الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، وَطَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ مِنَ الْحَدَثِ ، وَالْخَبَثِ . وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ عِنْدَ السَّمَاعِ فَإِذَا تَطَهَّرَ يَسْجُدُ وَقَدْ قِيلَ فِي كَمَالِهَا إِنَّهُ يُكَبِّرُ رَافِعًا يَدَيْهِ لِتَحْرِيمِهِ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلْهُوِيِّ لِلسُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلِارْتِفَاعِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَزَادَ زَائِدُونَ . التَّشَهُّدَ وَلَا أَصْلَ لِهَذَا إِلَّا الْقِيَاسَ عَلَى سُجُودِ الصَّلَاةِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَإِنَّهُ وَرَدَ الْأَمْرُ فِي السُّجُودِ فَلْيُتَّبَعْ فِيهِ الْأَمْرُ وَتَكْبِيرَةُ الْهُوِيِّ أَقْرَبُ لِلْبِدَايَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَفِيهِ بُعْدٌ . ثُمَّ الْمَأْمُومُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ عِنْدَ سُجُودِ الْإِمَامِ وَلَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةِ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ مَأْمُومًا . إتحاف السادة المتقين ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالى: (وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا السُّجُودِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) الْمَذْكُورَةُ فِي مَحَلِّهَا; لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا (مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَالْخَبَثِ مِنَ الثَّوْبِ ) بِلَا خِلَافٍ إِلَّا فِي الْمُحَاذَاةِ، وَفِي الْقَهْقَهَةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا دُونَ الْوُضُوءِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ عِنْدَ السَّمَاعِ لِلسَّجْدَةِ فَإِذَا تَطَهَّرَ سَجَدَ) ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ . قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا إِذَا كَانَ الْفَصْلُ قَصِيرًا، وَإِنْ طَالَ فَاتَتْ، وَهَلْ يُقْضَى؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ، أَظْهَرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ لَا تُقْضَى اهـ . وَقِيلَ: يَسْجُدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا نُقِلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ قُدِّسَ سِرَّهُ، وَالِاعْتِبَارُ فِيهِ أَنَّ طَهَارَةَ الْقَلْبِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السُّجُودِ لِلَّهِ مِنْ كَوْنِهِ سَاجِدًا، وَطَهَارَةُ الْجَوَارِحِ فِي وَقْتِ السُّجُودِ مَعْقُولَةٌ بِأَنَّهَا مُتَصَرِّفَةٌ فِي عِبَادَةٍ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي فِعْلِهَا اسْتِعْمَالٌ بِمَاءٍ وَلَا تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ مَاءٍ، أَوْ تُرَابٍ فَهُوَ أَوْلَى، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ مَا ذُكِرَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ لِأَيِّ جِهَةٍ كَانَ وَجْهُهُ، وَالْأَوْلَى اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ اللَّهُ قِبْلَةُ الْقُلُوبِ بِلَا خِلَافٍ فَإِذَا سَجَدَ لِلَّهِ فَقَدْ سَجَدَ لِلْقِبْلَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ لَا تُقَيِّدُهُ الْجِهَاتُ، وَلَا تَحْصُرُهُ الْأَبْنِيَاتُ، فَإِنْ جَمَعَ السَّاجِدُ بَيْنَ الْقِبْلَتَيْنِ فَهُوَ أَكْمَلُ حِسًّا وَعَقْلًا فَيُقَيِّدُ مَنْ يَقْبَلُ التَّقْيِيدَ، وَيُطْلِقُ مَنْ يَقْبَلُ الْإِطْلَاقَ فَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، (وَقَدْ قِيلَ فِي كَمَالِهَا) إِذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ (أَنَّهُ) يَقُومُ وَيَنْوِي (وَيُكَبِّرُ رَافِعًا يَدَيْهِ) حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ (لِلْإِحْرَامِ) أَيْ كَمَا يَفْعَلُ بِهِ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، (ثُمَّ يُكَبِّرُ) أُخْرَى لِلْهُوِيِّ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْيَدِ، ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ (لِلِارْتِفَاعِ) كَمَا يَفْعَلُ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ عَنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ . وَفِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا أَنَّهَا شَرْطٌ، وَالثَّانِي مُسْتَحَبَّةٌ، وَالثَّالِثُ لَا تُشْرَعُ أَصْلًا قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ وَيَنْوِيَ قَائِمًا وَيُكَبِّرَ، ثُمَّ يَهْوِي لِلسُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالتَّتِمَّةِ، وَأَنْكَرَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَغَيْرُهُ . قَالَ الْإِمَامُ: لَمْ أَرَ لِهَذَا ذِكْرًا، وَلَا أَصْلًا، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الْأَصْوَبُ، فَلَمْ يَذْكُرْ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ هَذَا الْقِيَامَ، وَلَا ثَبَتَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فَالِاخْتِيَارُ تَرَكَهُ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ، (ثُمَّ يُسَلِّمُ) يَمِينًا وَشِمَالًا . وَهَلْ يُشْتَرَطُ السَّلَامُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا نَعَمْ، (وَزَادَ زَائِدُونَ التَّشَهُّدَ وَلَا أَصْلَ لِهَذَا إِلَّا الْقِيَاسُ عَلَى سُجُودِ الصَّلَاةِ وَهُوَ) قِيَاسٌ (بَعِيدٌ) عَنِ الْعُقُولِ (فَإِنَّهُ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ) فَقَطْ، (فَلْيُتَّبَعْ فِيهِ الْأَمْرُ) ، وَيُقْتَصَرْ عَلَيْهِ، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّشَهُّدِ هُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامِ، وَالتَّشَهُّدِ: ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا يُشْتَرَطُ السَّلَامُ دُونَ التَّشَهُّدِ، وَإِذَا قُلْنَا: التَّشَهُّدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي النِّهَايَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: الْأَصَحُّ لَا يُسْتَحَبُّ (وَتَكْبِيرَةُ الْهُوِيِّ أَقْرَبُ لِلْبِدَايَةِ) ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ (فَفِيهِ بُعْدٌ) عَنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ . وَإِذَا كَانَتْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَكَذَا يُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ لِلْهُوِيِّ، وَلَا لِلرَّفْعِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَامَ، وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَلَا بُدَّ مِنَ انْتِصَابِهِ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ فَإِنَّ الْهُوِيَّ مِنَ الْقِيَامِ وَاجِبٌ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ . وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ لَهَا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَسْجُدُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُكَبِّرُ اعْتِبَارًا بِالصَّلَاةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ وَلَا سَلَامٌ; لِأَنَّهُ لِلتَّحْلِيلِ وَلَا تَحْرِيمَ هُنَاكَ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إِذَا انْحَطَّ لِلسُّجُودِ، وَيُكَبِّرُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ، وَفِي التَّنْبِيهِ ذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي الْوَاقِعَاتِ يُكَبِّرُ فِيهَا عِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، كَمَا فِي الْمَكْتُوبَةِ، (ثُمَّ الْمَأْمُومُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ عِنْدَ سُجُودِ الْإِمَامِ) ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِذَا لَمَّ يَسْجُدِ الْإِمَامُ لَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ وَلَوْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيَحْسُنُ الْقَضَاءُ إِذَا فَرَغَ وَلَا يَتَأَكَّدُ، وَلَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَعْلَمِ الْمَأْمُومُ، حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ، وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ فِي السُّجُودِ سَجَدَ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي الْهُوِيِّ، وَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ رَفَعَ مَعَهُ، وَلَمْ يَسْجُدْ، وَكَذَا الضَّعِيفُ الَّذِي هَوَى مَعَ الْإِمَامِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى الْأَرْضِ لِبُطْءِ حَرَكَتِهِ يَرْفَعُ مَعَهُ، وَلَا يَسْجُدُ، (وَلَا يَسْجُدُ لِتِلَاوَةِ نَفْسِهِ إِذَا كَانَ مَأْمُومًا ) ، بَلْ يَكُونُ لَهُ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ، وَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْإِمَامِ، بَلْ يُكْرَهُ الْإِصْغَاءُ إِلَيْهَا، وَلَوْ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ، أَوْ قِرَاءَةِ غَيْرِ إِمَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية