - وقال أبو حنيفة : إنكار الحمل من أشد القذف .

                                                                                                                        26110 - قال أبو عمر : لا يصح عند الشافعي القذف إلا بالتصريح البين .

                                                                                                                        26111 - قال أبو عمر : ومن لم ير اللعان على الحمل حتى تلد زعم أن الحمل لا يقطع على صحته ; لأنه قد ينفش ويضمحل .

                                                                                                                        26112 - قال : فلا وجه للعان بغير استيقان .

                                                                                                                        26113 - ومن رأى اللعان على الحمل إذا نفاه ، فحجته الآثار المتواترة من حديث ابن عباس ، وحديث ابن مسعود ، وحديث أنس ، وحديث سهل بن سعد : أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين المتلاعنين ، وقال : إن جاءت به على صفة كذا ، [ ص: 222 ] فهو لزوجها ، وإن جاءت به على صفة هذا ، فما أراه إلا قد صدق عليها ، وهذا يدل على أنها كانت حاملا .

                                                                                                                        26114 - وقد ذكرنا كثيرا من هذه الأحاديث في التمهيد ، وهي متكررة في المصنفات ، والمسانيد .

                                                                                                                        26115 - وأجمعوا على أنه من أقر بالحمل وبان له ، ولم ينكره ، ولم ينفه ، ثم نفاه بعد ذلك لم ينفعه ذلك ، ولحق به الولد ، ويجلد الحد ، إلا عند أبي حنيفة ، وأصحابه ، والثوري ، فإنه يلاعن ولا يجلد ، على أصلهم .

                                                                                                                        26116 - وأما قول ابن عمر : فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما - يعني بين المتلاعنين - فإن العلماء اختلفوا في كيفية وقوع الفرقة بين المتلاعنين .

                                                                                                                        26117 - فقال مالك : والليث : إذا فرغا جميعا من اللعان ، وقعت الفرقة ، وإن لم يفرق بينهما الحاكم .

                                                                                                                        26118 - وبه قال زفر ، وأبو عبيد ، وأبو ثور .

                                                                                                                        26119 - وهو عندي معنى قول الأوزاعي ; لأنه قال : لا تقع الفرقة بلعان الزوج وحده . [ ص: 223 ] 26120 - قال : ولو التعن الزوج ثم مات ، فلا لعان ولا حد ، ويتوارثان .

                                                                                                                        26121 - وقال الشافعي : إذا قال الزوج الشهادة الخامسة والالتعان ، فقد زال فراش امرأته ، ووقعت الفرقة بينهما .

                                                                                                                        26122 - قال : ولو لم يكمل الخامسة ومات ، ورثه ابنه وزوجته .

                                                                                                                        26123 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما .

                                                                                                                        26124 - وبه قال الثوري ، وأحمد .

                                                                                                                        26125 - وقال الثوري : إذا تلاعنا ، وفرق الحاكم بينهما ، لم يجتمعا أبدا .

                                                                                                                        26126 - وكذلك قال أحمد بن حنبل .

                                                                                                                        26127 - قال عثمان البتي : وطائفة من أهل البصرة ، أخذوا ذلك عنه : إذا تلاعنا ، فلا أرى اللعان ينقص شيئا يعني من العصمة .

                                                                                                                        26128 - قال : وأحب إلي أن يطلق .

                                                                                                                        26129 - وقال عبيد الله بن الحسن : اللعان تطليقة بائنة .

                                                                                                                        [ ص: 224 ] 26130 - وحجة مالك ومن قال بقوله أن اللعان أوجب الفرقة التي قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند فراغهما من لعانهما ، وقال له : لا سبيل لك عليها ، إعلاما منه بأن اللعان رفع سبيله عنها .



                                                                                                                        26131 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني بكر بن حماد ، قال : حدثني مسدد ، قال : حدثني موسى بن يونس .

                                                                                                                        26132 - وحدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال حدثني محمد بن شاذان ، قال : حدثني معلى بن منصور ، قال : حدثني يحيى بن أبي زائدة ، قال حدثني عبد الملك بن أبي سليمان ، قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : سئلت عن المتلاعنين زمن مصعب بن الزبير ، أيفرق بينهما ؟ قال : فما دريت ما أقول : فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة . فقلت للغلام : استأذن لي . قال : إنه قائل . فسمع صوتي . قال : ابن جبير ؟ قلت : نعم . ادخل . فوالله ! ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة . فدخلت . فإذا هو مفترش برذعة . متوسد وسادة حشوها ليف . قلت : أبا عبد الرحمن ! المتلاعنان ، أيفرق بينهما ؟ قال : سبحان الله ! نعم . إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان . قال : يا رسول الله ! أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة ، كيف يصنع ؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت سكت على مثل ذلك . قال : فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه . فلما كان بعد ذلك أتاه فقال : إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به . فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور : والذين يرمون أزواجهم [ النور : 6 - 9 ] فتلاهن عليه ووعظه وذكره . وأخبره أن عذاب الدنيا [ ص: 225 ] أهون من عذاب الآخرة . قال : لا ، والذي بعثك بالحق ! ما كذبت عليها . ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة . قالت : لا ، والذي بعثك بالحق ! إنه لكاذب . فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين . ثم فرق بينهما .

                                                                                                                        26133 - وحدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث ، قالا : حدثني قاسم ، قالا : حدثني محمد بن إسماعيل ، قال : حدثني الحميدي ، قال : حدثني سفيان ، عن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ، قال : فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين ، وقال : حسابكم على الله ، أحدكما كاذب ، لا سبيل لك عليها . قال : يا رسول الله ! ما لي ؟ قال : ما لك ، إن كنت صادقا ، فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت ، فهو أبعد لك .

                                                                                                                        [ ص: 226 ] 26134 - قال الشافعي : تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين تفريق حكم ليس لطلاق الزوج فيه مدخل ، وإنما هو تفريق أوجبه اللعان ، فأخبره به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : لا سبيل لك عليه .

                                                                                                                        26135 - قال أبو عمر : هذا كله معنى قول مالك ، ومذهبه .

                                                                                                                        26136 - وفي قوله عليه السلام : لا سبيل لك عليها دلالة واضحة أن اللعان هو الموجب للفرقة بينهما وأن الحاكم إنما ينفذ في ذلك الواجب من حكم الله تعالى ولم يكن تفريق النبي - عليه السلام - بين المتلاعنين استئنافا من حكم ، وإنما كان تنفيذا لما أوجب الله تعالى من المباعدة بينهما .

                                                                                                                        26137 - وهو معنى اللعان في اللغة .

                                                                                                                        26138 - فعلى الحاكم أن يعلمها بأن اللعان فراق بينهما ، وإن قصر عن ذلك ، ولم يقل : فرقت بينهما . فالفرقة واقعة بتمام اللعان ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا سبيل لك عليها .

                                                                                                                        [ ص: 227 ] 26139 - وحجة الشافعي في قوله : إذا أكمل الزوج التعانه عليها إلى آخر الخامسة ، وقعت الفرقة بينه وبين امرأته وزال فراشه ، التعنت المرأة أو لم تلتعن ، أنه لما كان التعان الزوج يسقط الحد عنه ، وينفي الولد عن فراشه إن نفاه في التعانه ، كان كذلك قطع العصمة ورفع الفراش ووجوب الفرقة ; لأن المرأة لا مدخل لها في الفراق وقطع العصمة ورفع الفراش وإنما ذلك بيد الزوج ، ولا معنى لالتعان المرأة إلا في درء الحد عنها ، قال الله تعالى : ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة الآية [ النور : 6 - 7 ] .

                                                                                                                        26140 - ولما اتفقوا أن الزوج بالتعانه ينتفي عنه الولد إن نفاه ، كان كذلك برفع عصمة النكاح ، ألا ترى أن معنى التعان الزوج والتعان المرأة متضادان ; لأن الزوج يدعي ما يوجب الفرقة ويحلف عليه ، والمرأة تنفي المعنى الموجب لوقوع الفراق ، فكيف يعتبر في رفع العصمة التعانها وهي مكذبة لزوجها في وقوع النسب الموجب للفراق ، أم كيف يرتفع النسب وينفى النكاح .

                                                                                                                        26141 - وحجة الكوفيين ، ومن قال بقولهم في أن الفرقة لا تقع بتمام [ ص: 228 ] اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما حديث ابن عمر ، وحديث سهل بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين ، فأضاف الفرقة إليه لا إلى اللعان ، فلا تقع الفرقة حتى يقول الحاكم : قد فرقت بينهما ، ويعلم من حضره بذلك ، ويشهدهم .

                                                                                                                        26142 - قالوا : ولما كان اللعان مفتقرا إلى حضور الحاكم ، كان مفتقرا إلى تفريقه بخلاف الطلاق وقياسا على العنين ; لأنه لا تقع الفرقة بينه وبين امرأته إلا بحكم الحاكم بذلك .



                                                                                                                        26143 - واتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وهو مذهب أهل المدينة ، ومكة ، والكوفة ، والشام ، ومصر : أن اللعان لا يفتقر إلى طلاق ، وأن حكمه وسنته الفرقة بين المتلاعنين إما باللعان وإما بتفريق الحاكم ، على ما ذكرنا من مذاهبهم .

                                                                                                                        26144 - وقال عثمان البتي ، وطائفة من أهل البصرة : لا ينقص اللعان شيئا من العصمة حتى يطلق الزوج .

                                                                                                                        26145 - وهذا قول لم يتقدم البتي إليه أحد فيما علمت ، ولا له من الآثار الواردة بالسنن ما يدل عليه ; لأن طلاق عويمر العجلاني بعد تمام التعانها ، [ ص: 229 ] لم يكن بأمر النبي - عليه السلام - ولا قال له النبي - عليه السلام - : أحسنت ، ولا فعلت ما كان يجب عليك ، ولو كان الطلاق واجبا ومحتاجا إليه ، لبينه صلى الله عليه وسلم ; لأنه بعث إلى الناس معلما ، وهم لا يعلمون شيئا وقد قال له ، أو أخبره : لا سبيل لك عليها عند تمام اللعان بينهما ، فبان بذلك أن طلاق العجلاني ، لم يكن له معنى إلا قوله : كذبت عليها يا رسول الله ، إن أمسكتها ، فطلقها ; ليدل بذلك عند نفسه على صدقه ، ولم يكن ذلك يدخل داخله في حكمه ، فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، ولا نهاه ، ولا أمره ; لأن طلاقه كان لا معنى له ، وقد بان في حديث ابن وهب ، عن عياض بن عبد الله الفهري ، عن ابن شهاب ، أن قوله في آخر حديث مالك بإثر ذكر الطلاق ، فكان ذلك سنة المتلاعنين ، إنما أراد الفرقة ، وألا يجتمعا أبدا .

                                                                                                                        26146 - كذلك ذكره ابن وهب ، عن عياض ، عن ابن شهاب في آخر حديثه في اللعان ، وساقه كنحو سياقة مالك له ، وقال في آخره : ومضت سنة المتلاعنين أن يفرق بينهما ، لا يجتمعان أبدا .

                                                                                                                        26147 - ذكره ابن وهب في موطئه ، عن عياض بن عبد الله الفهري ، عن ابن شهاب في حديثه ، عن سهل بن سعد في اللعان .

                                                                                                                        [ ص: 230 ] 26148 - وعياض هذا قد روى عنه الليث ، وغيره ، وهو من شيوخ أهل مصر .

                                                                                                                        26149 - وقد احتج من قال : إن طلاق الثلاث المجتمعات تقع السنة بحديث سهل بن سعد في طلاق عويمر العجلاني زوجته ثلاثا ، ولم ينكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لو كان وقوع طلاق الثلاث المجتمعات لا يجوز ، لبينه صلى الله عليه وسلم ، وأنكره عليه ، وقال له : كيف تطلق ثلاثا في مرة واحدة ، وذلك لا يجوز في ديننا وشريعتنا ونحو ذلك ، فلما لم ينكر عليه شيئا من ذلك دل على جوازه .

                                                                                                                        26150 - وأما من قال : لا تقع السنة ، وإنما هي بدعة لازمة لموقعها ، فإنه قال : لما لم يكن موضع طلاق ; لأن فرقة اللعان أقوى من فرقة الطلاق لم يحتج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إنكار ذلك عليه ; لأنه فعل فعلا لا معنى له .

                                                                                                                        [ ص: 231 ] 26151 - وقد أوضحنا هذه المسألة . واجتلبنا أقوال القائلين فيها في أول كتاب الطلاق .

                                                                                                                        26152 - وأما قول ابن عمر في حديثه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وألحق الولد بالمرأة ومنهم من يرويه : وألحق الولد بأمه ، فمعلوم أن الأم لا ينتفي عنها ولدها أبدا ، وأنه لاحق بها على كل حال ; لولادتها له ، لكن معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى بانتفاء الولد عن أبيه بلعانه ألحقه بأمه خاصة ، كأنه لا أب له فلا يرث أباه ، ولا يرثه أبوه ، ولا أحد بسببه .

                                                                                                                        وقيل : بل ألحقه بأمه ، فجعل أمه له كأبيه وأمه .

                                                                                                                        26153 - ولهذا الحديث اختلف العلماء - والله أعلم - في ميراث ولد الملاعنة ، وسنورد هذا في بابه بعد هذا ، إن شاء الله تعالى .




                                                                                                                        الخدمات العلمية