الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَتَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إِذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مُدُّ حِنْطَةٍ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ مَعَ الْقَضَاءِ وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ إِذَا لَمْ يَصُمْ تَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا . إتحاف السادة المتقين وَلْنَعُدْ إِلَى شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (وَأَمَّا الْفِدْيَةُ) وَهُوَ مُدٌّ مِنَ الطَّعَامِ وَجِنْسُهُ جِنْسُ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَيُعْتَبَرُ عَلَى الْأَصَحِّ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ وَمَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ . وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْفِدْيَةُ مِثْلُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهَا مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ (فَتَجِبُ عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إِذَا أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا) وَأَمَّا إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَيَتَا وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا كَالْمَرِيضِ فَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا فَفِي الْفِدْيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَصَحُّهَا : وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ أَنَّهَا تَجِبُ (لِكُلِّ يَوْمٍ) مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ مُدُّ حِنْطَةٍ وَكُلُّ مُدٍّ بِمَثَابَةِ كَفَّارَةٍ تَامَّةٍ فَيَجُوزُ صَرْفُ عَدَدٍ مِنْهَا (لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ) بِخِلَافِ أَمْدَادِ الْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ يَجِبُ صَرْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا إِلَى مِسْكِينٍ (مَعَ الْقَضَاءِ) أَيْ : لَهُمَا الْإِفْطَارُ وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَدَلِيلُ الْفِدْيَةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ أَنَّهُ مَنْسُوخُ الْحُكْمِ إِلَّا فِي حَقِّ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي مِنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْفِدْيَةُ وَلَا تَجِبُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَوَجْهُ تَشْبِيهِ الْحَامِلِ بِالْمَرِيضِ لِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يُصِيبُ الْوَلَدَ يَتَعَدَّى إِلَيْهَا وَتَشْبِيهُ الْمُرْضِعِ بِالْمُسَافِرِ يُفْطِرَانِ لِئَلَّا يَمْنَعَهُمَا الصَّوْمُ عَمَّا هُمَا بِصَدَدِهِ وَهُوَ الْإِرْضَاعُ فِي حَقِّ هَذِهِ وَالسَّفَرُ فِي حَقِّ ذَاكَ وَقَدْ يُشَبَّهَانِ مَعًا بِالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْإِفْطَارَ سَائِغٌ لَهُمَا وَالْقَضَاءُ يَكْفِي تَدَارُكًا . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ : أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ لِأَنَّ الْمُرْضِعَ تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا وَالْحَامِلُ تَخَافُ بِتَوَسُّطِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَلَدِ فَكَانَتْ كَالْمَرِيضِ ، وَيُحْكَى الْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَنِ الْإِمَامِ وَالْقَدِيمِ ، وَالثَّانِي عَنْ رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ ، وَالثَّالِثُ عَنِ الْبُوَيْطِيِّ ، وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَصَحِّ فَلَا تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِ الْأَوْلَادِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَهَلْ يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا أَوْ غَيْرَهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ؟ وَنَفَى صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَقَالَ تُفْطِرُ الْمُسْتَأْجَرَةُ وَتُفْدِي كَمَا أَنَّ السَّفَرَ لَمَّا أَفَادَ جَوَازَ الْفِطْرِ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِفَرْضِ نَفْسِهِ أَوْ بِفَرْضِ غَيْرِهِ وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتَاوَى بِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَةَ لَا تُفْطِرُ بِخِلَافِ الْأُمِّ لِأَنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ طَبْعًا وَإِذَا لَمْ تُفْطِرْ فَلَا خِيَارَ لِأَهْلِ الصَّبِيِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ : الصَّحِيحُ قَوْلُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ : يَحِلُّ لَهَا الْإِفْطَارُ بَلْ يَجِبُ إِنْ أَضَرَّ الصَّوْمُ بِالرَّضِيعِ وَفِدْيَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ تَجِبُ ؟ قَالَ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ الْمُتَمَتِّعَ فَعَلَى مَنْ يَجِبُ دَمُهُ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَرَاضِعُ فَأَرَادَتْ أَنْ تُرْضِعَ صَبِيًّا تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى جَازَ الْفِطَرُ لَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : وَفِي عِبَارَةِ أَصْحَابِنَا وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا لَا غَيْرُ قِيَاسًا عَلَى الْمَرِيضِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالضَّرَرِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ إِفْطَارٌ بِعُذْرٍ وَلَا فِدْيَةَ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَقَوْلُهُمْ عَلَى وَلَدَيْهِمَا يَرُدُّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ حَوَاشِي الْهِدَايَةِ مُعْزِيًا إِلَى الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُرْضِعِ الظِّئْرُ لِوُجُوبِ الْإِرْضَاعِ عَلَيْهَا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّ الْأَبَ يَسْتَأْجِرُ غَيْرَهَا وَكَذَا عِبَارَةُ غَيْرِ الْقُدُورِيِّ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ لِلْأُمِّ وَلِأَنَّ الْإِرْضَاعَ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمِّ دِيَانَةً. أَهَـ . (وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ) الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ أَوْ تَلْحَقُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ لَا صَوْمَ عَلَيْهِ وَ (إِذَا لَمْ يَصُمْ) فَفِي الْفِدْيَةِ قَوْلَانِ : أَصَحُّهُمَا : أَنَّهَا تَجِبُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (تَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ) فَلَا قَضَاءَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَإِنَّ كَلِمَةَ "لَا " مُقَدَّرَةٌ أَيْ : لَا يُطِيقُونَهُ أَوِ الْمُرَادُ يُطِيقُونَهُ حَالَ الشَّبَابِ ثُمَّ يَعْجِزُونَ عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كَانَا يَقْرَآنِ : "وَعَلَى الَّذِينَ يَطِيقَوَّنَهُ " بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَفْتُوحَةِ وَمَعْنَاهُ يُكَلَّفُونَ الصَّوْمَ فَلَا يُطِيقُونَهُ وَقِيلَ : لَا تَقْدِيرَ فِي الْآيَةِ بَلْ كَانُوا مُخَيَّرِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِدْيَةِ فَنُسِخَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ. أَهَـ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَجِبُ وَيُحْكَى عَنْ رِوَايَةِ الْبُوَيْطِيِّ وَحَرْمَلَةَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَرْجُو زَوَالَ مَرَضِهِ إِذَا اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِالْمَوْتِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضَ الصَّوْمِ عَنْهُ فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّيْخِ فَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا هَلْ تَلْزَمُهُ إِذَا قَدَرَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَلَوْ كَانَ رَقِيقًا فَعُتِقَ تَرَتَّبَ الْخِلَافُ عَلَى الْخِلَافِ فِي زَوَالِ الْإِعْسَارِ وَأَوْلَى بِأَنْ لَا تَجِبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفِدْيَةِ عِنْدَ الْإِفْطَارِ وَلَوْ قَدَرَ الشَّيْخُ بَعْدَ مَا أَفْطَرَ عَلَى الصَّوْمِ هَلْ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ قَضَاءً ؟ نَقَلَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالصَّوْمِ بَلْ كَانَ مُخَاطَبًا بِالْفِدْيَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية