الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْخَامِسُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَذَلِكَ الْأَفْضَلُ أَوْصَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَنِيهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ يَا بَنِيَّ حُجُّوا مُشَاةً فَإِنَّ لِلْحَاجِّ الْمَاشِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخُطُوهَا سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ : وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ ، قَالَ : الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَالِاسْتِحْبَابُ فِي الْمَشْيِ فِي الْمَنَاسِكِ ، وَالتَّرَدُّدُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَوْقِفِ ، وَإِلَى مِنًى آكَدُ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ . وَإِنْ أَضَافَ إِلَى الْمَشْيِ الْإِحْرَامَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ إِتْمَامِ الْحَجِّ قَالَهُ : عُمَرُ وَعَلِيُّ وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الرُّكُوبُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَالْمُؤْنَةِ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ ضَجَرِ النَّفْسِ ، وَأَقَلُّ لِأَذَاهُ وَأَقْرَبُ إِلَى سَلَامَتِهِ وَتَمَامِ حَجِّهِ . وَهَذَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْأَوَّلِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَصِّلَ ، وَيُقَالَ : مَنْ سَهُلَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ فَهُوَ أَفْضَلُ فَإِنْ كَانَ يَضْعُفُ وَيُؤَدِّي بِهِ ذَلِكَ إِلَى سُوءِ الْخَلْقِ وَقُصُورٍ عَنْ عَمَلٍ فَالرُّكُوبُ لَهُ أَفْضَلُ كَمَا أَنَّ الصَّوْمَ لِلْمُسَافِرِ أَفْضَلُ وَلِلْمَرِيضِ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى ضَعْفٍ وَسُوءِ خَلْقٍ . وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ الْعُمْرَةِ أَيَمْشِي فِيهَا ، أَوْ يَكْتَرِي حِمَارًا بِدِرْهَمٍ ؟ فَقَالَ : إِنْ كَانَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ أَشَدَّ عَلَيْهِ فَالْكِرَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْيُ أَشَدَّ عَلَيْهِ كَالْأَغْنِيَاءِ فَالْمَشْيُ لَهُ أَفْضَلُ فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى طَرِيقِ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ ، وَلَهُ وَجْهٌ . وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَمْشِيَ وَيَصْرِفَ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ إِلَى خَيْرٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى الْمُكَارِي عِوَضًا عَنِ ابْتِذَال الدَّابَّةِ فَإِذَا كَانَتْ لَا تَتَّسِعُ ، نَفْسُهُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ مَشَقَّةِ النَّفْسِ وَنُقْصَانِ الْمَالِ ، فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ بَعِيدٍ فِيهِ . إتحاف السادة المتقين (الْخَامِسُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا ) عَلَى رِجْلَيْهِ (إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ) فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ يَحُجُّونَ مُشَاةً حُفَاةً يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَيَقْضُونَ الْمَنَاسِكَ مُشَاةً حُفَاةً، وَعَنْهُ أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَجَّ أَرْبَعِينَ حِجَّةً عَلَى قَدَمَيْهِ قِيلَ لِمُجَاهِدٍ أَفَلَا كَانَ يَرْكَبُ، قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَحْمِلُهُ ؟ أَخْرَجَهُمَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُشِيرِ الْعَزْمِ: (أَوْصَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (بَنِيهِ) ، أَخْرَجَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي مَنْسَكِهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِبَنِيهِ (يَا بَنِيَّ حُجُّوا مُشَاةً) فَإِنِّي مَا أَمْشِي عَلَى شَيْءٍ مَا أُمْسِي عَلَى شَيْءٍ مَا أُسِيءَ عَلَى ابْنٍ لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا، قَالُوا: مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ: مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَيْهَا (فَإِنَّ) لِلرَّاكِبِ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعِينَ حَسَنَةً، (وَلِلْمَاشِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخُطُوهَا) ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ يَخْطُوهَا (سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ) مَكَّةَ، قَالُوا: وَمَا حَسَنَاتُ مَكَّةَ ؟ قَالَ الْوَاحِدَةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَا أَحْسُبُ السَّيِّئَةَ إِلَّا مِثْلُهَا . وَأُخْرِجَ أَيْضًا عَنْ زَاذَانَ، قَالَ: مَرِضَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرَضًا شَدِيدًا فَدَعَا وَلَدَهُ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ كُلٌّ مِثْلُ حَسَنَاتِ (الْحَرَمِ قِيلَ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ، قَالَ: الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ) ، وَأَخْرَجَهُمَا كَذَلِكَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ، وَقَالَ: بِكُلِّ قَدَمٍ مَكَانَ خُطْوَةٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: مَنْ حَجَّ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ مَاشِيًا كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ ؟ قَالَ: الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ، أَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَجَّ الْحَوَارِيُّونَ فَلَمَّا دَخَلُوا الْحَرَمَ مَشَوْا حُفَاةً تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ، وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: حَجَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ حِجَّةً مَاشِيًا، وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَالثَّوْرِيُّ يَحُجَّانِ مَاشِيَيْنِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السَّقَّاءِ أَنَّهُ حَجَّ مِنْ نَيْسَابُورَ عَلَى قَدَمَيْهِ نَيِّفًا وَسِتِّينَ حَجَّةً، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَافَرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ إِلَى مَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَفَرًا حَافِيًا مُحْرِمًا صَائِمًا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسِيَّ يَقُولُ: حَجَجْتُ ثَمَانِينَ حِجَّةً عَلَى قَدَمَيَّ، وَحَجَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ عَلَى قَدَمَيْهِ سَبْعًا وَتِسْعِينَ حِجَّةً، وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ، (وَاسْتِحْبَابُ الْمَشْيِ فِي الْمَنَاسِكِ، وَالتَّرَدُّدُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَإِلَى مِنًى آكَدُ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ الْمَشْيُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ (وَإِنْ أَضَافَ إِلَى الْمَشْيِ الْإِحْرَامَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ) مُصَغَّرُ دَارَةٍ، وَهِيَ الْمَنْزِلُ (فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ إِتْمَامِ الْحَجِّ قَالَهُ: عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ (وَعَلِيُّ) بْنُ أَبِي طَالِبٍ (وَ) عَبْدُ اللَّهِ (بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ) جَلَّ وَعَزَّ ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) ، اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى التَّوْقِيتِ بِالْمَوَاقِيتِ الْمَعْرُوفَةِ مَنْعُ مُجَاوَزَتِهَا إِذَا كَانَ مُرِيدًا الْمَنْسَكَ أَمَّا الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَيْهَا فَلَا مَنْعَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، بَلْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ عَلَى التَّأْخِيرِ إِلَى الْمِيقَاتِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَرَجَّحَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّوَيَانِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالرَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ إِتْمَامُهَا أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إِيلْيَا يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ وَعَلْقَمَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو إِسْحَاقَ يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتِهِمُ اهـ . لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، وَنَقَلَ تَصْحِيحَهُ عَنِ الْأَكْثَرِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِعْلَهُ عَنْ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ زَادَ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ فِكْرَةِ تَقْدِيمِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَرُوِينَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ أَنَّ ابْنَ حُصَيْنٍ إِحْرَامُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ الْبَصَرِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمَالِكٌ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ اهـ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورٍ فَالْإِحْرَامُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَمِنَ الْمِيقَاتِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَشَذَّ ابْنُ حَزْمِ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ: إِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ يَمُرُّ عَلَيْهَا فَلَا إِحْرَامَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ إِذَا صَارَ إِلَى الْمِيقَاتِ تَجْدِيدَ إِحْرَامٍ، وَحَكَاهُ عَنْ دَاوُدَ وَأَصْحَابِهِمْ وَهُوَ قَوْلٌ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ عَلَى خِلَافِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمِيقَاتَ فَهُوَ مُحْرِمٌ، وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الرُّكُوبُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَالْمُؤْنَةِ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ ضَجَرِ النَّفْسِ، وَأَقَلُّ لِأَذَاهُ وَأَقْرَبُ إِلَى سَلَامَتِهِ وَتَمَامِ حَجِّهِ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ قَالَا: الرُّكُوبُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْمَشْيِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْفَضْلِ مِنَ الْمَشْيِ; لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعُونُ عَلَى الْعِبَادَةِ، ثُمَّ إِنَّ الْمُرَادَ بِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ الشَّافِعِيُّ كَمَا تَبَيَّنَ لَكَ مِنَ السِّيَاقِ، وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْقُوتِ حَيْثُ قَالَ: وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ يَقُولُ: إِنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ، ثُمَّ سَاقَ الْعِبَارَةَ مِثْلَ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ إِلَى قَوْلِهِ: وَتَمَامِ حَجِّهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: فَهَذَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْإِفْطَارِ يَكُونُ أَفْضَلَ إِذَا سَاءَ عَلَيْهِ خُلُقُهُ، وَضَاقَ بِهِ ذَرْعُهُ، وَكَثُرَ عَلَيْهِ ضَجَرُهُ; لِأَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ وَانْشِرَاحَ الصَّدْرِ أَفْضَلُ، وَقَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ فَمَنْ يَكُونُ حَالُهُ الضَّجَرَ وَوَصْفُهُ السُّخَطَ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ، أَوْ لَمْ يَكُنِ اعْتَادَ الْمَشْيَ اهـ . وَقَدْ أَخَذَهُ الْمُصَنِّفُ، فَقَالَ: (وَهَذَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ) وَالتَّأَمُّلِ (لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْأَوَّلِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَصِّلَ تَفْصِيلًا، وَيُقَالَ: مَنْ سَهُلَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ) وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ لَهُ مَشَقَّةٌ (فَهُوَ الْأَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ يَضْعُفُ) ، عَنِ الْمَشْيِ (وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى سُوءِ خُلُقٍ) أَوْ ضَجَرٍ وَتَسَخُّطٍ (وَقُصُورٍ عَنْ عَمَلٍ) مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ (فَالرُّكُوبُ لَهُ) ، وَفِي حَقِّهِ (أَفْضَلُ) مِنَ الْمَشْيِ، (كَمَا أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى ضَعْفِ) قُوَّةٍ، وَسُقُوطِ هِمَّةٍ (وَسُوءِ خُلُقٍ) ، وَضَجَرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ أَسْرَارِ الصِّيَامِ، (وَسُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ الْعُمْرَةِ) ، هَلِ (الْمَشْيُ فِيهَا أَفْضَلُ، أَوْ يَكْرِي حِمَارًا بِدِرْهَمٍ ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ أَشَدَّ عَلَيْهِ فَالْكِرَاءُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَشْيِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْيُ أَشَدَّ عَلَيْهِ كَالْأَغْنِيَاءِ فَالْمَشْيُ لَهُ أَفْضَلُ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَسَأَلْتُ بَعْضَ فُقَهَائِنَا بِمَكَّةَ عَنْ تِلْكَ الْعُمَرِ الَّتِي تُعْتَمَرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى التَّنْعِيمِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ عَائِشَةَ، وَهُوَ مِيقَاتُنَا لِلْعُمْرَةِ فِي طُولِ السَّنَةِ، أَيْ ذَلِكَ أَفْضَلُ الْمَشْيِ فِي الْعُمْرَةِ، أَوْ يَكْتَرِي حِمَارًا بِكَسْرِ دِرْهَمٍ إِلَى دِرْهَمٍ يَعْتَمِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَخْتَلِفُ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ شِدَّتِهِ عَلَى النَّاسِ، فَمَنْ كَانَ الدِّرْهَمُ عَلَيْهِ أَشَدَّ مِنَ الْمَشْيِ فَالِاكْتِرَاءُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ إِكْرَاهِ النَّفْسِ عَلَيْهِ وَشِدَّتِهِ عَلَيْهَا، وَمَنْ كَانَ الْمَشْيُ عَلَيْهِ أَشَقَّ فَالْمَشْيُ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا يَخْتَلِفُ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ وَالنِّعْمَةِ فَيَكُونُ الْمَشْيُ عَلَيْهِمَا أَشَدَّ اهـ . (وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى طَرِيقِ مُجَاهِدَةِ النَّفْسِ، وَلَهُ وَجْهٌ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَمْشِيَ وَيَصْرِفَ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ إِلَى خَيْرٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إِلَى الْمَكَارِي عِوَضًا عَنْ إِيذَاءِ الدَّابَّةِ، فَإِنْ كَانَ لَا تَسَعُ نَفْسُهُ الْجَمْعَ بَيْنَ مَشَقَّةِ النَّفْسِ وَنُقْصَانِ الْمَالِ، فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ بَعِيدٍ) ، وَلَفْظُ الْقُوتِ: وَعِنْدِي أَنَّ الِاعْتِمَادَ مَاشِيًا أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ مَاشِيًا لِمَنْ أَطَاقَ الْمَشْيَ وَلَمْ يَتَضَجَّرْ بِهِ، وَكَانَ لَهُ هِمَّةٌ وَقَلْبٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية