الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين النَّوْعُ السَّادِسُ فِي : صَدَقَةُ الْفِطْرِ . إتحاف السادة المتقين (النَّوْعُ السَّادِسُ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ) وَيُقَالُ: زَكَاةُ الْفُطْرَةِ، وَهَكَذَا عَبَّرَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ، وَيُقَالُ أَيْضًا: زَكَاةُ الْفِطْرَةِ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفِي آخِرِهَا تَاءٌ كَأَنَّهَا مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: بِضَمِّ الْفَاءِ، وَاسْتَغْرَبَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْخِلْقَةِ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَتَنْمِيَةً لِعَمَلِهَا. قَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ: زَكَاةُ الْفِطْرِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ كَسَجْدَةِ السَّهْوِ لِلصَّلَاةِ، تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ كَمَا يَجْبُرُ السُّجُودُ نُقْصَانَ الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: يُقَالُ لِلْمُخْرِجِ: فِطْرَةٌ، بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ . كَذَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، وَفِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا: بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، هَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَمُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، وَالْكَنْزِ، وَالْمُخْتَارِ، وَالْمَجْمَعِ، وَوَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ وَالنُّقَايَةِ وَالْإِصْلَاحِ وَالدُّرَرِ: بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرَةِ بِزِيَادَةِ التَّاءِ فِي آخِرِهِ، وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ، وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الْفِطْرُ لَفْظٌ إِسْلَامِيٍّ، اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، كَأَنَّهُ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ فِي النُّفُوسِ وَالْخِلْقَةِ. اهـ . يَعْنِي أَنَّهَا كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ، بَلْ هِيَ اصْطِلَاحٌ لِلْفُقَهَاءِ، فَتَكُونُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً، وَوَقَعَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهَا عَرَبِيَّةٌ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَجَلَبَ عَلَيْهِ النَّكِيرَ، وَقَدْ تَعَرَّضْتُ لَهُ فِي شَرْحِي عَلَى الْقَامُوسِ، وَأَجَبْتُ عَنْ سَبَبِ خَلْطِهِ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةِ بِالْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ فِي كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّهُ، ثُمَّ فِي إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا الْبَابِ هُنَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَالَفَ هَذَا التَّرْتِيبَ فَذَكَرَهُ عَقِبَ الصَّوْمِ، اعْتِبَارًا لِتَرْتِيبِهِ الطَّبِيعِيِّ؛ إِذْ هِيَ تَكُونُ عَقِبَ الصَّوْمِ، وَهُوَ مَلْحَظُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَلَكِنْ ذِكْرُ هَذَا الْبَابِ هُنَا أَوْلَى؛ إِذْ هِيَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ كَالزَّكَاةِ، قَالَ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ: فَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مُنَاسِبَةٌ بِالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، أَمَّا بِالزَّكَاةِ فَلِأَنَّهَا مِنَ الْوَظَائِفِ الْمَالِيَّةِ مَعَ انْحِطَاطِ دَرَجَتِهَا عَنِ الزَّكَاةِ، وَأَمَّا بِالصَّوْمِ فَبِاعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ، فَإِنَّ شَرْطَهَا الْفِطْرُ، وَهُوَ بَعْدَ الصَّوْمِ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَإِنَّمَا رُجِّحَ هَذَا التَّرْتِيبُ لِمَكَانِ الْمَقْصُودِ هُوَ الْمُضَافُ لَا الْمُضَافُ إِلَيْهِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ مُضَافًا إِلَى شَرْطِهِ، وَالصَّدَقَةُ عَطِيَّةٌ يُرَادُ بِهَا الْمَثُوبَةُ مِنَ اللَّهِ، سُمِّيَتْ بِهَا؛ لِأَنَّ بِهَا يَظْهَرُ صِدْقُ الرَّغْبَةِ فِي تِلْكَ الْمَثُوبَةِ، كَالصَّدَاقِ تَظْهَرُ بِهِ رَغْبَةُ الرَّجُلِ فِي الْمَرْأَةِ اهـ . قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَتْ دَرَجَةُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ مُنْحَطَّةً عَنْ دَرَجَةِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَثْبُتُ بِالْكِتَابِ؛ فَصَدَقَةُ الْفِطْرِ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ، فَمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ أَعْلَى دَرَجَةً مِمَّا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَقَوْلُهُ: مُضَافًا إِلَى شَرْطِهِ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى شَرْطِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْفِطْرَةَ لَيْسَ سَبَبًا؛ وَلِذَا ذَكَرَ الْحَدَّادِيُّ فِي الْجَوْهَرَةِ الْقَوْلَ الثَّانِي بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ؛ حَيْثُ قَالَ: مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى شَرْطِهِ كَمَا فِي حُجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى سَبَبِهِ كَمَا فِي حَجِّ الْبَيْتِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ: وَهُوَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ الرَّأْسُ بِدَلِيلِ التَّعَدُّدِ بِتَعَدُّدِ الرَّأْسِ، وَجَعَلُوهَا فِي الْأُصُولِ عِبَادَةً فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ الْغَيْرِ كَمَا تَجِبُ مُؤْنَتُهُ؛ وَلِذَا لَمْ يُشْتَرَطُ لَهَا كَمَالُ الْأَهْلِيَّةِ، فَوَجَبَتْ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، انْتَهَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية