الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              جزء صفحة
                                                              3-بَابٌ فِي ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسَاءً، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ، وَالنَّجِيبَةَ بِالْإِبِلِ ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ". قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا، الْمَعْرُوفُ مُرْسَلٌ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، وَهِيَ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ. إِحْدَاهَا: أَنَّ مَا سِوَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاوِيًا، وَحَالًّا وَنَسَاءً، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا بِحَالٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَصَاحِبُ الْمُغْنِي. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً، وَهِيَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ النَّسَاءُ إِذَا كَانَ مُتَمَاثِلًا، وَيَحْرُمُ مَعَ التَّفَاضُلِ. وَعَلَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ: فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّسِيئَةِ وَالتَّفَاضُلِ، بَلْ إِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا حَرُمَ الْآخَرُ. وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. فَيَجُوزُ عَبْدٌ بِعَبْدَيْنِ حَالًّا، وَعَبْدٌ بِعَبْدٍ نَسَاءً، إِلَّا أَنَّ لِمَالِكٍ فِيهِ تَفْصِيلًا. وَالَّذِي عَقَدَ عَلَيْهِ أَصْلَ قَوْلِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ مَعًا فِي جِنْسٍ مِنَ الْأَجْنَاسِ، وَالْجِنْسُ عِنْدَهُ مُعْتَبَرٌ بِاتِّفَاقِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَنَافِعِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَعِيرِ النَّجِيبِ بِالْبَعِيرَيْنِ مِنَ الْحَمُولَةِ، وَمِنْ حَاشِيَةِ إِبِلِهِ إِلَى أَجَلٍ؛ لِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ، وَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا، -وَاخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ- فَلَا يَجُوزُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ. فَسِرُّ مَذْهَبِهِ: أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ التَّفَاضُلُ وَالنَّسَاءُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ عِنْدَهُ، وَالْجِنْسُ مَا اتَّفَقَتْ مَنَافِعُهُ، وَأَشْبَهَ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ حَقِيقَتُهُ. فَهَذَا تَحْقِيقُ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُعْضِلَةِ، وَمَآخِذُهُمْ. وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو صَرِيحٌ فِي جَوَازِ الْمُفَاضَلَةِ وَالنَّسَاءِ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَبُو سُفْيَانَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ - مَا حَالُهُ ؟ قَالَ: مَشْهُورٌ ثِقَةٌ. قُلْتُ: عَنْ مُسْلِمِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ الزُّبَيْدِيِّ ؟ قَالَ: هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ. وَلَكِنْ مَالِكٌ يَحْمِلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ وَالْأَغْرَاضِ، فَإِنَّ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُهُ إِنَّمَا هُوَ لِلْجِهَادِ، وَالَّذِي جَعَلَهُ عِوَضَهُ هُوَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، قَدْ يَكُونُ مَعَ بَنِي الْمَخَاضِ، وَمِنْ حَوَاشِي الْإِبِلِ وَنَحْوِهَا. وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ: فَإِنَّهُ كَانَ يُعَلِّلُ أَحَادِيثَ الْمَنْعِ كُلَّهَا. قَالَ: لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَيُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَقَّاهُ، وَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَا ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: هُمَا مُرْسَلَانِ. وَحَدِيثُ سَمُرَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ الْأَثْرَمُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ. وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هَذَا حَجَّاجٌ زَادَ فِيهِ " نَسَاءً "، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، لَا يَذْكُرُ فِيهِ " نَسَاءً ". وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ " وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ " لَا يَصْلُحُ " يَعْنِي نَسَاءً، فَذِكْرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ زِيَادَةُ إِيضَاحٍ لَوْ سَكَتَ عَنْهَا لَكَانَتْ مَفْهُومَةً مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالْحَجَّاجِ، فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ فِيهِ وَبَالَغَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي السُّنَنِ فِي تَضْعِيفِهِ وَتَوْهِينِهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْآثَارَ عَنِ الصَّحَابَةِ بِجَوَازِ ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا وَنَسِيئَةً، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ. وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، كَالْعَبِيدِ بِالثِّيَابِ، وَالشَّاءِ بِالْإِبِلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ التَّفَاضُلُ فِيهِ وَالنَّسَاءُ، إِلَّا مَا حُكِيَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسَاءً، وَحَكَى هَذَا أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً رَابِعَةً فِي الْمَسْأَلَةِ. وَاحْتَجُّوا لَهَا بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ " الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ "، وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ الْجِنْسَ الْمُتَّحِدَ، وَكَمَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْمَكِيلِ الْمُخْتَلِفِ الْجِنْسِ دُونَ النَّسَاءِ، فَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَغَيْرُهُ، إِذَا قِيلَ إِنَّهُ رِبَوِيٌّ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، لِمُخَالَفَتِهَا النُّصُوصَ، وَقِيَاسُ الْحَيَوَانِ عَلَى الْمَكِيلِ فَاسِدٌ، إِذْ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ أَوْصَافٌ مُعْتَبَرَةٌ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي الْفَرْعِ، وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ فِي التَّحْرِيمِ. وَحَدِيثُ جَابِرٍ - لَوْ صَحَّ - فَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ دُونَ اخْتِلَافِهِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. فَهَذِهِ نُكَتٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمُعْضِلَةِ لَا تَكَادُ تُوجَدُ مَجْمُوعَةً فِي كِتَابٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                              الخدمات العلمية