الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              الدليل الثاني على تحريم العينة ما رواه أحمد في مسنده: حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله: أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم ".

                                                              ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حيوة بن شريح المصري عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - فذكره،

                                                              وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر.

                                                              [ ص: 466 ] فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر.

                                                              والإسناد الثاني: يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة كذلك.

                                                              وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين، مثل حيوة، والليث، ويحيى بن أيوب وغيرهم.

                                                              وله طريق ثالث: رواه السري بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد [ ص: 467 ] حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال " لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر، أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم "

                                                              وهذا يبين أن للحديث أصلا وأنه محفوظ.

                                                              الدليل الثالث: ما تقدم من حديث أنس " أنه سئل عن العينة ؟ فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله " ؟ وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع.

                                                              الدليل الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله " هذا مما حرم الله ورسوله ".

                                                              الدليل الخامس: ما رواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العالية، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية - يعني جدة إسرائيل - فإنها امرأة أبي إسحاق- [ ص: 468 ] قالت " دخلت على عائشة في نسوة فقالت [ما] حاجتكن ؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت يا أم المؤمنين، هل تعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت نعم.

                                                              قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا.

                                                              فأقبلت عليها، وهي غضبى، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ؟ فتلت عليها فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ".

                                                              فلولا أن عند أم المؤمنين علما لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة، وأن استحلال الربا كفر، وهذا منه، ولكن زيدا معذور؛ لأنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا قالت " أبلغيه ".

                                                              ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئا.

                                                              وعلى التقديرين: فجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد، فإن الحسنات لا تبطل بمسائل الاجتهاد.

                                                              ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها، لأن زيدا لم يقل: هذا حلال [ ص: 469 ] بل فعله، وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو أو غفلة أو تأويل، أو رجوع ونحوه، وكثيرا ما يفعل الرجل الشيء، ولا يعلم مفسدته، فإذا نبه له انتبه، ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك.

                                                              فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة.

                                                              قلنا: أم ولده لم ترو الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها.

                                                              وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة، ولم تضعها، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها ميمون، ولم يتهمها ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيا في التابعين فشوه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ ص: 470 ] ويحتج به.

                                                              فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة.

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية