الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين أَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمَا إِذَا قَبَضَ وَلِيَهُمَّا إتحاف السادة المتقين (أَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمَا إِذَا قَبَضَ عَنْهُمَا وَلِيَهُمَّا) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا فَقِيرَيْنِ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ دَفَعَهَا إِلَى الصَّبِيِّ الْفَقِيرِ غَيْرِ الْعَاقِلِ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ دَفْعَهَا الصَّبِيُّ إِلَى أَبِيهِ، قَالُوا: كَمَا لَوْ وَضَعَ زَكَاتَهُ عَلَى دُكَّانٍ فَجَاءَ الْفَقِيرُ وَقَبَضَهَا، لَا يَجُوزُ، فَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ أَنْ يَقْبِضَهَا لَهُمَا الْأَبُ أَوِ الْوَصِيُّ أَوْ مَنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ مِنَ الْأَقَارِبِ أَوِ الْأَجَانِبِ الَّذِينَ يَعُولُونَهُ، فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُرَاهِقًا أَوْ يَعْقِلُ الْقَبْضَ بِأَنْ كَانَ لَا يُرَبَّى بِهِ وَلَا يُخْدَعُ عَنْهُ يَجُوزُ، وَلَوْ وَضَعَ الزَّكَاةِ عَلَى يَدِهِ فَانْتَهَبَهَا الْفُقَرَاءُ جَازَ، وَالدَّفْعُ إِلَى الْمَعْتُوهِ مُجْزِئٌ. وَبَقِيَتْ هُنَا مَسَائِلُ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهَا، فَمِنْهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى بِالزَّكَاةِ الْمَسْجِدُ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ شَرْطٌ فِيهَا وَلَمْ يُوجَدْ، وَكَذَا لَا تُبْنَى الْقَنَاطِرُ وَالسِّقَايَاتِ وَإِصْلَاحُ الطُّرُقَاتِ وَكَرْبُ الْأَنْهَارِ وَالْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَكُلُّ مَا لَمْ تَمْلِكْ فِيهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يُكَفَّنَ بِهَا مَيِّتٌ وَلَا يُقْضَى بِهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ؛ لِانْعِدَامِ رُكْنَهَا، وَهُوَ التَّمْلِيكُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، أَمَّا التَّكْفِينُ فَظَاهِرٌ لِاسْتِحَالَةِ تَمْلِيكِ الْمَيِّتِ؛ وَلِهَذَا لَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِكَفَنِهِ ثُمَّ أَخْرَجَتْهُ السِّبَاعُ وَأَكَلَتْهُ يَكُونُ الْكَفَنُ لِلْمُتَبَرِّعِ بِهِ لَا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا قَضَاءُ دَيْنِهِ فَإِنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ الْحَيِّ لَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ مِنَ الْمَدِينِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَصَادَقَا أَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يَسْتَرِدُّهُ الدَّافِعُ، وَلَيْسَ لِلْمَدِينِ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَذَكَرَ السُّرُوجِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ مُعْزِيًا إِلَى الْمُحِيطِ، وَالْمُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ بِأَمْرِهِ جَازَ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عَبْدًا فَيُعْتِقُ خِلَافًا لِمَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: تُعْتَقُ مِنْهَا الرَّقَبَةُ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْحِيلَةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنَّ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفَقِيرِ ثُمَّ يَأْمُرُهُ أَنَّ يَفْعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابَ الصَّدَقَةِ، وَيَحْصُلُ لِلْفَقِيرِ ثَوَابَ هَذِهِ الْقُرَبِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى أُصُولِهِ وَهُمُ الْأَبَوَانِ وَالْجُدُودُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَإِنْ عَلَوْا، وَلَا إِلَى فُرُوعِهِ وَإِنْ سَفُلُوا؛ لِأَنَّ بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ اتِّصَالًا فِي الْمَنَافِعِ لِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ مَا بَيْنَهُمْ عَادَةً، خِلَافًا لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ: مِنْ وَرَاءِ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ إِلَى بَنِي الْبَنِينَ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهِمْ عِنْدَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا دَفْعُهَا إِلَى زَوْجَتِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهَا دَفْعُهَا إِلَى زَوْجِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَرَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِهَا، فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَنْفَقْتَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حِجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حَاجَتُهَا مِثْلَ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْتُ: سَلْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ يُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا، قَالَ: فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَنْ هُمَا؟ قَالَ: زَيْنَبُ، قَالَ: أَيُّ الزَّيَانِبُ هِيَ؟ قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، يَكُونُ لَهَا أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ. وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَائِطَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَكَانَتِ امْرَأَةً صَنْعَاءَ، وَلَيْسَ لِابْنِ مَسْعُودٍ مَالٌ، فَكَانَتْ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ مِنْهَا، فَقَالَتْ: لَقَدْ شَغَلْتَنِي وَاللَّهِ أَنْتَ وَوَلَدُكَ عَنِ الصَّدَقَةِ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَصَدَّقَ مَعَكُمْ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ أَنْ تَفْعَلِي، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ وَهُوَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ ذَاتُ صَنْعَةٍ أَبِيعُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لِوَلَدِي وَلَا لِزَوْجِي شَيْءٌ، فَشَغَلُونِي فَلَا أَتَصَدَّقُ، فَهَلْ لِي فِيهِمْ أَجْرٌ؟ فَقَالَ: لَكَ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْفِقِي عَلَيْهِمْ. فَفِيهِ أَنَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ مِمَّا لَمْ تَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ، وَرَائِطَةٌ هَذِهِ هِيَ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ لَا نَعْلَمُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلَهَا: كُنْتُ امْرَأَةً صَنْعَاءَ، أَصْنَعُ بِيَدِي فَأَبِيعُ مِنْ ذَلِكَ، فَأُنْفِقَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَى وَلَدِهِ مِنِّي، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ زَكَاتِهَا، فَلَمَّا كَانَتْ مَا أَنْفَقَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَلَيْسَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَكَذَلِكَ مَا أَنْفَقَتْ عَلَى زَوْجِهَا لَيْسَ هُوَ أَيْضًا مِنَ الزَّكَاةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ: فَاتَتِ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحُلِيٍّ لَهَا، فَقَالَتْ: تَصَدَّقْ بِهَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا: تَصَدَّقِي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَبَنِيهِ، فَإِنَّهُمْ لَهُ مَوْضِعٌ، فَكَانَ ذَلِكَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ الْحُلِيِّ، وَذَلِكَ مِنَ التَّطَوُّعِ لَا مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُوجِبُ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا تُوجِبُ بِجُزْءٍ مِنْهُ، فَقَدْ بَطَلَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ يَكُونَ فِي حَدِيثِ زَيْنَبَ مَا يَدُلُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُعْطِي زَوْجَهَا مِنْ زَكَاةِ مَالِهَا إِذَا كَانَ فَقِيرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية