الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الشرك في الإرادات ، والنيات

وأما الشرك في الإرادات ، والنيات ، فذلك البحر الذي لا ساحل له ، وقل من ينجو منه .

فمن نوى بعمله غير وجه الله تعالى ، فلم يقم بحقيقة قوله : إياك نعبد ، فإن : إياك نعبد هي الحنيفية ملة إبراهيم -عليه السلام - التي أمر الله بها عباده كلهم ، ولا يقبل من أحد غيرها ، وهي حقيقة الإسلام .

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين [آل عمران : 85] .

استمسك بهذا الأصل ، ورد ما أخرجه المبتدعة والمشركون إليه ، يتحقق لك معنى الكلمة الإلهية .

فإن قيل: إن المشرك إنما قصد بذلك تعظيم جناب الله تعالى ، وأنه سبحانه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء وكحال الملوك ، والرؤساء ، الأغنياء .

فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الربوبية ، بل إنما قصد تعظيمه ، وقال : [ ص: 303 ] إنما أعبد هؤلاء الوسائط ؛ ليقربوني إلى الله ، ويدخلوني عليه ، فهو الغاية ، وهذه هي الوسائل .

فلم كان هذا القدر موجبا لسخط الله تعالى ، وغضبه ، ومخلدا في النار ، وموجبا لسفك دماء أصحابه ، واستباحة حريمهم وأموالهم ؟

وهل يجوز في العقل أن يشرع الله تعالى لعباده التقرب إليه بالشفعاء ، والوسائط ، فيكون تحريم هذا إنما استفيد بالشرع فقط ؟ أم ذلك قبيح في الشرع ، والعقل معا ؛ إذ العقل يمتنع أن يأتي بشريعة من الشرائع ؟

وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب كما قال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [النساء : 48] .

قلنا : الشرك شركان :

1-شرك يتعلق بذات المعبود ، وأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله .

3-وشرك في عبادته ، ومعاملته ، -وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته - .

وأما الشرك الثاني ، فهو الذي فرغنا من الكلام فيه ، وأشرنا إليه الآن ، ونشبع الكلام فيه -إن شاء الله تعالى -

وأما الشرك الأول ، فهو نوعان .

أحدهما : شرك التعطيل : وهو أقبح أنواع الشرك ؛ كشرك فرعون في قوله : وما رب العالمين [الشعراء : 23] ، وقوله لـ «هامان » : فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين [القصص : 38] .

والشرك ، والتعطيل متلازمان .

فكل مشرك معطل ، وكل معطل مشرك .

لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل ، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه ، وصفاته ، ولكنه معطل حق التوحيد . [ ص: 304 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية