الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَخِلْطَةُ الْجِوَارِ كَخِلْطَةِ الشُّيُوعِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُرِيحَا مَعًا وَيَسْقِيَا مَعًا وَيَحْلِبَا مَعًا وَيَسْرَحَا مَعًا وَيَكُونُ الْمَرْعَى مَعًا وَيَكُونُ إِنْزَاءُ الْفَحْلِ مَعًا . وَأَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَلَا حُكْمَ لِلْخِلْطَةِ مَعَ الذِّمِّيِّ وَالْمُكَاتَبِ . فَصْلٌ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْخَلِيطَيْنِ قَدْ يَقْتَضِي التَّرَاجُعُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ يَقْتَضِي رُجُوعُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ دُونَ الْآخَرِ، ثُمَّ الرُّجُوعُ وَالتَّرَاجُعُ يَكْثُرَانِ فِي خِلْطَةِ الْجِوَارِ؛ فَتَارَةً يُمْكِنُ السَّاعِيُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصِيبِ كَلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ وَتَارَةً لَا يُمْكِنُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ فَرْضَ الْجَمِيعَ مِنْ نَصِيبِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ سِنَّ الْفَرْضِ إِلَّا فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَخَذَهُ، أَمَّا إِذَا أَمْكَنَهُ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْجُمْهُورُ: يَأْخُذُ مَنْ جَنْبَ الْمَالِ مَا اتَّفَقَ وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ، بَلْ لَوْ أَخَذَ مَنْ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَخُصُّهُ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ثَبَتَ التَّرَاجُعُ؛ لِأَنَّ الْمَالَيْنِ لِوَاحِدٍ، وَنَقَلَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي مَنْصُوصَاتِ الشَّافِعِيِّ: لَوْ كَانَتْ غَنَمَاهُمَا سَوَاءً وَوَاجِبُهَا شَاتَانِ، فَأَخَذَ مِنْ غَنَمِ كُلِّ وَاحِدٍ شَاةً، وَكَانَتْ قِيمَةُ الشَّاتَيْنِ مُخْتَلِفَةً لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا مَا عَلَيْهِ فِي غَنَمِهِ لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً اهـ . وَلَوْ ظَلَمَ السَّاعِيُ فَأَخَذَ مِنْ أَحَدِ الْخَلِيطَيْنِ شَاتَيْنِ وَالْوَاجِبُ شَاةٌ أَوْ أَخَذَ مَاخِضًا أَوْ رُبَّى رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَاجِبِ لَا قِيمَةَ الْمَأْخُوذِ، وَيَرْجِعُ الْمَظْلُومُ عَلَى الظَّالِمِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ بَاقِيًا فِي يَدِ السَّاعِي اسْتَرَدَّهُ، وَإِلَّا اسْتَرَدَّ الْفَضْلَ، وَالْفَرْضُ سَاقِطٌ، وَلَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ فِي الزَّكَاةِ أَوْ أَخَذَ مِنَ السِّخَالِ كَبِيرَةً رَجَعَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَأَمَّا خِلْطَةُ الِاشْتِرَاكِ فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ فَأَخَذَهُ السَّاعِي مِنْهُ فَلَا تَرَاجُعَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ كَالشَّاةِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ رَجَعَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَشْرَةٌ فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةِ شَاةً تَرَاجُعًا، فَإِنْ تَسَاوَتِ الْقِيمَتَانِ خَرَّجَ عَلَى أَقْوَالِ التَّقَاصِّ وَحَتَّى ثَبَتَ الرُّجُوعُ وَتَنَازَعَا فِي قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي مِلْكِ الْوَاحِدِ مَاشِيَةٌ مُخْتَلِطَةٌ وَغَيْرُ مُخْتَلِطَةٍ مِنْ جِنْسِهَا بِأَنْ مَلَكَ سِتِّينَ شَاةً خَالَطَ بِعِشْرِينَ مِنْهَا عِشْرِينَ لِغَيْرِهِ خِلْطَةَ جِوَارٍ أَوْ شُيُوعٍ وَانْفَرَدَ بِالْأَرْبَعِينَ، فَكَيْفَ يُزَكِّيَانِ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّ الْخِلْطَةَ خِلْطَةُ مِلْكٍ؛ أَيْ: كُلُّ مَا فِي مِلْكِهِ يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْخِلْطَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَقَ وَالْأَكْثَرُونَ، فَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَيْهِمَا شَاةٌ، ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ، وَرُبُعُهَا عَلَى صَاحِبِ الْعِشْرِينَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْخِلْطَةَ خِلْطَةُ عَيْنٍ، أَيْ: يَقْصُرُ حُكْمَهَا عَلَى الْمَخْلُوطِ، فَعَلَى صَاحِبِ الْعِشْرِينَ نِصْفُ شَاةٍ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي صَاحِبِ السِّتِّينَ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ يَلْزَمُهُ شَاةٌ، وَالثَّانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ كَمَا لَوْ خَالَطَ بِالْجَمِيعِ، وَالثَّالِثُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَاةٍ وَنِصْفُ سُدُسٍ يَخُصُّ الْأَرْبَعِينَ، مِنْهَا ثُلْثَانِ كَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِجَمِيعِ السِّتِّينَ، وَيَخُصُّ الْعِشْرِينَ رُبْعُ شَاةٍ كَأَنَّهُ خَالَطَ بِالْجَمِيعِ، وَالرَّابِعُ شَاةٌ وَسُدُسٌ يَخُصُّ الْأَرْبَعِينَ ثُلْثَانِ وَالْعِشْرِينَ نِصْفٌ، وَالْخَامِسُ شَاةٌ وَنِصْفٌ كَأَنَّهُ انْفَرَدَ بِأَرْبَعِينَ وَخَالَطَهُ بِعِشْرِينَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ، أَمَّا إِذَا خَلَطَ عِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِغَيْرِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُونَ مُنْفَرِدَةً فَفِي وَاجِبِهَا الْقَوْلَانِ: إِنْ قُلْنَا: خِلْطَتُهُمَا خِلْطَةُ مِلْكٍ فَعَلَيْهِمَا شَاةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ قُلْنَا: خِلْطَةُ عَيْنٍ فَسَبْعَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ تَغْلِيبًا لِلِانْفِرَادِ، وَالثَّانِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ شَاةٍ، وَالثَّالِثُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ شَاةٍ، وَالرَّابِعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ وَنِصْفُ سُدُسٍ، وَالْخَامِسُ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ، وَالسَّادِسُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ وَسُدُسُ، وَالسَّابِعُ عَلَى وَاحِدِ شَاةٌ وَنِصْفٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَرْبَعُونَ الْمُنْفَرِدَةُ فِي بَلَدِ الْمَالِ الْمُخْتَلِطَةِ أَمْ فِي غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية