الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى رَدِّ الْإِشْرَاكِ فِي الْعِلْمِ ، مَا رُوِيَ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، قَالَتْ : جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي ، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَّاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ ، وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ «بَدْرٍ » . إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ : وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ . فَقَالَ : «دَعِي هَذِهِ» ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ كَذَا فِي بَابِ : إِعْلَانِ النِّكَاحِ مِنَ «الْمِشْكَاةِ » . قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ فِي «الْمِرْقَاةِ » إِنَّمَا مَنَعَ ؛ لِقَوْلِهَا : وَفِينَا نَبِيٌّ . . . إِلَخْ ؛ لِكَرَاهَةِ نِسْبَةِ عِلْمِ الْغَيْبِ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ . وَإِنَّمَا يَعْلَمُ الرُّسُلُ مِنَ الْغَيْبِ مَا أَخْبَرُوا مُعْجِزَةً لَهُمْ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ الرُّبَيِّعَ كَانَتِ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْسِهَا ، وَجَلَسَ عِنْدَهَا ، وَكَانَتْ لِلْأَنْصَارِ جِوَارٍ أَخَذْنَ فِي الْغِنَاءِ : فَقُلْنَ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْأَمْرَ الْمُسْتَقْبَلَ ، فَمَنَعَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُلْنَ هَذَا ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَقُلْنَ الْقَوْلَ السَّابِقَ . فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنْ لَا يَنْبَغِيَ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَالْأَئِمَّةِ وَالشُّهَدَاءِ ، وَغَيْرِهِمْ ، أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ، وَيُدْرِكُونَ مَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَ غَدٍ . بَلْ لَا يَحْسُنُ هَذِهِ الْعَقِيدَةُ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي هُوَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَمْدَحَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاءُ الَّذِينَ يُبَالِغُونَ فِي مَدَائِحِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، وَأَهْلِ الْكَرَامَةِ وَالشُّيُوخِ ، وَالْأَسَاتِذَةِ ، وَالْمُلُوكِ ، وَيَأْتُونَ بِإِطْرَاءٍ فِيهِمْ ، وَيَتَجَاوَزُونَ الْحُدُودَ ، فَيَصِفُونَهُمْ بِأَوْصَافٍ لَا تَلِيقُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ وَالْإِغْرَاقَ يَجُوزُ فِي الشِّعْرِ . فَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلَاتِ ، وَأَسْوَأِ الْمَقَالَاتِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجِزْ مِثْلَ هَذَا الْمَدْحِ فِي شِعْرِ الْجُوَيْرِيَّاتِ الْأَنْصَارِيَّةِ لَهُ . فَأَيُّ عَاقِلٍ يَرْضَى بِأَنْ يَسْمَعَ مِثْلَ هَذَا النَّظْمِ ، أَوْ يَكْتُبَهُ فِي بَيَاضِهِ وَدِيوَانِهِ ، أَوْ يَنْشُدَهُ فِي مَجَالِسِهِ وَيَتَوَاجَدَ عَلَيْهِ ؟ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ، قَالَتْ : مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ، فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ . وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْخَمْسِ هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ لُقْمَانَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْمَعْنَى : أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمَغِيبَةِ دَاخِلٌ فِي هَذِهِ الْخَمْسِ . فَمَنْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْلَمُ هَذِهِ الْخَمْسَ الَّتِي شَمِلَتْ كُلَّ أَمْرٍ غَيْبِيٍّ ، فَقَدْ أَتَى بِالْفِرْيَةِ الْعُظْمَى . فَكَيْفَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا فِي حَقِّ إِمَامٍ ، أَوْ كَرِيمٍ ، وَيَقُولُ : إِنَّ الرَّسُولَ إِنَّمَا أَبَى عَنْهُ أَدَبًا بِالشَّرِيعَةِ ؟ . فَإِنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ أَكْذَبُ الْقَائِلِينَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ -كَائِنًا مَا كَانَ ، وَفِي أَيِّ شَأْنٍ - إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ لَا أَدْرِي ، وَاللَّهِ لَا أَدْرِي ، وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ ، مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . كَذَا فِي بَابِ : الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ مِنَ «الْمِشْكَاةِ » . وَقَالَ تَعَالَى : قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الْأَحْقَافِ : 9] . نَقَلَ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ فِي «الْمِرْقَاةِ » عَنِ الطِّيبِيِّ وُجُوهًا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ . ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْيَ عِلْمِ الْغَيْبِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَّلِعٍ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِفٍ وَلَا مُطَّلِعٍ عَلَى الْمُقَدَّرِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، وَالْمَكْنُونِ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ غَيْرِهِ . لَا أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي أَمْرِهِ ، غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ بِنَجَاتِهِ ؛ لِمَا صَحَّ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. انْتَهَى . قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ مُعَامَلَةَ اللَّهِ بِعِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَفِي الْقَبْرِ ، وَفِي الْآخِرَةِ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، لَا النَّبِيُّ ، وَلَا الْوَلِيُّ ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفْسِهِ ، وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ . وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ بَعْضَ الْمَقْبُولِينَ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ عَاقِبَةَ فُلَانٍ بِخَيْرٍ أَوْ بِسُوءٍ ، فَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَلٌ . وَالْعِلْمُ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، وَدَرْكِ تَفْصِيلِهِ خَارِجٌ عَنْ دَائِرَةِ قُدْرَتِهِمْ . قَالَ فِي «فَتْحِ الْبَيَانِ » فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ : أَيْ : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي : فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمَانِ ، هَلْ أَبْقَى فِي مَكَّةَ ، أَوْ أَخْرُجُ مِنْهَا ؟ وَهَلْ أَمُوتُ ، أَوْ أُقْتَلُ كَمَا فُعِلَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي ؟ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِكُمْ ، يَعْنِي : هَلْ تُعَجَّلُ لَكُمُ الْعُقُوبَةُ ؛ كَالْمُكَذِّبِينَ قَبْلَكُمْ ، أَمْ تُمْهَلُونَ ؟ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا . وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ وَأُمَّتُهُ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ فِي النَّارِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية