الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      معلومات الكتاب

      قيم السلوك مع الله عند ابن قيم الجوزية [الجزء الثاني]

      الأستاذ الدكتور / مفرح بن سليمان القوسي

      المبحث الرابع: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به

      لا بد للسالك كذلك من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسي به في كل أعماله صغيرها وكبيرها،

      قال تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ) (الأحزاب:21) ؛

      وفي هذا يقول ابن القيم مخاطبا العبد السالك: حقيقة هذا الاقتداء «التأدب بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، وتحكيمه باطنا وظاهرا، والوقوف معه حيث وقف بك، والمسير معه حيث سار بك، بحيث تجعله بمنـزلة شيخك الذي قد ألقيت إليه أمرك كله سره وظاهره، واقتديت به في جميع أحوالك، ووقفت مع ما يأمرك به فلا تخالفه ألبتة، فتجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لك شيخا وإماما وقدوة وحاكما، وتعـلق قلبك بقلبه الكريم وروحانيتك بروحانيته كما يعلق المريد روحانيته بروحانية شيخه، فتجيبه إذا دعاك، وتقف معه إذا استوقفك، وتسير إذا سار بك، وتقيل إذا قال، وتنـزل إذا نـزل، وتغضب لغضبه، وترضى لرضاه. وإذا أخبرك عن شيء أنـزلته منـزلة ما تراه بعينك، وإذا أخبرك عن الله بخبر أنـزلته منـزلة ما تسمعه من الله بإذنك.

      وبالجملة: تجعل الرسول شيخك وأستاذك ومعلمك ومربيك ومؤدبك، وتسقط الوسائط بينك وبينه إلا في التبليغ، كما تسقط الوسائل بينك وبين المرسل في العبودية، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك» [1] . [ ص: 32 ] ويتابع فيقول: «وهذان التجريدان هما حقيقة شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. والله وحده هو المعبود المألوه الذي لا يستحق العبادة سواه، ورسوله المطاع المتبع المهتدى به الذي لا يستحق الطاعة سواه. ومن سواه فإنما يطاع إذا أمر الرسول بطاعته، فيطاع تبعا للأصل.

      وبالجملة: فالطريق مسدودة إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى الله عليه وسلم واقتدى به ظاهره وباطنه. فلا يتعنى السالك على غير هذا الطريق، فليس حظه من سلوكه إلا التعب، وأعماله:

      ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) (النور:39) .

      ولا يتعنى السالك على هذا الطريق، فإنه واصل ولو زحف زحفا، فأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قعدت بهم أعمالهم: قامت بهم عزائمهم وهممهم ومبايعتهم لنبيهم، كما قيل:

      من لي بمثل سيرك المدلل

      تمشي رويدا وتجيء في الأول

      والمنحرفون عن طريقه إذا قامت بهم أعمالهم واجتهاداتهم: قعد بهم عدولهم عن طريقه:

      فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا» [2] [ ص: 33 ] ويقول -معتبرا- الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم أحد ثلاثة أمور لا يصح السلوك إلا بهـا: «إنمـا يصـح السلوك ويسلم من الآفات والعوائق والقواطع بثلاثة أمور:

      الأول: أن يكون السالك على الدرب الأعظم، الدرب النبوي المحمـدي، لا على الجواد الوضعية والرسـوم الاصطلاحية، وإن زخرفوا لها القول ودققوا لها الإشارة وحسنوا لها العبادة.

      الثاني: أن لا يجيب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة.

      الثالث: أن يكون في سلوكه ناظرا إلى المقصود» [3] .

      ويستشهد بأقوال بعض علماء السلوك الأجلاء في هذا الضابط، فيقول: «قال الجنيد بن محمد، رحمه الله: «الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه» [4] ، «وقال أحمد بن أبي الحواري [5] ، رحمه الله: «من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله» [6] ، «وقال ابن عطاء [7] : «من ألزم نفسه [ ص: 34 ] آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه» [8] .

      ويبين، رحمه الله، الفرق بين تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها، فيقول: «والفرق بين تجريد متابعة المعصوم صلى الله عليه وسلم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها: أن تجريد المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولا، فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق والمغرب. ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها، بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك، هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة، ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم بها منك، فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك فهلا وافقته إن كنت صادقا، فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنهـا بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم. فمخالفتهم في القول الذي جاء النص [ ص: 35 ] بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم.

      ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به، ولذلك سمي تقليدا. بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنـزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى. قال الشـافعي: «أجمـع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد» [9] . [ ص: 36 ]

      التالي السابق


      الخدمات العلمية