الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                677 678 679 680 681 ص: وقد روي في ذلك عن ابن عمر وجابر -رضي الله عنهم-.

                                                حدثنا يونس ، قال: أنا علي بن معبد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم الجزري ، عن نافع، قال: سألت ابن عمر عن التيمم، فضرب بيديه إلى الأرض ومسح بهما يديه ووجهه وضرب ضربة أخرى فمسح بهما ذراعيه".

                                                حدثنا علي بن شيبة، قال: أنا محمد بن عبد الله الكناسي ، قال: نا عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله.

                                                حدثنا روح بن الفرج ، قال: نا سعيد بن كثير بن عفير ، قال: حدثني يحيى بن أيوب ، عن هشام بن عروة ، عن نافع ، عن ابن عمر، مثله.

                                                حدثنا يونس قال: نا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن نافع: "، أن عبد الله بن عمر أقبل من الجرف، حتى إذا كان بالمربد ، تيمم صعيدا طيبا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد روي في أن التيمم في اليدين إلى المرفقين عن عبد الله بن عمر وجابر -رضي الله عنهم-، فأخرج عن ابن عمر من أربع طرق صحاح كلها موقوفة.

                                                الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري ، عن علي بن معبد بن شداد ، عن عبيد الله بن عمرو الرقي ، عن عبد الكريم بن مالك الجزري ، عن نافع .

                                                وأخرج البيهقي من حديث عبيد الله وغيره، عن نافع ، عن ابن عمر: "أنه كان يقول: التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة للكفين إلى المرفقين".

                                                [ ص: 437 ] الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت ، عن محمد بن عبد الله بن عبد الأعلى الأسدي الكوفي الكناسي، بضم الكاف وفتح النون - نسبة إلى كناسة - وهو لقب أبيه عبد الله، ويقال لابنه: أبي كناسة أيضا، عن عبد العزيز بن أبي رواد ميمون بن بدر المكي ، عن نافع .

                                                الثالث: عن روح بن الفرج القطان ، عن سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن عمار المصري ، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، عن هشام بن عروة ، عن نافع .

                                                الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن نافع .

                                                وأخرجه مالك في "موطئه" عن نافع: أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف، حتى إذا كانا بالمربد، نزل عبد الله فتيمم صعيدا طيبا، فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع: "أن ابن عمر تيمم في مربد الغنم، فقال بيديه على الأرض فمسح بهما [وجهه]، ثم ضرب بهما على الأرض ضربة أخرى، ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين".

                                                ورواه الدارقطني مرفوعا أيضا، وقال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الفارسي، نا عبد الله بن الحسين بن جابر، ثنا عبد الرحيم بن مطرف، ثنا علي بن ظبيان ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي -عليه السلام- قال: "التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين".

                                                كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعا، ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب.

                                                [ ص: 438 ] قوله: "من الجرف" بضم الجيم والراء، وهو اسم موضع قريب من المدينة ، وأصله ما تجرفه السيول من الأودية و: "الجرف" بفتح الجيم وسكون الراء: أخذك الشيء عن وجه الأرض بالمجرفة.

                                                وزعم الزبير أن الجرف على ميل من المدينة ، وقال ابن إسحاق على فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو.

                                                وزعم ابن قرقول أنه على ثلاثة أميال إلى جهة الشام ، به مال عمر وأموال أهل المدينة ، وتعرف ببئر جشم وبئر الجمل.

                                                قوله: "بالمربد" بكسر الميم وفتح الباء، من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربده إذا حبسه، وأراد به الموضع الذي تحبس فيه الإبل والغنم، وبه سمي مربد البصرة والمدينة.

                                                والمربد أيضا الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، كالبيدر للحنطة. وزعم ابن قرقول: أن المربد على ميلين من المدينة ، وقال السفاقسي: رويناه بفتح الميم، وهي في اللغة بكسرها.

                                                وفي "المحكم": المربد: محبس الإبل، وقيل: هي خشبة أو عصا تعترض صدور الإبل فتمنعها من الخروج. ومربد البصرة من ذلك؛ لأنهم يحبسون فيه الإبل.

                                                والمربد: فضاء وراء البيوت [يرتفق] به، والمربد كالحجرة في الدار، ومربد التمر: جرينه الذي يوضع فيه بعد الجذاذ لييبس، قال سيبويه: هو اسم كالمطبخ، وإنما مثل به لأن الطبخ [ييبس]، وقال السهيلي: المربد والجرين والمسطح والبيدر والأندر والجرجاذ لغات بمعنى واحد.

                                                [ ص: 439 ] وقال محمد بن سلمة: إنما تيمم ابن عمر بالمربد؛ لأنه خاف فوت الوقت.

                                                لعله يريد فوات الوقت المستحب، وهو أن تصفر الشمس.

                                                فإن قيل: قال البخاري في "جامعه" وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف، فحضرت العصر بمربد الغنم، فصلى، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد.

                                                قلت: قوله: "والشمس مرتفعة" يحتمل أن تكون مرتفعة عن الأفق، والصفرة دخلتها. ويحتمل أن يكون ظن أنه لا يدخل المدينة حتى يخرج الوقت، فتيمم على ذلك الاجتهاد.

                                                وعن ابن القاسم: "من رجا إدراك الماء في آخر الوقت، فتيمم في أوله وصلى أجزأه، ويعيد في الوقت استحبابا". فيحتمل أن يكون ابن عمر كان يرى هذا.

                                                وقال سحنون في شرح "الموطأ": كان ابن عمر على وضوء؛ لأنه كان يتوضأ لكل صلاة، فجعل التيمم عند عدم الماء عوضا من الوضوء. وقيل: كان ابن عمر يرى أن الوقت إذا دخل حل التيمم، وليس عليه أن يؤخر لقوله تعالى: فلم تجدوا ماء فتيمموا

                                                وقال عبد العزيز ابن بزيزة: الحاضر الصحيح يعدم الماء، هل يتيمم أم لا؟ قالت طائفة: يتيمم، وهو مذهب ابن عمر وعطاء والحسن، وجمهور العلماء. وقال قوم من العلماء: لا يتيمم. وعن أبي حنيفة: يستحب لعادم الماء، وهو يرجوه، أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، ليقع الأداء بأكمل الطهارتين. وعن محمد: إن خاف فوت الوقت يتيمم. وفي شرح الأقطع: التأخير، عن أبي حنيفة ويعقوب حتم. كأنه يشير إلى ما رواه الدارقطني من حديث أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي: "إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء، تيمم وصلى".

                                                [ ص: 440 ] ولفظ البيهقي: "اطلب الماء حتى يكون آخر الوقت، فإن لم تجد الماء تيمم، ثم صل".

                                                قال ابن حزم: وبه قال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل وعطاء. وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت. وقال مرة: إن أيقن بوجود الماء قبل خروج الوقت آخره إلى وسط الوقت، وإن كان موقنا أنه لا يجد الماء حتى يخرج الوقت فليتيمم في أول الوقت ويصلي، وعن الأوزاعي: كل ذلك سواء.

                                                وعند مالك إذا وجد الحاضر الماء في الوقت هل يعيد أم لا؟ فيه قولان في "المدونة"، وقيل: إنه يعيد أبدا.

                                                قلت: من صلى بالتيمم، ثم وجد الماء قبل خروج الوقت، لا إعادة عليه؛ لما روى أبو داود في "سننه": نا محمد بن إسحاق المسيبي، قال: نا عبد الله بن نافع ، عن الليث بن سعد ، عن بكر بن سوادة ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: "خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء. فتيمما صعيدا طيبا، فصليا. ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله -عليه السلام- [فذكرا] ذلك له فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين".

                                                وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان وإسحاق والشعبي، وقال عطاء وطاوس وابن سيرين ومكحول والزهري: يعيد الصلاة. واستحبه الأوزاعي ولم يوجبه.

                                                فإن قيل: قال أبو داود: ذكر أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ، هو مرسل.

                                                [ ص: 441 ] قلت: أسنده أبو الوليد الطيالسي ، عن الليث ، عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ناجية ، عن بكر بن سوادة ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري. وقال أبو علي بن السكن: تفرد به أبو الوليد ولم يسند عميرة غير هذا الحديث.

                                                وأخرجه الحكم مسندا وقال: صحيح على شرطهما، فإن ابن نافع ثقة، وقد وصل هذا الإسناد عن الليث، وقد أرسله غيره.

                                                وقال الطبراني في "الأوسط": لم يروه متصلا إلا ابن نافع، تفرد به المسيبي .

                                                وقال الدارقطني: تفرد به ابن نافع عن الليث بهذا الإسناد متصلا، وخالفه ابن المبارك وغيره، فلم يذكروا أبا سعيد .

                                                فإن قيل: قال ابن القطان: عميرة مجهول الحال.

                                                قلت: ليس كذلك؛ لأن النسائي لما ذكره في التمييز، قال: ثقة، وقال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل، وقال ابن بكير: هو ثقة. وسئل أحمد بن صالح عنه وعن ابن شريح، فقال: هما متقاربان في الفضل، وذكره ابن حبان في الثقات.




                                                الخدمات العلمية