الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْآثَارُ . قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَقَدْ تَصَدَّقَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِخَمْسِينَ أَلْفًا وَإِنَّ دِرْعَهَا لَمُرَقَّعٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا فَقَالَ : وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْفَضْلَ عِنْدَ خِيَارِنَا لَعَلَّهُمْ يَعُودُونَ بِهِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ مِنَّا وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الصَّلَاةُ تُبْلِغُكَ نِصْفَ الطَّرِيقِ ، وَالصَّوْمُ يَبْلُغُكَ بَابَ الْمَلِكِ ، وَالصَّدَقَةُ تُدْخِلُكَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتَدْفَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ السُّوءِ ، وَفُضِّلَ سِرُّهَا عَلَى عَلَانِيَتِهَا بِسَبْعِينَ ضِعْفًا ، وَإِنَّهَا لَتَفُكُّ لِحْيَيْ سَبْعِينَ شَيْطَانًا . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنَّ رَجُلًا عَبَدَ اللَّهِ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ أَصَابَ فَاحِشَةً فَأُحْبِطَ عَمَلُهُ ثُمَّ مَرَّ ، بِمِسْكِينٍ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِرَغِيفٍ ؛ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ عَمَلَ السَّبْعِينَ سَنَةً . وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ إِذَا أَخْطَأَتَ خَطِيئَةً فَأَعْطِ الصَّدَقَةَ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ مَا أَعْرِفُ حَبَّةً تَزِنُ جِبَالَ الدُّنْيَا إِلَّا الْحَبَّةَ مِنَ الصَّدَقَةِ . وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ كَانَ يُقَالُ : ثَلَاثَةٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ : كِتْمَانُ الْمَرَضِ ، وَكِتْمَانُ الصَّدَقَةِ ، وَكِتْمَانُ الْمَصَائِبِ . وَرُوِيَ مُسْنَدًا وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ : الْأَعْمَالَ تَبَاهَتْ فَقَالَتِ الصَّدَقَةُ : أَنَا أَفْضَلُكُنَّ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَتَصَدَّقُ بِالسُّكَّرِ وَيَقُولُ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أَحَبُّ السُّكَّرَ . وَقَالَ النَّخَعِيُّ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسُرُّنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَيْبٌ . وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجُوعَ مَا كَانُوا قَطُّ ، وَأَعْطَشَ مَا كَانُوا قَطُّ ، وَأَعْرَى مَا كَانُوا قَطُّ ، فَمَنْ أَطْعَمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشْبَعَهُ اللَّهُ وَمَنْ سَقَى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَقَاهُ اللَّهُ وَمَنْ كَسَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَسَاهُ اللَّهُ وَقَالَ الْحَسَنُ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أَغْنِيَاءَ لَا فَقِيرَ فِيكُمْ ، وَلَكِنَّهُ ابْتَلَى بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مَنْ لَمْ يَرَ نَفْسَهُ إِلَى ثَوَابِ الصَّدَقَةِ أَحْوَجُ مِنَ الْفَقِيرِ إِلَى صَدَقَتِهِ ، فَقَدْ أَبْطَلَ صَدَقَتَهُ وَضَرَبَ بِهَا وَجْهَهُ . وَقَالَ مَالِكٌ لَا نَرَى بَأْسًا بِشُرْبِ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِهِ وَيُسْقَى فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جُعِلَ لِلْعَطْشَانِ مَنْ كَانَ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَى الْخُصُوصِ وَيُقَالُ : إِنَّ الْحَسَنَ مَرَّ بِهِ نَخَّاسٌ وَمَعَهُ جَارِيَةٌ فَقَالَ لِلنَّخَّاسِ : أَتَرْضَى فِي ثَمَنِهَا الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ قَالَ لَا ؟ قَالَ : فَاذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَضِيَ فِي الْحُورِ الْعِينِ بِالْفَلْسِ وَاللُّقْمَةُ . الثَّانِي: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ صَدَقَةٌ عُبُودِيَّةٌ اخْتِيَارُ مَشُوبَةٍ بِسِيَادَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَكَذَا وَإِلَّا فَمَا هِيَ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ إِيجَابَ الْحَقِّ الرَّحْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِمَنْ تَابَ وَأَصْلَحَ مِنَ الْعَامِلِينَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ، فَهَذِهِ رُبُوبِيَّةٌ مَشُوبَةٌ بِحُكْمٍ عَلَيْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ مَا هُوَ مُوجِبٌ، فَمَنْ أَعْطَى بِهَذَا الْوُجُوبِ مِنْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ الْإِلَهِيَّةَ إِذَا فَعَلَتْ مِثْلَ هَذَا مَا يَكُونُ ثَوَابُهَا ذَلِكَ الثَّوَابُ بِعَيْنِهِ يَكُونُ لِلْعَبْدِ الْمُصَدِّقِ بِالتَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ بِعَطِيَّةِ الْحَقِّ إِذَا كَانَ هَذَا شَرٌّ بِهِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَبْلِي نَبَّهَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدْرَكَهَا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِأَهْلِ اللَّهِ أَنْ يُدْرِكُوا مِثْلَ هَذَا، وَلَكِنْ قَدْ لَا يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَى بَعْضِهِمُ الْعِبَارَةُ عَنْ ذَلِكَ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَعْلُو صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ عَلَى صَدَقَةِ الْفَرْضِ ابْتِدَاءً، فَإِنَّ هَذَا التَّطَوُّعَ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا بِإِيجَابِ اللَّهِ؛ حَيْثُ أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ كَالنَّذْرِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَهُ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ . قَالَ الْأَعْرَابِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَرْضِ الزَّكَاةِ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. فَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ، يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إِذَا تَطَوَّعَ بِهِ فَيُلْحِقُهُ بِدَرَجَةِ الْفَرْضِ، فَيَكُونُ فِي الثَّوَابِ عَلَى السَّوَاءِ، مَعَ زِيَادَةِ مَعْنَى التَّطَوُّعِ فِي ذَلِكَ، فَيَعْلُو عَلَى الْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ بِهَذَا الْقَدْرِ، وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ إِبْطَالِ الْعَمَلِ وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا إِذَا شَرَعَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمُ: الشُّرُوعُ مُلْزَمٌ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فَسَوَّى بَيْنِ الْمَفْرُوضِ وَغَيْرِ الْمَفْرُوضِ، وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّافِلَةَ وَأَصْبَحَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا فَأَفْطَرَ، وَقَالَ: نَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَأَمَرَ بِذَلِكَ لِمَنْ أَفْطَرَ فِي التَّطَوُّعِ فَأَقَامَهُ مَقَامَ الْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ فِي الْقَضَاءِ، وَلَيْسَ مَعْنَى التَّطَوُّعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا أَنَّ الْعَبْدَ عَبْدٌ بِالْأَصَالَةِ وَمَحَلٌّ لِمَا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ، فَهُوَ بِالذَّاتِ قَابِلٌ لِلْوُجُوبِ، فَالْمُتَطَوِّعُ إِنَّمَا هُوَ الرَّاجِعُ إِلَى أَصْلِهِ، وَالْخُرُوجُ عَنِ الْأَصْلِ إِنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ الْعَرْضِ؛ فَمِنْ لَازَمَ الْأَصْلَ دَائِمًا فَلَا يَرَى إِلَّا الْوُجُوبَ دَائِمًا؛ لِأَنَّهُ مَصْرِفٌ مَجْبُورٌ فِي اخْتِيَارِهِ تَشْبِيهًا بِالْأَصْلِ الَّذِي عَنْهُ صَدَرَ، وَلَيْسَ فِي الْأَصْلِ إِلَّا أَمْرٌ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ فِي الْكَوْنِ إِلَّا أَمْرٌ وَاحِدٌ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، فَمَا ثَمَّ إِلَّا وَاجِبٌ هَذَا تُعْطِيهِ الْحَقَائِقَ بِالْإِمْكَانِ لَا عَيْنَ لَهُ؛ فَانْظُرْ مَا تُعْطِيهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، وَمَا أَشْرَفَ هَذِهِ الْإِضَافَةِ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية