الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              وقد اختلف أصحاب أحمد في منعه من بيع المكيل والموزون قبل قبضه على ثلاثة طرق.

                                                              أحدها: أن المراد ما تعلق به حق التوفية بالكيل أو الوزن، كرطل من زبرة، أو قفيز من صبرة، وهذه طريقة القاضي، وصاحب المحرر وغيرهما، وعلى هذا: فمنعوا بيع ما يتعلق به حق توفية، وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا، كمن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع أو قطيعا، كل شاة بدرهم.

                                                              والطريقة الثانية: أن المراد به ما كان مكيل الجنس وموزونه، وإن اشتراه جزافا كالصبرة، وزبرة الحديد ونحوهما.

                                                              والطريقة الثالثة: أن المراد به المكيل والموزون من المطعوم والمشروب، نص عليه في رواية مهنا فقال: كل شيء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب.

                                                              [ ص: 502 ] فصار في مذهبه أربع روايات.

                                                              إحداها: إن المنع مختص بما يتعلق به حق التوفية.

                                                              الثانية: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوم.

                                                              الثالثة: أنه عام في كل مكيل أو موزون مطعوما كان أو غيره.

                                                              الرابعة: أنه عام في كل مبيع.

                                                              والصحيح هو هذه الرواية لوجوه:

                                                              أحدها: حديث حكيم بن حزام " قلت: يا رسول الله، إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي ؟ قال: يا ابن أخي، لا تبع شيئا حتى تقبضه " وقد ذكرنا الكلام عليه.

                                                              الثاني: ما ذكره أبو داود في الباب من حديث زيد بن ثابت " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع "، وإن كان فيه محمد بن إسحاق فهو الثقة الصدوق.

                                                              وقد استوفينا الكلام عليه في الرد على الجهمية من هذا الكتاب.

                                                              فإن قيل: الأحاديث كلها مقيدة بالطعام سوى هذين الحديثين، فإنهما مطلقان أو عامان، وعلى التقديرين فنقيدهما بأحاديث الطعام أو نخصهما بمفهومها جمعا بين الأدلة وإلا لزم إلغاء وصف الحكم، وقد علق به [ ص: 503 ] الحكم.

                                                              قيل: عن هذا جوابان

                                                              أحدهما: أن ثبوت المنع في الطعام بالنص، وفي غيره إما بقياس النظير، كما صح عن ابن عباس أنه قال " ولا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام، " أو بقياس الأولى، لأنه إذا نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع كثرة الحاجة إليه وعمومها، فغير الطعام بطريق الأولى.

                                                              وهذا مسلك الشافعي ومن تبعه.

                                                              الجواب الثاني: أن اختصاص الطعام بالمنع هو مستفاد من مفهوم اللقب، وهو لو تجرد لم يكن حجة، فكيف وقد عارضه عموم الأحاديث المصرحة بالمنع مطلقا والقياس المذكور؟ حتى لو لم ترد النصوص العامة لكان قياسه على الطعام دليلا على المنع، والقياس في هذا يمكن تقديره من طريقين.

                                                              أحدهما: قياس بإبداء الجامع، ثم للمتكلمين فيه طريقان.

                                                              أحدهما: أنه قياس تسوية.

                                                              والثاني: أنه قياس أولوية.

                                                              والثاني من الطريقين الأولين: قياس بإلغاء الفارق، فإنه لا فارق بين الطعام وغيره في ذلك، إلا ما لا يقتضي الحكم وجودا ولا عدما، فافتراق المجلس فيها عديم التأثير.

                                                              يوضحه: أن المسالك التي اقتضت المنع من بيع الطعام قبل قبضه موجودة بعينها في غيره كما سيأتي بيانه.

                                                              قال المخصصون للمنع: تعليق النهي عن ذلك بالطعام يدل على أنه هو [ ص: 504 ] العلة؛ لأن الحكم لو تعلق بالأعم لكان الأخص عديم التأثير، فكيف يكون المنع عاما، فيعلقه الشارع بالخاص.

                                                              قال المعممون: لا تنافي بين الأمرين، فإن تعليق الحكم بعموم المبيعات مستقل بإفادة التعميم، وتعليقه بالخاص يحتمل أن يكون لاختصاص الحكم به، فثبت التعارض ويحتمل أن يكون لغرض دعا إلى التعيين من غير اختصاص الحكم به، إما لحاجة المخاطب، وإما لأن غالب التجارة حينئذ كانت بالمدينة فيه، فخرج ذكر الطعام مخرج الغالب فلا مفهوم له، وهذا هو الأظهر، فإن غالب تجاراتهم بالمدينة كانت في الطعام، ومن عرف ما كان عليه القوم من سيرتهم عرف ذلك، فلم يكن ذكر الطعام لاختصاص الحكم به، ولو لم يكن ذلك هو الأظهر لكان محتملا، فقد تعارض الاحتمالان، والأحاديث العامة لا معارض لها، فتعين القول بموجبها.

                                                              قال المخصصون: لا يمكنكم القول بعموم المنع، فإنه قد ثبت بالسنة جواز التصرف في غير الطعام قبل قبضه بالبيع، وهو الاستبدال بالثمن قبل قبضه، والمصارفة عليه.

                                                              قال المعممون: الجواب من وجهين.

                                                              أحدهما: الفرق بين الثمن في الذمة والمبيع المتعين من وجوه ثلاثة.

                                                              أحدها: أن الثمن مستقر في الذمة لا يتصور تلفه، والمبيع ليس كذلك، نعم لو كان الثمن معينا لكان بمنزلة المبيع المتعين.

                                                              [ ص: 505 ] الثاني: أن بيع الثمن ها هنا إنما هو ممن في ذمته ليس تبعا لغيره، فلو باع الثمن قبل القبض لغير من هو في ذمته لم يجز في أحد قولي الشافعي، وهو الذي رجحه الرافعي وغيره من أصحابه.

                                                              الثالث: أن العلل التي لأجلها امتنع العقد على المبيع قبل قبضه منتفية في الثمن بأسرها، فإن المآخذ ثلاثة:

                                                              إما عدم استقرار المبيع، وكونه عرضة للتلف وانفساخ العقد، وهذه العلة مأمونة بكون الثمن في الذمة.

                                                              وإما أن علق البائع لم تنقطع عن المبيع، وهذه العلة أيضا منتفية ها هنا.

                                                              وإما أنه عرضة للربح، وهو مضمون على البائع فيؤدي إلى ربح ما لم يضمن.

                                                              وهذه العلة أيضا منتفية في الثمن، فإنه إنما يجوز له الاستبدال به بسعر يومه، كما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يربح فيما لم يضمن.

                                                              ولا يمكن أن يقال مثل هذا في السلع، لأنه إنما اشتراها للربح، فلو منعناه من بيعها إلا بمثل الثمن لم يكن في الشراء فائدة، بخلاف الأثمان، فإنها لم توضع للربح، وإنما وضعت رءوسا للأموال، لا موردا للكسب والتجارة.

                                                              قال المخصصون: قد سلمتم نفوذ العتق قبل القبض، وهو تصرف يزيل الملك، فما الفرق بينه وبين البيع الناقل للملك ؟

                                                              قال المعممون: الفرق بينهما أن الشارع جعل للعتق من القوة والسراية والنفوذ ما لم يجعل لغيره، حتى أدخل الشقص الذي للشريك في ملك [ ص: 506 ] المعتق قهرا، وأعتقه عليه قهرا، وحتى أعتق عليه ما لم يعتقه لقوته ونفوذه، فلا يصح إلحاق غيره من التصرفات به.

                                                              قال المخصصون: قد جوزتم بيع الملك قبل قبضه في صور.

                                                              إحداها: بيع الميراث قبل قبض الوارث له.

                                                              الثانية: إذا أخرج السلطان رزق رجل فباعه قبل أن يقبضه.

                                                              الثالثة: إذا عزل سهمه فباعه قبل أن يقبضه.

                                                              الرابعة: ما ملكه بالوصية، فله أن يبيعه بعد القبول وقبل القبض.

                                                              الخامسة: غلة ما وقف عليه، له أن يبيعها قبل أن يقبضها.

                                                              السادسة: الموهوب للولد إذا قبضه ثم استرجعه الوالد، فله أن يبيعه قبل قبضه.

                                                              السابعة: إذا أثبت صيدا ثم باعه قبل القبض جاز.

                                                              الثامنة: الاستبدال بالدين من غير جنسه هو بيع قبل القبض.

                                                              نص الشافعي على الميراث والرزق يخرجه السلطان، وخرج الباقي على نصه.

                                                              التاسعة: بيع المهر قبل قبضه جائز، وقد نص أحمد على جواز هبة [ ص: 507 ] المرأة صداقها من زوجها قبل قبضه.

                                                              العاشرة: إذا خالعها على عوض جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب وغيره.

                                                              وقال أبو البركات في المحرر: هو كالبيع، يعني في عدم جواز التصرف فيه قبل القبض.

                                                              الحادية عشرة: إذا أعتقه على مال جاز التصرف فيه قبل قبضه، حكاه صاحب المستوعب.

                                                              الثانية عشرة: إذا صالحه عن دم العمد بمال جاز التصرف فيه قبل قبضه، وكذلك إذا أتلف له مالا، وأخرج عوضه.

                                                              ومنع صاحب المحرر من ذلك كله، وألحقه بالمبيع.

                                                              قال المعممون: الفرق بين هذه الصور وبين التصرف في المبيع قبل قبضه : أن الملك فيه غير مستقر، فلم يسلط على التصرف في ملك مزلزل، بخلاف هذه الصور، فإن الملك فيها مستقر غير معرض للزوال، على أن المعاوضات فيها غير مجمع عليها، بل مختلف فيها كما ذكرناه.

                                                              وفيها طريقتان لأصحاب أحمد:

                                                              إحداهما: طريقة صاحب المستوعب، وهي أن كل عقد ملك به العوض، فإن كان ينتقض بهلاك العوض قبل قبضه، كالإجارة والصلح عن [ ص: 508 ] المبيع، فحكمه في جواز التصرف فيه حكم العوض المتعين بعقد البيع، وإن كان العقد لا ينتقض بهلاك العوض المتعين به، كالمهر وعوض الخلع والعتق والصلح عن دم العمد، فحكمه حكم المملوك بعقد البيع، وما ملك بغير عوض كالميراث والوصية والهبة، فالتصرف فيه جائز قبل قبضه.

                                                              قال المخصصون: قد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر قال " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني: فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر، ويرده، ثم يتقدم فيزجره ويقول لي: أمسكه، لا يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعنيه يا عمر، فقال هو لك يا رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

                                                              قال بعنيه، فباعه منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك يا عبد الله، فاصنع به ما شئت
                                                              "، فهذا تصرف في المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه.

                                                              قال المعممون: لا ريب أن هذا تصرف فيه بالهبة لا بالمعاوضة.

                                                              ونحن لنا في مثل هذا التصرف قبل القبض خلاف، فمن أصحابنا من يجوزه، ويفرق بين التصرف فيه بالبيع والتصرف بالهبة.

                                                              ويلحق الهبة بالعتق، ويقول: هي [ ص: 509 ] إخراج عن ملكه، لا يتوالى فيه ضمانان، ولا يكون التصرف بها عرضة بها لربح ما لم يضمن، بخلاف البيع .

                                                              ومن أصحابنا من منعها، وقال: العلة المانعة من بيعه قبل قبضه عدم استقرار الملك وضعفه، ولا فرق في ذلك بين تصرف وتصرف، فإن صح الفرق بطل النقض، وإن بطل الفرق سوينا بين التصرفات، وعلى هذا، فالحديث لا دلالة فيه على التصرف قبل القبض، إذ قبض ذلك البعير حصل بالتخلية بينه وبينه، مع تميزه وتعينه، وهذا كاف في القبض.

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية