الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الصِّنْفُ الرَّابِعُ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ . عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُمُ الْأَشْرَافُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَهُمْ مُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ وَفِي إِعْطَائِهِمْ تَقْرِيرَهُمْ عَلَى ، الْإِسْلَامِ وَتَرْغِيبِ نَظَائِرِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ . إتحاف السادة المتقين ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (الصِّنْفُ الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الشَّرِيفُ) أَيْ: الرَّئِيسِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى الْبِضْعَةِ الطَّاهِرَةِ، فَإِنَّ هَذَا عُرْفٌ طَارِئٌ؛ وَلِذَا قَالَ: (الَّذِي أَسْلَمَ وَهُوَ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ) أَيْ: يُطِيعُهُ قَوْمُهُ فَيَأْتَمِرُونَ لِأَمْرِهِ وَيَنْتَهُونَ عِنْدَ وُقُوفِهِ، (وَفِي إِعْطَائِهِ) الصَّدَقَةَ (تَقْرِيرُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) وَإِثْبَاتُهُ عَلَيْهِ (وَ) قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْإِعْطَاءُ لِأَجْلِ (تَرْغِيبِ نَظَائِرِهِ وَأَتْبَاعِهِ) إِلَى الْإِسْلَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمٍ قَدْ أَسْلَمُوا وَهُمْ مُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ، وَفِي إِعْطَائِهِمْ تَقْرِيرُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتَرْغِيبُ نُظَرَائِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ضَرْبَانِ: كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ، فَالْكُفَّارُ قِسْمَانِ: قَسَمٌ يَمِيلُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيَرْغَبُونَ فِيهِ بِإِعْطَاءِ مَالٍ، وَقِسْمٌ يَخَافُ شَرَّهُمْ فَيَتَأْلَّفُونَ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، فَلَا يُعْطَى الْقِسْمَانِ مِنَ الزَّكَاةِ قَطْعًا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلِ: يُعْطَوْنَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعْطَوْنَ إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، وَأَمَّا مُؤَلَّفَةُ الْمُسْلِمِينَ فَأَصْنَافٌ: صِنْفٌ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَنِيَّتُهُمْ ضَعِيفَةٌ فَيَتَأْلَّفُونَ لِيَثْبُتُوا، وَآخِرُونَ لَهُمْ شَرَفٌ فِي قَوْمِهِمْ، يُطْلَبُ بِتَأْلُّفِهِمْ إِسْلَامُ نَظَائِرِهِمْ، وَفِي هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهُمْ لَا يُعْطَوْنَ، وَالثَّانِي يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَالثَّالِثُ مِنَ الزَّكَاةِ. وَصِنْفٌ يُرَادُ بِتَأْلُّفِهِمْ أَنْ يُجَاهِدُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ أَوْ مِنْ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَيَقْبِضُوا زَكَاتَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ يُعْطَوْنَ قَطْعًا، وَمِنْ أَيْنَ يُعْطَوْنَ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، أَحَدُهَا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَالثَّانِي مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ، وَالثَّالِثُ مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ، وَالرَّابِعُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ وَسَهْمِ الْغُزَاةِ، فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا الرَّابِعِ: يَجْمَعُ بَيْنَ السَّهْمَيْنِ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ إِنْ كَانَ التَّأَلُّفُ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ فَمِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ، وَإِنْ كَانَ لِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةَ فَمِنْ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ ذِي السَّهْمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَاكَ، وَرُبَّمَا قِيلَ: إِنْ شَاءَ جَمَعَ السَّهْمَيْنِ، وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ الْمُتَأَلِّفَ لِقِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَجَمْعِهَا يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِينَ، وَأَمَّا الْأَظْهَرُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْأَصْنَافِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأَكْثَرُونَ بَلْ أَرْسَلُوا الْخِلَافَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي طَائِفَةٍ: الْأَظْهَرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ، وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ لَا يُعْطَى الصِّنْفَانِ الْآخَرَانِ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ أَحَقُّ بِاسْمِ الْمُؤَلِّفَةِ مِنَ الْآخَرِينَ؛ لِأَنَّ فِي الْآخَرِينَ مَعْنَى الْغُزَاةِ الْعَامِلِينَ، وَعَلَى هَذَا فَيَسْقُطُ سَهْمُ الْمُؤَلِّفَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الرُّويَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ، لَكِنَّ الْمُوَافِقَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ثُمَّ لِسِيَاقِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ إِثْبَاتُ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ الصِّنْفَانِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْآخَرِينَ أَيْضًا، وَبِهِ أَفْتَى أَقَضَى الْقُضَاةُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ. اهـ . وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ هَذَا الصِّنْفَ إِمَّا كُفَّارٌ أَوْ مُسْلِمُونَ، وَالْكُفَّارُ إِمَّا يُرْجَى خَيْرُهُمْ أَوْ يُكْفَى شَرُّهُمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهِمْ، فَهَلْ يُعْطَوْنَ بَعْدَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: نَعَمْ، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: شُرَفَاءُ يُعْطَوْنَ لِيَرْغَبَ نُظَرَاؤُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَآخَرُونَ لِتَتَقَوَّى نِيَّاتُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهِمْ، فَهَلْ يُعْطَوْنَ بَعْدَهُ؟ قَوْلَانِ: أَحَدِهِمَا: لَا، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَعَلَى هَذَا فَمِنْ أَيْنَ يُعْطَوْنَ؟ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: مِنَ الزَّكَاةِ، وَالثَّانِي: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: قَوْمٌ مُسْلِمُونَ يَلِيهِمْ قَوْمٌ مِنَ الْكُفَّارِ إِنْ أُعْطُوا قَاتَلُوهُمْ، وَقَوْمٌ يَلِيهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ إِنْ أُعْطُوْا أَوْجَبُوا الصَّدَقَاتِ، فَعَنْهُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَالثَّانِي: مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلِّفَةِ، وَالثَّالِثُ: مِنْ سَهْمِ الْغُزَاةِ مِنَ الزَّكَاةِ، وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ مِنَ السَّهْمَيْنِ؛ الْغُزَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية