الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلْيَضْطَبِعْ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ إِبِطِهِ الْيُمْنَى وَيَجْمَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ فَيُرْخِي طَرَفًا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَطَرَفًا عَلَى صَدْرِهِ وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَيَشْتَغِلُ بِالْأَدْعِيَةِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا . إتحاف السادة المتقين وَمِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ الِاضْطِبَاعُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ : (وَلْيَضْطَبِعْ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ) أَيْ : طَوَافِ الْقُدُومِ (وَهُوَ) أَيِ : الِاضْطِبَاعُ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ : وَلْيَضْطَبِعِ افْتِعَالٌ مِنَ الضَّبْعِ وَهُوَ الْعَضُدُ وَأَصْلُهُ اضْتِبَاعٌ أُبْدِلَتْ تَاؤُهُ طَاءً لِبُعْدِ التَّاءِ مِنَ الطَّاءِ فِي الصِّفَةِ وَقُرْبِ التَّاءِ مِنَ الدَّالِ فِي الْمَخْرَجِ وَهَيْئَتُهُ (أَنْ يَضَعَ وَسَطَ إِزَارِهِ تَحْتَ إِبِطِهِ الْأَيْمَنِ وَيَجْمَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ فَيُرْخِي طَرَفًا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَطَرَفًا عَلَى صَدْرِهِ) وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : مَعْنَى الْإِضْبَاعِ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيُبْقِي مَنْكِبَهُ مَكْشُوفًا كَدَأْبِ أَهْلِ الشَّطَارَةِ وَفِي عِبَارَاتِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَجْعَلَ رِدَاءَهُ تَحْتَ إِبِطِهِ الْأَيْمَنِ وَيُلْقِيَ طَرَفَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدَيْتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ وَقَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَكُلُّ طَوَافٍ لَا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ لَا يُسَنُّ فِيهِ الِاضْطِبَاعُ وَمَا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ يُسَنُّ فِيهِ الِاضْطِبَاعُ لَكِنَّ الرَّمَلَ مَخْصُوصٌ لِلْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ وَالِاضْطِبَاعُ يَعُمُّ جَمِيعَهَا وَلَيْسَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بَعْدَهَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُخَرِّجُ مِنْ قَوْلِ الْمَسْعُودِيِّ وَغَيْرِهِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَهَلْ يُسَنُّ فِي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : نَعَمْ كَمَا فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ وَأَصَحُّهُمَا : لَا لِكَرَاهَةِ الِاضْطِبَاعِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخِلَافُ فِيهَا مُتَوَلِّدٌ مِنَ اخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ فِي لَفْظِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : وَيَضْطَبِعُ حَتَّى يَكْتَمِلَ سَعْيُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ هَكَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَهُ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةً وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عِنْدَ بَعْضِ الشَّارِحِينَ يَتَوَلَّدُ مِنَ اخْتِلَافِ النَّصِّ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنَ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْخَطِّ فَمَنْ نَقَلَ سَعْيَهُ حَكَمَ بِإِدَامَةِ الِاضْطِبَاعِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّعْيِ وَمَنْ قَالَ : سَبْعَةً قَالَ : لَا يَضْطَبِعُ إِلَّا فِي الْأَشْوَاطِ السَّبْعَةِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَيُحْكَى عَنْ نَصِّهِ أَنَّهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْأَشْوَاطِ تَرَكَ الِاضْطِبَاعَ حَتَّى يُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا أَعَادَ الِاضْطِبَاعَ وَخَرَجَ إِلَى السَّعْيِ وَهَذَا يَخْرُجُ إِلَى تَأْوِيلِ لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَضْطَبِعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي أَنَّهُ يُدِيمُ اضْطِبَاعَهُ الْأَوَّلَ إِلَى تَمَامِ الْأَشْوَاطِ وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ اضْطِبَاعٌ وَلَا رَمَلٌ حَتَّى لَا يَنْكَشِفْنَ وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ كُجٍّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الصَّبِيَّ هَلْ يَضْطَبِعُ ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْطَبِعُ ثُمَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَضَعَ وَسَطَ إِزَارِهِ ذِكْرُ الرِّدَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَلْيَقُ وَكَذَلِكَ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَيَشْتَغِلُ بِالْأَدْعِيَةِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ أَنَّهُ كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ : لَا يُمْسِكُ الْمُعْتَمِرُ عَنِ التَّلْبِيَةِ حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ وَأَخْرَجَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي مَنْسَكِهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا أَنَّهُ كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَتَمَّامُ الرَّازِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا أَنَّهُ لَبَّى فِي الْعُمْرَةِ حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمِثْلَهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يُلَبِّي حَتَّى يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ إِلَى أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا وَغَيْرَ مُسْتَلِمٍ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَوْرَدَ الشَّافِعِيُّ فِي إِلْزَامِ الْعِرَاقِيِّينَ فِيمَا خَالَفُوا فِيهِ ابْنَ مَسْعُودٍ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّهُ لَبَّى فِي عُمْرَةٍ عَلَى الصَّفَا بَعْدَ مَا طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَالَ : وَلَيْسُوا يَقُولُونَ بِهَذَا وَلَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ عَلِمْنَاهُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ نَقُولُ وَيَقُولُونَ هُمْ أَيْضًا فَأَمَّا بَعْدَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَلَا يُلَبِّي أَحَدٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية