الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَأَمَّا صَوْمُ الدَّهْرِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْكُلِّ وَزِيَادَةٌ وَلِلسَّالِكِينَ فِيهِ طُرُقٌ فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ إِذْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُكْرَهُ لِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يُفْطِرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَهُوَ الدَّهْرُ كُلُّهُ وَالْآخَرُ أَنْ يَرْغَبَ عَنِ السُّنَّةِ فِي الْإِفْطَارِ وَيَجْعَلَ الصَّوْمَ حَجْرًا عَلَى نَفْسِهِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ . فَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَرَأَى صَلَاحَ نَفْسِهِ فِي صَوْمِ الدَّهْرِ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ " مَنْ صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ " وَعَقَدَ تِسْعِينَ وَمَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا مَوْضِعٌ وَدُونَهُ دَرَجَةٌ أُخْرَى وَهُوَ صَوْمِ نِصْفِ الدَّهْرِ بِأَنْ يَصُومَ يَوْمًا وَيُفْطِرَ يَوْمًا وَذَلِكَ أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ وَأَقْوَى فِي قَهْرِهَا وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِيهِ بَيْنَ صَوْمِ يَوْمٍ وَشُكْرِ يَوْمٍ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرِضَتْ عَلَيَّ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَكُنُوزُ الْأَرْضِ فَرَدَدْتُهَا وَقُلْتُ : أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا ، أَحْمَدُكَ إِذَا شَبِعْتُ وَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ إِذَا جُعْتُ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفْضَلُ الصِّيَامِ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ وَيُفْطِرُ يَوْمًا " وَمِنْ ذَلِكَ مُنَازَلَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الصَّوْمِ وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ بَلْ كَانَ يُفْطِرُ مِنْهُ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى صَوْمِ نِصْفِ الدَّهْرِ فَلَا بَأْسَ بِثُلْثِهِ وَهُوَ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ يَوْمَيْنِ . وَإِذَا صَامَ ثَلَاثَةً مِنْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَثَلَاثَةً مِنَ الْوَسَطِ وَثَلَاثَةً مِنْ الْآخَرِ فَهُوَ ثُلْثٌ وَوَاقِعٌ فِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ . وَإِنْ صَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَالْجُمْعَةَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الثُّلْثِ . وَإِذَا ظَهَرَتْ أَوْقَاتُ الْفَضِيلَةِ فَالْكَمَالُ فِي أَنْ يَفْهَمَ الْإِنْسَانُ مَعْنَى الصَّوْمِ وَأَنَّ مَقْصُودَهُ تَصْفِيَةُ الْقَلْبِ وَتَفْرِيغُ الْهَمِّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . (تَنْبِيهٌ) . حَدِيثُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ تَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ "قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمِنَ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ " دَالٌّ عَلَى اسْتِيعَابِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ بِالصِّيَامِ وَعَلِمْنَا مِنْهُ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرَادَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِعِبَادَةِ الصَّوْمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِمَّا امْتِنَانًا مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ فَإِنَّ الْأَيَّامَ يَفْتَخِرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِمَا يُوقِعُ الْعَبْدُ فِيهَا مِنَ الْأَعْمَالِ لِلْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا ظَرْفٌ لَهُ فَيُرِيدُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْجُمْعَةِ وَأَيَّامِ الشَّهْرِ وَأَيَّامِ السَّنَةِ جَمِيعَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ حَتَّى يَحْمَدَهُ كُلُّ يَوْمٍ وَيَتَجَمَّلَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَيَشْهَدَ لَهُ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ أَنْ يَجْمَعَ جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ فَيَعْمَلُ فِيهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَإِذَا عَادَ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمْعَةِ الْأُخْرَى عَمِلَ فِيهِ مَا فَاتَهُ فِي الْجُمْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَسْتَوِيَ فِيهِ جَمِيعُ الْخَيْرَاتِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا وَهَكَذَا فِي أَيَّامِ الشَّهْرِ وَأَيَّامِ السَّنَةِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّهُورَ تَتَفَاضَلُ أَيَّامُهَا بِحَسَبِ مَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ كَمَا تَتَفَاضَلُ سَاعَاتُ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ بِحَسَبِ مَا تُنْسَبُ إِلَيْهِ فَيَأْخُذُ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ مِنْ سَاعَاتِهِ وَيَأْخُذُ النَّهَارُ مِنَ اللَّيْلِ وَالتَّوْقِيتِ مِنْ حَيْثُ حَرَكَةِ الْيَوْمِ الَّذِي يَعُمُّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ كَذَلِكَ أَيَّامُ الشُّهُورِ تَتَعَيَّنُ بِقَطْعِ الدَّرَارِي فِي مَنَازِلِ الْفَلَكِ الْأَقْصَى لَا فِي الْكَوَاكِبِ الثَّابِتَةِ الَّتِي تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ مَنَازِلَ الْقَمَرِ فَلِلْقَمَرِ أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ فِي قَطْعِ الْفَلَكِ وَلِعُطَارِدَ أَيَّامٌ أُخَرُ وَلِلزُّهْرَةِ كَذَلِكَ وَلِلشَّمْسِ كَذَلِكَ وَلِلْمِرِّيخِ كَذَلِكَ وَلِلْمُشْتَرَى كَذَلِكَ وَلِزُحَلَ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُرَاعِيَ هَذَا كُلَّهُ فِي أَعْمَالِهِ فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ بِحَيْثُ أَنْ يَفِيَ بِذَلِكَ فَإِنَّ أَكْبَرَ هَذِهِ الشُّهُورِ لَا يَكُونُ أَكْبَرَ الْأَعْمَارِ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا غَيْرُ وَأَمَّا شُهُورُ الْكَوَاكِبِ الثَّابِتَةِ فِي قَطْعِهَا فِي فَلَكِ الْبُرُوجِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْأَعْمَارَ تَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية