الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [الأعراف : 193] . أي : دعاؤكم لهم عند الشدائد ، وعلمه سواء ، لا فرق بينهما ؛ لأنهم لا ينفعون ، ولا يضرون ، ولا يسمعون ، ولا يجيبون .

وقال تعالى : إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم [الأعراف : 194] أخبرهم سبحانه بأن هؤلاء الذين جعلتموهم آلهة هم عباد الله كما أنتم عباد له .

مع أنكم أكمل منهم ؛ لأنكم أحياء تنطقون ، وتمشون ، وتسمعون ، وتبصرون .

وهذه الأصنام ليست كذلك، ولكنها مثلكم في كونها مملوكة لله ، مسخرة لأمره .

وهذا تقريع لهم بالغ ، وتوبيخ لهم عظيم .

قال مقاتل : إنها الملائكة ، والخطاب مع قوم كانوا يعبدونها .

والأول أولى .

وإنما وصفها بأنها عباده ، مع أنها جمادات ؛ تنزيلا لها منزلة العقلاء على وفق معتقدهم .

ولذلك قال: فادعوهم فليستجيبوا لكم ، وهذا اللفظ ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين .

إن كنتم صادقين [الأعراف : 194] فيما تدعونه لهم من قدرتهم على النفع ، والضرر ، وأنها آلهة .

ثم بين غاية عجزهم ، وفضل عابديهم عليهم ، فقال : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا [الأعراف : 195] . [ ص: 252 ]

الاستفهام للتقريع ، والتوبيخ .

أي : هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء ليس لهم شيء من الآلات التي هي ثابتة لكم ، فضلا عن أن يكونوا قادرين على ما تطلبونه منهم .

فإنكم كما ترون هذه الأصنام التي تعكفون على عبادتها ليست لهم أرجل يمشون بها إلى نفع أنفسهم ، فضلا عن أن يمشوا في نفعكم ، وليس لهم أيد يبطشون بها كما يبطش غيرهم من الأحياء ، وليس لهم أعين يبصرون بها كما تبصرون ، وليس لهم آذان يسمعون بها كما تسمعون ، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من سلب الأدوات ، وبهذه المنزلة من العجز ؟

وما أحسن ما قيل:


كافران ازبت بيجان جه تمتع داريد بارى آن بت بيرستيدكه جاني دارد

قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ، وليس بعد هذا التحدي لهم ، والتعجيز لأصنامهم شيء .

وقال تعالى : والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون [الأعراف : 197] .

فيه إهانة للمشركين ، والتنقص بهم ، وإظهار سخف عقولهم ، وركاكة أحلامهم .

وقال سبحانه : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس [التوبة : 28] .

أي : ذوو نجاسة ؛ لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجاسة .

وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة والقذر ، لخبث باطنهم ؛ مبالغة في وصفهم .

قال ابن عباس : أعيانهم نجسة ؛ كالكلاب ، والخنازير .

وقال قتادة ، ومعمر ، وغيرهما : وصفوا بذلك ؛ لأنهم لا يتطهرون ، ولا يغتسلون ، ولا يجتنبون النجاسات ، فهي ملابسة لهم . [ ص: 253 ]

قيل : أراد بالمشركين عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار .

وقيل : بل جميع أصنافهم ؛ من اليهود والنصارى ، وغيرهم .

قال بعض الظاهرية : إن المشرك نجس الذات ؛ استدلالا بهذه الآية .

وروي عن الحسن ، وابن عباس ، وابن صالح : من مس مشركا ، فليتوضأ .

وذهب الجمهور من السلف ، والخلف ، ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات ؛ لأن الله سبحانه أحل طعامهم .

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من فعله ، وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم ، فأكل في آنيتهم ، وشرب منها ، وتوضأ فيها ، وأنزلهم في مسجده ، وهو الحق .

فلا يقربوا المسجد الحرام نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم .

وهذا النهي راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك. قاله أبو السعود .

فهو من باب قولهم : لا أرينك هاهنا .

والمراد بالمسجد الحرام : جميع الحرم ، أو المسجد نفسه .

وأما غيره من المساجد : فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد .

وقال الشافعي : لا يمنع من دخول غير المسجد الحرام ، وهذا أولى .

التالي السابق


الخدمات العلمية