الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وهذه الأسرار لا يجوز لشيخ أن يكاشف بها مريده ، بل يقتصر على مدح الجوع فقط ، ولا يدعوه إلى الاعتدال ؛ فإنه يقصر لا محالة عما يدعوه إليه ، فينبغي أن يدعوه إلى غاية الجوع حتى يتيسر له الاعتدال .

ولا يذكر له أن العارف الكامل يستغني عن الرياضة فإن الشيطان يجد متعلقا من قلبه فيلقى ، إليه كل ساعة : إنك عارف كامل ، وما الذي فاتك من المعرفة والكمال ؟ بل كان من عادة إبراهيم الخواص أن يخوض مع المريد في كل رياضة كان يأمره بها كيلا ؛ يخطر بباله أن الشيخ يأمره بما لم يفعل ، فينفره ذلك من رياضته والقوي إذا اشتغل بالرياضة وإصلاح الغير ، لزمه النزول إلى حد الضعفاء ؛ تشبها بهم ، وتلطفا في سياقتهم إلى السعادة ، وهذا ابتلاء عظيم للأنبياء والأولياء وإذا كان الاعتدال خفيا في حق كل شخص ، فالحزم والاحتياط ينبغي أن لا يترك في كل حال ولذلك أدب عمر رضي الله عنه ولده عبد الله إذ دخل عليه فوجده يأكل لحما مأدوما بسمن فعلاه بالدرة وقال : لا أم لك كل يوما خبزا ولحما ويوما خبزا ولبنا ، ويوما خبزا وسمنا ، ويوما خبزا وزيتا ويوما خبزا وملحا ويوما خبزا قفارا وهذا هو الاعتدال ، فأما المواظبة على اللحم والشهوات فإفراط وإسراف ومهاجرة اللحم بالكلية إقتار وهذا قوام بين ذلك والله تعالى أعلم .

.

التالي السابق


(وهذه الأسرار) الخفية (لا يجوز لشيخ من شيوخ الطريقة أن يكاشف بها مريده، بل يقتصر على مدح الجوع فقط، ولا يدعوه إلى الاعتدال؛ فإنه يقصر لا محالة عما يدعوه إليه، فينبغي أن يدعوه إلى غاية الجوع حتى يتيسر له الاعتدال) فيما بعد، (ولا يذكر له أن العارف الكامل يستغني عن الرياضة) وتهذيب الأخلاق؛ (فإن الشيطان يجد لذلك من قلبه متعلقا، فيلقي إليه كل ساعة: إنك عارف كامل، وما الذي فاتك من المعرفة والكمال؟) فيقع المريد في غرور عظيم، ولا يجيء منه شيء في الطريق، (بل كان عادة) أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد (الخواص) رحمه الله تعالى من أقران الجنيد، مات بالري سنة 291، (أن يخوض مع المريد في كل رياضة يأمره بها؛ كي لا يخطر بباله أن الشيخ لم) أي: لأي شيء، (يأمره بما لم يفعل، فينفره ذلك من رياضته) ، فكان يفعل ذلك الشيخ؛ دفعا لنفوره، وقطعا لما يخطر في باله، ( والقوي الشديد إذا شغل بالرياضة وإصلاح الغير، لزمه النزول إلى حد الضعفاء ؛ تشبها بهم، وتلطفا في) حسن (سياقهم إلى السعادة، وهذا ابتلاء عظيم للأنبياء والأولياء) ، ومن على قدمهم، وقد خفي ذلك على كثيرين، فلم يحيطوا به علما .

( وإذا كان حد الاعتدال خفيا في حق كل شخص، فالحزم والاحتياط ينبغي ألا يترك في كل حال ) حتى يقع على حد الاعتدال، فيتمسك به ويستقيم عليه، (ولذلك أدب عمر رضي الله عنه ولده عبد الله إذ دخل عليه فوجده يأكل لحما مأدوما بسمن) ، أي: مطبوخا به، (فعلاه بالدرة) أي: السوط، (وقال: لا أم لك) لا تفعل هكذا، (كل يوما خبزا ولحما) ، وهما أعلى الطعام والأدم، (ويوما خبزا ولبنا، ويوما خبزا وسمنا، ويوما خبزا وزيتا) ، وهؤلاء الثلاثة من أغلى الطعام وأوسط الأدم، (ويوما خبزا وملحا) ، وهما من أعلى الطعام وأدنى الإدام، (ويوما خبزا قفارا) أي: وحده بلا إدام، (وهذا هو الاعتدال، فأما المواظبة على اللحم) في كل يوم، (و) على (الشهوات) كالفواكه وغيرها (فإفراط وإسراف) منهي عنهما، ( ومهاجرة اللحم بالكلية إقتار ) ، وهو أيضا منهي عنه، (وهذا قوام بين ذلك) قال الله تعالى: وكان بين ذلك قواما ، والله أعلم .




الخدمات العلمية