الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      المبحث الخامس: الشيخ أبو إسماعيل الهروي [1]

      الشيخ أبو إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي المتوفى سنة 481هـ، شيخ خراسان في عصره، ومن كبار الحنابلة، كان بارعا في اللغة، حافظا للحديث، عارفا بالتاريخ والأنساب، مظهرا للسنة داعيا إليها، آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، فكان يدخل على الأمراء والجبابرة لذلك ولا يبالي. كان عصره بداية الاصطدام القوي بين الحنابلة والأشاعرة، وكان سيفا مسلولا على المتكلمين، ولذا ألف كتابه (ذم الكلام وأهله) . ولقوة اعتقاده بسلامة مذهب الحنابلة تحمل في سبيله الكثير من المشاق، فامتحن وأوذي. يقول، رحمه الله: «عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، ولكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت» [2] .

      ومن كتبه: (الفاروق في الصفات) ، و (كتاب الأربعين) في التوحيد، و (الأربعين) في السنة، و (منازل السائرين) في السلوك والتصوف، و (سيرة الإمام أحمد بن حنبل) . [ ص: 96 ] انتقل من ذم الكلام بوصفه مجال علق به غبار من آثار الثقافات الدخيلة إلى مجال التصوف عند المتأخرين، الذي لم يخل هو الآخر من صبغة هذه الثقافات. ولذا انتقد من قبل بعض أعلام المنهج السلفي كابن تيمية والذهبي [3] وابن القيم -كما سيأتي- وغيرهم [4] .

      قسم الهروي كتابه (منازل السائرين) إلى عشرة أقسام يتدرج فيها السائر إلى الله عز وجل، وهي أقسام: البدايات، والأبواب، والمعاملات، والأخلاق، والأصول، والأدوية، والأحوال، والولايات، والحقائق، والنهايات. وجعل لكل قسم عشر منازل، وبذلك يبلغ عدد منازل السائرين إلى الله تعالى مائة منـزلة.

      وقد استشهد الهروي في كتابه هذا بالكثير من الآيات القرآنية محاولا إيجاد الصلة بينها ومقامات الصوفية وأحوالهم، وكأنه يتجه بهذا المنهج إلى الجمع بين إثبات إخلاصه لطريقة السلف والبرهنة على صدق نظريات بعض متأخري الصوفية ورجحانها. [ ص: 97 ] ولما كان طريق المتصوفة المتأخرين لم يخل من شطحات في الفكر أو في السلوك أو فيهما معا، فقد كان لغيرهم مواقف منهم يجملها ابن القيم في ثلاث مواقف [5] :

      أحدها: موقف من حجبوا بشطحات القوم عن محاسنهم ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم، فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقا.

      ويرى ابن القيم خطأ أصحاب هذا الموقف، فيقول: «وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات والحكم، وتعطلت معالمها» [6] .

      الثاني: موقف الذين حجبوا بما رأوه من محاسن القوم، وصفاء قلوبهم، وصحة عزائمهم، وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها، فسحبوا عليها ذيل المحاسن، وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها، واستظهروا بها في سلوكهم.

      وهؤلاء -في نظر ابن القيم- أيضا معتدون مفرطون.

      الثالث: موقف أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنـزلوا كل ذي منـزلة منـزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل، وردوا ما يرد. [ ص: 98 ] وقد وقف ابن القيم من أبي إسماعيل الهروي -وغيره من المتصوفة- الموقف الثالث، وهو موقف العدل والإنصاف، فاستفاد كثيرا من كتابه (منازل السائرين) في تحـديد منازل العبودية وقيم السلوك في السير إلى الله عز وجل، فجاء كتابه (مدارج السالكين) شرحا ممتعا وافيا وسهلا ميسرا لكتاب (المنازل) ، حاول فيه ابن القيم إبراز ما فيه من حق وخير وتأكيدهما وزيادتهما بيانا وإيضاحا، وتقويم ما فيه من شطحات، وتهذيب ما فيه من هنات، فكان يعرض ما تضمنه من أحكام وأحوال وأقوال على الكتاب والسنة، فيقبل ما وافقهما ويرد ما خالفهما.

      والمتفحص لكتاب (المدارج) يجد أن ابن القيم قد استـأنس بما جاء من حق في كتاب (المنازل) ، ووافـق الهـروي على كثير ممـا قرره فيه، وأنه كان بمثـابة الملهـم له في كثير مما أتى به من مباحث وقضايا ومسائل في كتابه (المـدارج) ، حيث كان ينطلق -مستطردا- من بعض أفكار الهروي، فيأتي بالكثير من التفصيلات العلمية، والخاطرات الدقيقة، وقواعد السـلوك المهمـة، يقدمها للسالكين لينهلوا منها، فيهتدوا بها إلى الحق وسبل الرشاد.

      وقد أثنى ابن القيم على الهروي وبين رأيه فيه، فقال: «وصاحب المنازل، رحمه الله، كان شديد الإثبات للأسماء والصفات، مضادا للجهمية من كل وجه، وله كتاب (الفاروق) استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها، ولم يسبق إلى مثله، وكتاب (ذم الكلام وأهله) طريقته فيه أحسن [ ص: 99 ] طريقة، وكتاب لطيف في أصول الدين، يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقررها، وله مع الجهمية المقامات المشهودة، وسعوا بقتله إلى السلطان مرارا عديدة والله يعصمه منهم، ورموه بالتشبيه والتجسيم على عادة بهت الجهمية والمعتـزلة لأهل السنة والحـديث، الذين لم يتحيزوا إلى مقالة غير ما دل عليه الكتاب والسنة.

      ولكنه، رحمه الله، كانت طريقتـه في السلوك مضادة لطريقته في الأسماء والصفات، فإنه لا يقـدم على الفناء شيئا، ويراه الغاية التي يشمر إليها السالكون، والعلم الذي يؤمه السائرون، واستولى عليه ذوق الفناء وشهود الجمع، وعظم موقعه عنده، واتسعت إشارته إليه، وتنوعت به الطرق الموصلة إليه علما وحالا وذوقا، فتضمن ذلك تعطيلا من العبودية، باديا عـلى صفحات كلامه، وزان تعطيل الجهمية لما اقتضته أصولهم من نفي الصفات.

      ولما اجتمع التعطيلان لمن اجتمعـا له -من السالكين- تولد منهما القول بوحـدة الوجود، المتضمـن لإنكار الصانع وصفاته وعبوديته، وعصم الله أبا إسمـاعيل باعتصامه بطريقة السلف في إثبات الصفات، فأشرف من عقبة الفناء على وادي الاتحاد بأرض الحلول فلم يسلك فيها. ولوقوفه على عقبته، وإشرافه على تلك الربوع الخراب، ودعوة الخلق إلى الوقوف على تلك العقبة، أقسمت الاتحادية بالله جهد أيمانهم إنه لمعهم ومنهم، وحاشاه. [ ص: 100 ] وتولى شرح كتابه أشدهم في الاتحاد طريقة، وأعظمهم فيه مبالغة وعنادا لأهل الفرق (العفيف التلمساني) [7] ، ونـزل الجمع الذي يشير إليه صاحب المنازل على جمع الوجود، وهو لم يرد به -حيث ذكره- إلا جمع الشهود، ولكن الألفاظ مجملة وصادفت قلبا مشحونا بالاتحاد، ولسانا فصيحا متمكنا من التعبير عن المراد: ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) (النور:40) » [8] .

      ولكن ثناء ابن القيم على الهروي وتقديره له واستفادته منه الفوائد الكثيرة في موضوع بحثنا هذا لم تمنعه من نقده له، ومعارضته إياه في الكثير من المقامات والأحوال وتفاصيل مسائلها.

      ويتأرجح هذا النقـد وتلك المعارضـة بين اللين والشدة بحسب قرب أو بعد كلام الهروي من الحق الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وأقوال ومواقف سلف الأمة، مع الحرص على الالتـزام بالأدب والتواضع والعدل والإنصاف في مخالفته للهروي ورده عليه، والتماس الأعذار له، وحمل كلامه على أحسن محامله، لما عرفه عنه ولمسه فيه من صحة الإيمان [ ص: 101 ] وقوة الإخلاص وحب الحق والذب عن السنة. ولذا كثيرا ما نطالع في كتابه (المدارج) أمثال قوله عنه: «شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك، ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله، ثم نبين ما فيه» [9] ، وقوله: «هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفراتها بكثرة الحسنات، ويستغرقها كمال الصدق، وصحة المعاملة، وقوة الإخلاص، وتجريد التوحيد. ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم » [10] ، وقوله أيضا: «ولولا أن حق الحق أوجب من حق الخلق لكان في الإمساك [11] فسحة ومتسع» [12] ، وقوله كذلك: «والله يشكر لشيخ الإسلام سعيه ويعلي درجته ويجزيه أفضل جزائه، ويجمع بيننا وبينه في محل كرامته، فلو وجد مريده سعة وفسحة في ترك الاعتراض عليه واعتراض كلامه لما فعل. كيف وقد نفعه الله بكلامه؟، وجلس بين يديه مجلس التلميذ من أستاذه، وهو أحد من كان على يديه فتحه يقظة ومناما؟» [13] .

      ومن المسـائل الكثيرة التي عارض فيها ابن القيم الهروي وانتقده فيها - على سبيل المثال لا الحصر- ما يلي: [ ص: 102 ] 1- أن الهروي عد من منازل السائرين منـزلة (الحزن) [14] ، فخالفه ابن القيم في ذلك، واستدرك عليه بقوله: «ليس من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنـزولها، وإن كان لا بد للسالك من نـزولها. ولم يأت (الحزن) في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا.

      فالمنهـي عنـه كقـولـه تعـالى: ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) (آل عمران:139) ،

      وقوله: ( ولا تحزن عليهم ) (النحل:127) ، في غير موضع،

      وقوله: ( لا تحزن إن الله معنا ) (التوبة:40) .

      والمنفي كقوله: ( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (البقرة:38) .

      وسر ذلك: أن (الحزن) موقف غير مسير، ولا مصلحة فيه للقلب. وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره، ويوقفه عن سلوكه.

      قال الله تعالى: ( إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا ) (المجادلة:10) ،

      ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث، لأن ذلك يحزنه [15] . فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة، وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 103 ] ( فقال: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ) [16] ، فهو قرين الهم. والفرق بينهما: أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما يستقبل أورثه الهم، وإن كان لما مضى أورثه الحزن، وكلاهما مضعف للقلب عن السير، مفتر للعزم. ولكن نـزول منـزلته ضروري بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها: ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) (فاطر:34) ،

      فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن، كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم...

      وأما الخـبر المروي (إن الله يحب كل قلب حزين) فلا يعرف إسناده، ولا من رواه، ولا تعلم صحته. وعلى تقدير صحته، فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده، فإذا ابتلي به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه...

      وأجمع أرباب السلوك على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري [17] فإنه قال: (الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصيـة، لأنه إن لم يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا) . فيقال: لا ريب أنه محنة وبلاء من الله، بمنـزلة المرض والهم والغم، وأما أنه من منازل الطريق فلا، والله سبحانه أعلم» [18] . [ ص: 104 ] ولما جعل الهروي منـزلة (التهذيب والتصفية) على ثلاث درجات، وقال في الدرجة الثانية منها أنها: «تهذيب الحال، وهو أن لا يجنح الحال إلى علم» [19] ، اعترض عليه ابن القيم، فقال معقبا: «أما جنوح الحال إلى العلم فهو نوعان: ممدوح ومذموم. فالممدوح: التفاته إليه، وإصغاؤه إلى ما يأمر به، وتحكيمه عليه. فمتى لم يجنح إليه هذا الجنوح كان حالا مذموما ناقصا مبعدا عن الله، فإن كل حال لا يصحبه علم: يخاف عليه أن يكون من خدع الشيطان. وهذا القدر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم، وعلى أهل الثغور ثغورهم، وشردهم عن الله كل مشرد، وطردهم عنه كل مطرد، حيث لم يحكموا عليه العلم، وأعرضوا عنه صفحا حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام...

      والبلية التي عرضت لهؤلاء: أن أحكام العلم تتعلق بالعلم وتدعوا إليه، وأحكام الحال تتعلق بالكشف. وصاحب الحال ترد عليه أمور ليست في طور العلم، فإن أقام عليها ميزان العلم ومعياره، تعارض عنده العلم والحال، فلم يجد بدا من الحكم على أحدهما بالإبطال. فمن حصلت له أحوال الكشف ثم جنح إلى أحكام العلم، فقد رجع القهقرى وتأخر في سيره إلى وراء.

      فتأمل هذا الوارد وهذه الشبهة التي هي سم ناقع تخرج صاحبها من المعرفة والدين كإخراج الشعرة من العجين. واعلم أن المعرفة الصحيحة هي روح العلم. والحال الصحيح هو روح العمل المستقيم، فكل حال لا يكون [ ص: 105 ] نتيجة العمل المستقيم مطابقا للعـلم، فهو بمنـزلة الروح الخبيثة الفاجرة. ولا ينكر أن يكون لهذه الروح أحوال، لكن الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها، فمتى عارض الحال حكم من أحكام العلم فذلك الحال إما فاسد وإما ناقص ولا يكون مستقيما أبدا. فالعـلم الصحيـح والعمل المستقيم هما ميزان المعرفة الصحيحة والحال الصحيح، وهما كالبدنين لروحيهما.

      فأحسن ما يحمل عليه قوله (أن لا يجنح الحال إلى العلم) : أن العلم يدعو إلى التفرقة دائما، والحال يدعو إلى الجمعية، والقلب بين هذين الداعيين، فهو يجيب هذا مرة وهذا مرة. فتهذيب الحال وتصفيته: أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم. ولا يلزم من هذا إعراضه عن العلم وعدم تحكيمه والتسليم له، بل هو متعبد بالعلم محكم له مستسلم له غير مجيب لداعيه من التفرقة، بل هو مجيب لـداعي الحـال والجمعية، آخذ من العلم ما يصحح له حاله وجمعيته، غير مستغرق فيه استغراق من هو مطرح همته وغاية مقصده، لا مطلوب له سواه، ولا مراد له إلا إياه. فالعلم عنده آلة ووسيلة وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه، فهو كالدليل بين يديه يدعوه إلى الطريق ويدله عليها، فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره وباعث همته على الخروج من أوطانه ومرباه ومن بين أصحابه وخلطائه، الحامل له على الاغتراب والتفرد في طريق الطلب: هو المسير له والمحرك والباعث، فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزئيات أحوال الدليل وما هو خارج عن دلالته على طريقه. [ ص: 106 ] فهذا مقصد شيخ الإسلام – إن شاء الله تعالى – لا الوجه الأول، والله سبحانه وتعالى أعلم» [20] .

      ولما قال الهروي في حديثه عن منـزلة (الشكر) : «وهو أيضا من سبل العامة» [21] ، عقب عليه ابن القيم بقوله: «يا ليت الشيخ صان كتابه عن هذا التعليل، إذ جعل نصف الإسلام والإيمان من أضعف السبل. بل الشكر سبيل رسل الله وأنبيائه، عليهم السلام أجمعين، أخص خلقه وأقربهم إليه. ويا عجبا!، أي مقام أرفع من الشكر الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان، حتى المحبة، والرضى، والتوكل وغيرها؟ فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها. وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى» [22] .

      ولما صدر الهروي منـزلة (الانبساط) بقوله تعالى: ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ) (الأعراف:155) [23] ،

      اعترض عليه ابن القيم، فقال: «وقد غلط صاحب المنازل حيث صدر هذه المنـزلة بقوله تعالى – حاكيا عن كليمه موسى عليه الصلاة والسلام : ( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) ، وكأنه فهم [ ص: 107 ] من هذا الخطاب انبساطا بين موسى وبين الله تعالى حمله على أن قال: (إن هي إلا فتنتك) ... وكل هذا وهم، وفهم خلاف المقصود، فالفتنة ههنا هي الامتحان والاختبار،

      كقوله تعالى: ( وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ) (الأنعام:53) ،

      وقوله: ( وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم ) (الجن:16-17) ...

      والمعنى: أن هذه الفتنة اختبار منك لعبدك وامتحان تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء، فأي تعلق لهذا بالانبساط؟ وهل هذا إلا توحيد وشهود للحكمة وسؤال للعصمة والمغفـرة؟ وليس للعارف في هذه المنـزلة حظ مع الله، وإنما هي متعلقة بالخلق» [24] .

      ولما قال الهروي في حديثه عن منـزلة (الذكر) : «قال الله عز وجل: ( واذكر ربك إذا نسيت ) (الكهف:24) ، يعني: إذا أنسيت، ونسيت نفسك في ذكرك، ثم نسيت ذكرك في ذكرك، ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر» [25] ، عارضه ابن القيم في الاستدلال بهذه الآية وتفسيرها، فقـال: «ليته -قدس الله روحه- لم يقل [26] ، فلا والله ما عنى الله هذا المعنى، ولا هـو مراد الآية، ولا تفسيرها عند أحد من السلف ولا من الخلف. وتفسير الآية عند جماعة المفسرين: أنك لا تقل لشيء أفعل كذا وكذا حتى [ ص: 108 ] تقول: إن شاء الله. فإذا نسيت أن تقولها فقلها متى ذكرتها. وهذا هو الاستثناء المتراخي الذي جوزه ابن عباس وتأول عليه الآية، وهو الصواب...، والذي أجمع عليه المفسرون: أن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، فقـال: أخبركم غدا، ولم يقل (إن شاء الله) ، فتلبث الوحي أياما، ثم نـزلت هذه الآية. قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: معناه إذا نسيت الاستثناء، ثم ذكرت فاستثن» [27] .

      ولما جعل الهروي (الهيمان) في أعلى المنازل [28] ، خطأه ابن القيم وعارضه في ذلك، فقال: «وليس ذلك من مقامات السير، ولا منازل الطريق المقصودة بالنـزول فيها للمسافرين، خلافا لصاحب المنازل، حيث عد ذلك من أعلى المنازل وغاياتها، وعبر عنه بمنـزلة (الهيمان) ، وليس له ذكر في القرآن ولا في السنة، ولا في لسان سلف القوم.

      وقد تكلف له صاحب المنازل الاستشهاد بقوله تعالى: ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) (الأعراف:143) ،

      وما أبعد الآية من استشهاده، وكأنه ظن أن موسى ذهب عن تماسكه لما ورد عليه في حالة الخطاب والتكليم الإلهي، فأورثه ذلك هيمانا صعق منه. وليس كما ظنه، وإنما صعق موسى عند تجلي الرب تعالى للجبل واضمحلاله وتدكدكه من تجلي الرب تعالى» [29] . [ ص: 109 ]

      التالي السابق


      الخدمات العلمية