الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومماليكه وأولاده وكل قريب هو في نفقته ، أعني من تجب عليه نفقته من الآباء والأمهات والأولاد

التالي السابق


ثم قال المصنف: (ومماليكه) أي: تجب على الرجل فطرة عبيده الذين ملكهم، (وأولاده) صغارا كانوا أو كبارا تجب نفقتهم، (وكل قريب هو في نفقته، أعني من تجب عليه نفقته من الآباء والأمهات والأولاد) ، قال في الروضة: الفطرة قد يؤديها عن نفسه، وقد يؤديها عن غيره، وجهات التحمل ثلاث: الملك، والنكاح، والقرابة. وكلها تقتضي وجوب الفطرة في الجملة؛ فمن لزمته نفقته بسبب منها لزمته فطرة المنفق عليه، ولكن يشترط في ذلك أمور ويستثنى منها صور، منها متفق عليه ومنها مختلف فيه؛ فمن المستثنى أن الابن تلزمه نفقة زوجة أبيه تفريعا على المذهب في وجوب الإعفاف، وفي وجوب فطرتها عليه وجهان؛ أصحهما عند المصنف وطائفة: وجوبها، وأصحهما عند صاحب التهذيب والعدة وغيرهما: لا تجب، والثاني هو الأصح. وجزم الرافعي بصحته في المحرر، ويجري الوجهان في فطرة مستولدته، ثم من عدا الأصول والفروع من الأقارب كالإخوة والأعمام لا تجب فطرتهم، كما لا تجب نفقتهم، وأما الأصول والفروع إن كانوا موسرين لم تجب نفقتهم وإلا فكل من جمع منهم إلى الإعسار الصغر أو الجنون أو الزمانة وجبت نفقته، ومن تجرد في حقه الإعسار ففي نفقته قولان، ومنهم من قطع بالوجوب في الأصول، وحكم الفطرة حكم النفقة اتفاقا واختلافا إذا ثبت هذا، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه فوجد قوته ليلة العيد ويومه فقط لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته، ولا على الابن لإعساره، وإن كان الابن صغيرا، والمسألة بحالها ففي سقوط الفطرة الواجبة على الغير ،هل تلاقي المؤدى عنه ثم يتحمل عنه المؤدي، أم تجب على المؤدي ابتداء؟ فيه خلاف، يقال: وجهان؛ ويقال: قولان مخرجان، أصحهما: الأول، ثم الأكثرون طردوا الخلاف في كل مؤد عن غيره من الزوج والسيد والقريب، قال الإمام وطوائف من المحققين: هذا الخلاف في فطرة الزوجة فقط، أما فطرة المملوك والقريب فتجب على المؤدي ابتداء قطعا؛ لأن المؤدى عنه لا يصلح للإيجاب لعجزه، فلو كان الزوج معسرا أو الزوجة أمة أو حرة موسرة، فطريقان أصحهما فيهما قولان؛ بناء على الأصل المذكور، إن قلنا الوجوب يلاقي المؤدي عنه أولا وجبت الفطرة على الحرة وسيد الأمة، وإلا فلا تجب على أحد، والطريق الثاني: تجب على سيد الأمة ولا تجب على الحرة، وهو المنصوص، والفرق كمال تسليم الحرة نفسها بخلاف الأمة، قلت: أوجبت الحنابلة على الحرة فطرة نفسها في هذه الصورة. اهـ .

أما إذا نشزت فتسقط فطرتها عن الزوج قطعا .

قلت: وقال أبو الخطاب الحنبلي: لو نشزت وقت الوجوب لا تسقط فطرتها ا ه .

قال الإمام: والوجه عندي القطع بإيجاب الفطرة عليها، وإن قلنا: لا يلاقيها الوجوب لأنها بالنشوز خرجت عن مكان التحمل، ولو كان زوج الأمة موسرا، ففطرتها كنفقتها، وأما خادم الزوجة فإن كانت مستأجرة؛ أي: بغير المؤنة لم تجب فطرتها، وإن كانت من إماء الزوجة والزوج ينفق عليها لزمه فطرتها لأنه يمونه. نص عليه الشافعي، وتجب فطرة الرجعية كنفقتها، وأما البائن فإن كانت حائلا فلا فطرة كما لا نفقة، وإن كانت [ ص: 63 ] حاملا فطريقان، أحدهما: تجب كالنفقة، وهذا هو الراجح عند الشيخ أبي علي والإمام والمصنف .

والثاني: وبه قطع الأكثرون أن وجوب الفطرة مبني على الخلاف في أن النفقة للحامل أم للحمل؟ إن قلنا بالأول وجبت، وإلا فلا؛ لأن الجنين لا تجب فطرته. هذا إذا كانت الزوجة حرة، فإن كانت أمة ففطرتها بالاتفاق مبنية على ذلك الخلاف، ولا تجب على المسلم فطرة عبده ولا زوجته ولا قريبه الكفار. اهـ .

وقد لخصته من فروع ثلاثة، وقال أصحابنا الحنفية: يخرج عن نفسه وعن ولده الصغير إن كان فقيرا؛ لأنه إذا كان له مال يجب من ماله عندهما، خلافا لمحمد، هو يقول: إنها عبادة فلا تجب على الصغير، وهما يقولان: فيها معنى المؤنة، بدليل أنه يتحملها عن الغير، وصارت كنفقة الأقارب بخلاف الزكاة؛ لأنها عبادة محضة؛ ولهذا لا يتحملها أحد عن أحد، وعلى هذا الخلاف ولده المجنون الكبير لا عن ولده الكبير؛ لأنه لا يمونه ولا يلي عليه فانعدم السبب، وكذا إن كان في عياله لعدم الولاية عليه، ولو أدى عنه بغير أمره جاز استحسانا؛ لأنه مأذون فيه عادة، ولا يؤدي عن أجداده وجداته ونوافله؛ لأنهم ليسوا في معنى نفسه .

وقال في شرح التقريب في الصحيحين وغيرهما: في هذا الحديث زيادة، وهي: على الصغير والكبير، وذلك يقتضي إخراج زكاة الفطر عن الصغير الذي لم يبلغ أيضا، وهو كذلك. لكن هل هي في ماله إن كان له مال أو على أبيه؟ قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والجمهور: هي في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته من أب وغيره، وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقا، ولو كان للصغير مال لم تخرج منه، وقال ابن حزم الظاهري: هي في مال الصغير إن كان له مال، فإن لم يكن له شيء سقطت عنه، ولا تجب على أبيه، وحكى ابن المنذر الإجماع على خلافه، قال أصحابنا: ولا تختص ذلك بالصغير، بل متى وجبت نفقة لكبير لزمانة ونحوها وجبت فطرته، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه فوجد قوته ليلة العيد ويومه لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته عنه في وقت الوجوب ولا على الابن لإعساره، وكذا الابن الصغير إذا كان كذلك على الأصح .



(تنبيه)

استدل ابن حزم الظاهري بالرواية التي فيها ذكر الصغير على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أمه، فقال: والجنين يطلق عليه اسم صغير، فإذا كمل مائة وعشرين يوما في بطن أمه قبل انصداع الفجر من ليلة الفطر وجب أن يؤدى عنه صدقة الفطر، ثم استدل بحديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين: يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه، وفيه: ثم ينفخ فيه الروح، ثم قال: هو قبل ما ذكرنا موات فلا حكم على ميت، وأما إذا كان حيا فكل حكم وجب على الصغير فهو واجب عليه، ثم ذكر من رواية بكر بن عبد الله المزني وقتادة: أن عثمان رضي الله عنه كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير، وعن الحمل في بطن أمه، وعن أبي قلابة قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير، حتى الحمل في بطن أمه، قال: وأبو قلابة أدرك الصحابة وصحبهم، وروى عنهم، وعن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل أيزكى عنه؟ قال: نعم، قال: ولا يعرف لعثمان في هذا مخالف عن الصحابة اهـ .

قال العراقي في شرح الترمذي بعد أن نقل هذا الكلام عنه: واستدلاله بما استدل به على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أمه في غاية العجب، أما قوله: على الصغير والكبير فلا يفهمه عاقل منهم إلا الموجودين في الدنيا، أما المعدوم فلا نعلم أحدا أوجب عليه .

وأما حديث ابن مسعود فلا يطلع على ما في الرحم إلا الله تعالى؛ كما قال: ويعلم ما في الأرحام وربما يظن حملها وليس بحمل، وقد قال إمام الحرمين: لا خلاف في أن الحمل لا يعلم، وإنما الخلاف في أنه يعامل معاملة المعدوم بمعنى أنه يؤخر له ميراث لاحتمال وجوده.


ولم يختلف العلماء في أن الحمل لا يملك شيئا في بطن أمه، ولا يحكم على المعدوم حتى يظهر وجوده، قال: وأما استدلاله بما ذكر عن عثمان وغيره فلا حجة فيه؛ لأن أثر عثمان منقطع؛ فإن بكرا وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلة، والعجب أنه لا يحتج بالموقوفات ولو كانت صحيحة متصلة، وأما أثر أبي قلابة فمن الذين كان يعجبهم ذلك؟ وهو لو سمى جمعا من الصحابة لما كان ذلك حجة، وأما سليمان بن [ ص: 64 ] يسار فلم يثبت عنه؛ فإنه من رواية رجل لم يسم عنه، فلم يثبت فيه خلاف لأحد من أهل العلم، بل قول أبي قلابة: كان يعجبهم. ظاهر في عدم وجوبه، ومن تبرع بصدقة عن حمل رجاء حفظه وسلامته فليس عليه بأس، وقد نقل الاتفاق على عدم الوجوب قبل مخالفة ابن حزم، فقال ابن المنذر: ذكر كل من يحفظه عنه من علماء الأمصار أنه لا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه، ومن حفظ ذلك عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو ثور ومالك وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يستحب ذلك ولا يوجبه، ولا يصح عن عثمان خلاف ما قلناه اهـ .

وعن أحمد بن حنبل رواية أخرى بوجوب إخراجها عن الجنين، وقال ابن عبد البر في التمهيد فيمن ولد له مولود بعد يوم الفطر: لم يختلف قول مالك أنه لا يلزمه فيه شيء، قال: وهذا إجماع منه ومن سائر العلماء أشار إلى أن ما ذكر عن مالك وعن غيره من الإخراج عمن ولد في بقية يوم الفطر محمول على الاستحباب، وكذا ما حكاه عن الليث فيمن ولد له مولود بعد صلاة الفطر أن على أبيه زكاة الفطر عنه، قال: وأحب ذلك للنصراني يسلم ذلك الوقت، ولا أراه واجبا عليه .

قال العراقي: فقد صرح الليث بعدم وجوبه، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدا؛ لأنه يمتد وقت إخراجها إلى آخر يوم الفطر قياسا على الصلاة يدرك وقت أدائها، ثم قال العراقي: ومع كون ابن حزم قد خالف الإجماع في وجوبها على الجنين فقد تناقض كلامه، فقال: إن الصغير لا يجب على أبيه زكاة الفطر عنه، إلا أن يكون له مال فيخرج عنه من ماله، فإن لم يكن له مال لم تجب عليه حينئذ ولا بعد ذلك؛ فكيف لا يوجب زكاته على أبيه والولد حي موجود ويوجبها وهو معدوم ولم يوجد؟! (فإن قلت) : يحمل كلامه على ما إذا كان للحمل مال، قلت: كيف يمكن أن يكون له مال، وهو لا يصح تملكيه، ولو مات من يرثه الحمل لم يملكه وهو جنين؟! فلا يوصف بالملك إلا بعد أن يولد، وكذلك النفقة، الصحيح أنها تجب للأم الحامل لا للحمل، ولو كان للحمل لسقطت بمضي الزمان كنفقة القريب وهي لا تسقط. اهـ. كلام العراقي قال: ولده الولي، قال أصحابنا: فلو خرج بعض الجنين قبل الغروب ليلة الفطر وبعضه بعده لم تجب فطرته؛ لأنه في حكم الجنين ما لم يكمل خروجه منفصلا، والله أعلم. اهـ .




الخدمات العلمية