الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 811 ص: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ التَّرْجِيعَ، فَقَدْ خَالَفَ أَبَا مَحْذُورَةَ فِي التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ التَّرْجِيعُ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو مَحْذُورَةَ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ لَمْ يَمُدَّ بِذَلِكَ صَوْتَهُ عَلَى مَا أَرَادَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ارْجِعْ وَامْدُدْهُ صَوْتَكُ ، وَهَكَذَا اللَّفْظُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ، فَلَمَّا احْتَمَلَ ذَلِكَ وَجَبَ النَّظَرُ؛ لِنَسْتَخْرِجَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ قَوْلًا صَحِيحًا، فَرَأَيْنَا مَا سِوَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الشَّهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَا تَرْجِيعَ فِيهِ، فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْهُ، وَيَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ أَنْ لَا تَرْجِيعَ فِي سَائِرِ الْأَذَانِ غَيْرَ الشَّهَادَةِ يَقْضِي عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّرْجِيعِ فِي الشَّهَادَةِ، وَهَذَا الَّذِي وَصَفْنَا وَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ نَفْيِ التَّرْجِيعِ؛ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. شرح معاني الآثار ش: لَمَّا لَمْ يُذْكَرِ التَّرْجِيعُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، خَالَفَ ذَلِكَ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ الْمَذْكُورُ فِيهِ التَّرْجِيعُ، وَالْأَصْلُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا، وَأَشَارَ إِلَى التَّوْفِيقِ بِقَوْلِهِ: "فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ... " إِلَى آخِرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: "وَهَكَذَا اللَّفْظُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ" أَرَادَ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ التَّرْجِيعُ: "ارْجِعْ وَامْدُدْ صَوْتَكَ" عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نَا أَبُو عَاصِمٍ ، نَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورٍ - يَعْنِي عَبْدَ الْعَزِيزِ - عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ، قَالَ: "أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: قُلِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجِعْ فَمُدَّ مِنْ صَوْتِكَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ "الْبَدَائِعِ": التَّرْجِيعُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَذَّنَ وَكَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِصَوْتَيْنِ وَمَدَّ صَوْتَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ خَفَضَ بِهِمَا صَوْتَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَخَافَةَ الْكُفَّارِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إِنَّهُ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَجْهَرُ بِسَبِّ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ اسْتَحْيَا، وَخَفَضَ بِهِمَا صَوْتَهُ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَعَرَكَ أُذُنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ وَقُلْ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَمُدَّ بِهِمَا صَوْتَكُ غَيْظًا لِلْكُفَّارِ . وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي "مَبْسُوطِهِ": وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ فَإِنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَمَرَ بِالتَّكْرَارِ حَالَةَ التَّعْلِيمِ لِيَحْسُنَ تَعَلُّمُهُ، وَهُوَ كَانَ عَادَتَهُ فِيمَا يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّرْجِيعِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هُوَ الْأَصْلُ وَلَيْسَ فِيهِ تَرْجِيعٌ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْأَذَانِ قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَلَا تَرْجِيعَ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، فَفِيمَا سِوَاهُمَا أَوْلَى. قُلْتُ: أُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ : "فَرَأَيْنَا مَا سِوَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الشَّهَادَةِ..." إِلَى آخِرِهِ. قَوْلُهُ: "مَعْطُوفًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا" أَيْ: مَصْرُوفًا عَلَيْهِ مُوَجَّهًا إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: "مِنْهُ" أَيْ مِنَ الْأَذَانِ. قَوْلُهُ: "يَقْضِي" خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: "وَيَكُونُ إِجْمَاعُهُمْ" فَافْهَمْ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقَالُ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ هُوَ الْأَصْلُ؛ بَلِ الْأَصْلُ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَعْلِيمَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِنَفْسِهِ وَفِيهِ التَّرْجِيعُ؟ قُلْتُ: قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَيْضًا مَا لَيْسَ فِيهِ التَّرْجِيعُ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ" قَالَ: نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ النُّفَيْلِيُّ ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي مَحْذُورَةَ ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي مَحْذُورَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَحْذُورَةَ يَقُولُ: "أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْأَذَانَ حَرْفًا حَرْفًا: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، [اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ] أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ..." إِلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَرْجِيعًا. فَهَذَا يُعَارِضُ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا التَّرْجِيعُ وَيُوَافِقُ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، فَالرُّجُوعُ إِلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَوْلَى بِلَا خِلَافٍ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية