الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَالْعِبَادَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فِي «حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ » : إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ نَقِيضَ هَذَا الِاعْتِقَادِ عِنْدَهُ : أَنَّ الْعِبَادَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ ، وَأَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالْعِبَادَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ مَا يُطَالِبُهُ ذَوُو الْحُقُوقِ مِنْ حُقُوقِهِمْ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : «يَا مُعَاذُ ! هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ » ، قَالَ مُعَاذٌ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا » . وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ اعْتِقَادًا جَازِمًا ، وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ سُدًى مُهْمَلًا لَا يُطَالَبُ بِالْعِبَادَةِ ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا مِنْ جِهَةِ رَبٍّ مُرِيدٍ مُخْتَارٍ ، كَانَ دَهْرِيًّا لَا تَقَعُ عِبَادَتُهُ ، وَإِنْ بَاشَرَهَا بِجَوَارِحِهِ بِمَوْقِعٍ مِنْ قَلْبِهِ ، وَلَا تَفْتَحُ بَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، وَكَانَتْ عَادَةً كَسَائِرِ عَادَاتِهِ . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي مَعَارِفِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَوَرَثَتِهِمْ : أَنَّ مَوْطِنًا مِنْ مَوَاطِنِ الْجَبَرُوتِ فِيهِ إِرَادَةٌ وَقَصْدٌ ، بِمَعْنَى الْإِجْمَاعِ عَلَى فِعْلٍ مَعَ صِحَّةِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا الْمَوْطِنِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ الْفَوْقَانِيَّةُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ شَيْئًا إِلَّا أَوْجَبَ وُجُودَهُ ، أَوْ أَوْجَبَ عَدَمَهُ . لَا وُجُودَ لِلْحَالَةِ الْمُنْتَظَرَةِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْمٍ يُسَمَّوْنَ الْحُكَمَاءَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْإِرَادَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى . فَقَدْ حَفِظُوا شَيْئًا ، وَغَابَتْ عَنْهُمْ أَشْيَاءُ ، وَهُمْ مَحْجُوبُونَ عَنْ مُشَاهَدَةِ هَذَا الْمَوْطِنِ ، مَحْجُوبُونَ بِأَدِلَّةِ الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ . أَمَّا حِجَابُهُمْ ، فَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى مَوْطِنٍ بَيْنَ التَّجَلِّي الْأَعْظَمِ ، وَبَيْنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى ، شَبِيهٍ بِالشُّعَاعِ الْقَائِمِ بِالْجَوْهَرَةِ ، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى . فَفِي هَذَا الْمَوْطِنِ يَتَمَثَّلُ إِجْمَاعٌ عَلَى شَيْءٍ اسْتَوْجَبَهُ عُلُومُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى ، وَهَيَّأَهُمْ بَعْدَ مَا كَانَ مُسْتَوَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ سَوَاءً . وَأَمَّا الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ، فَهِيَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يَعْلَمُ -بَدَاهَةً - أَنَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ ، وَيَتَنَاوَلُ الْقَلَمَ مَثَلًا ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُرِيدٌ قَاصِدٌ ، يَسْتَوِي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ بِحَسَبِ هَذَا الْقَصْدِ ، وَبِحَسَبِ هَذِهِ الْقُوَى الْمُتَشَبِّحَةِ فِي نَفْسِهِ . وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الْفَوْقَانِيَّةِ إِمَّا وَاجِبَ الْفِعْلِ ، أَوْ وَاجِبَ التَّرْكِ ، فَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي كُلِّ مَا يَسْتَوْجِبُهُ اسْتِعْدَادٌ خَاصٌّ ، فَيَنْزِلُ مِنْ بَارِئِ الصُّوَرِ . وَنُزُولُ الصُّوَرِ عَلَى الْمَوَادِّ الْمُسْتَعِدَّةِ لَهَا ؛ كَالِاسْتِجَابَةِ عَقِيبَ الدُّعَاءِ ، بِمَا فِيهِ دَخْلٌ لِمُتَجَدِّدٍ حَادِثٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ . وَلَعَلَّكَ تَقُولُ : هَذَا جَهْلٌ بِوُجُوبِ الشَّيْءِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِي مَوْطِنٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْحَقِّ ؟ فَأَقُولُ : حَاشَ لِلَّهِ ، بَلْ هُوَ عِلْمٌ ، وَإِيفَاءٌ لِحَقِّ هَذَا الْمَوْطِنِ . إِنَّمَا الْجَهْلُ أَنْ يُقَالَ : لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَصْلًا . وَقَدْ نَفَتِ الشَّرَائِعُ الْإِلَهِيَّةُ هَذَا الْجَهْلَ حَيْثُ أَثْبَتَتِ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ ، وَأَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ . وَأَمَّا إِذَا قِيلَ: يَصِحُّ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ بِحَسَبِ هَذَا الْمَوْطِنِ ، فَهُوَ عِلْمُ حَقٍّ لَا مَحَالَةَ . كَمَا أَنَّكَ إِذَا رَأَيْتَ الْفَحْلَ مِنَ الْبَهَائِمِ يَفْعَلُ الْأَفْعَالَ الْفَحْلِيَّةَ ، وَرَأَيْتَ الْأُنْثَى تَفْعَلُ الْأَفْعَالَ الْأُنْثَوِيَّةَ ، فَإِنْ حَكَمْتَ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ صَادِرَةٌ جَبْرًا كَحَرَكَةِ الْحَجَرِ فِي تَدَحْرُجِهِ ، كَذَبْتَ . وَإِنْ حَكَمْتَ بِأَنَّهَا صَادِرَةٌ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لَهَا ، فَلَا الْمِزَاجُ الْفَحْلُ يُوجِبُ هَذَا الْبَابَ ، وَلَا الْمِزَاجُ الْأُنْثَوِيُّ يُوجِبُ ذَلِكَ، كَذَبْتَ . وَإِنْ حَكَمْتَ بِأَنَّ الْإِرَادَةَ الْمُتَشَبِّحَةَ فِي أَنْفُسِهَا تَحْكِي وُجُوبًا فَوْقَانِيًّا ، وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهَا لَا تَفُورُ فَوَرَانًا اسْتِقْلَالِيًّا ، كَانَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مَرْمًى ، فَقَدْ كَذَبْتَ . بَلِ الْحَقُّ الْيَقِينُ أَمْرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَهُوَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ مَعْلُولٌ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ عِلَلِهِ ، وَالْفِعْلُ الْمُرَادُ تُوجِبُهُ الْعِلَلُ ، وَلَا يُمْكِنُ أَلَّا يَكُونَ . وَلَكِنَّ هَذَا الِاخْتِيَارَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَبْتَهِجَ بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يُنْظُرُ إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ. فَإِنْ أَدَّيْتَ حَقَّ هَذَا الْمَوْطِنِ ، وَقُلْتَ : أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ كَانَا مُسْتَوَيَيْنِ ، وَأَنِّي اخْتَرْتُ الْفِعْلَ ، فَكَانَ الِاخْتِيَارُ عِلَّةً لِفِعْلِهِ ، صَدَقْتَ ، وَبَرَرْتَ . فَأَخْبَرَتِ الشَّرَائِعُ الْإِلَهِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ الْمُتَشَبِّحَةِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية