الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأما الأخبار فمنها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : في خطبة خطبها أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل ، إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده وروي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى : لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، فقال : يا أبا ثعلبة ، مر بالمعروف وانه عن المنكر، فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بنفسك ، ودع عنك العوام؛ إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم ، للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم . قيل : بل منهم يا رسول الله . قال لا : بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانا، ولا يجدون عليه أعوانا .

.

وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن تفسير هذه الآية ، فقال : إن هذا ليس زمانها ، إنها اليوم مقبولة ، ولكن قد أوشك أن يأتي زمانها ، تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا ، وتقولون فلا يقبل منكم ، فحينئذ عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم .

.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتأمرن بالمعروف وتنهن ، عن المنكر ، أو ليسلطن الله عليكم شراركم ، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم .

معناه : تسقط مهابتهم من أعين الأشرار ، فلا يخافونهم .

وقال صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس ، إن الله يقول : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم .

وقال صلى الله عليه وسلم : ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي ، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي .

وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى ليسأل العبد : ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره ؟ فإذا لقن الله العبد حجته قال : رب ، وثقت بك وفرقت من الناس .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياكم والجلوس على الطرقات . قالوا : ما لنا بد ؛ إنما هي مجالسنا نتحدث فيها . قال : فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وقال صلى الله عليه وسلم: كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا أمرا بمعروف ، أو نهيا عن منكر ، أو ذكرا لله تعالى .

.

وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه .

وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كيف أنتم إذا طغى نساؤكم ، وفسق شبانكم ، وتركتم جهادكم؟ قالوا وإن : ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده ، وأشد منه سيكون . قالوا : وما أشد منه يا رسول الله ؟ : كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ، ولم تنهوا عن منكر ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون . قالوا : وما أشد منه ؟ : كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال نعم : والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون . قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون ، يقول الله تعالى : بي حلفت ، لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران .

وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقفن عند رجل يقتل مظلوما؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه ، ولا تقفن عند رجل يضرب مظلوما ؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه .

قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به؛ فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له .

وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره فإنه قال : اللعنة تنزل على من حضر ، ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة ؛ اعتذارا بأنه عاجز ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير ، وهذا يقتضي لزوم الهجر للخلق ولهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما ساح السواح وخلوا دورهم وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر ، والخير قد اندرس ، ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تعتريهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ، ثم قرأففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ، قال : ففر قوم ، فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة من السر ; لقلنا : ما هم بأفضل من هؤلاء فيما بلغنا أن الملائكة عليهم السلام لتلقاهم وتصافحهم ، والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها ، فتجيبه ويسألها أين أمرت ؟ فتخبره ، وليس بنبي .

وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حضر معصية ، فكرهها ، فكأنه غاب عنها ، ومن غاب عنها فأحبها ، فكأنه حضرها .

ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة أو يتفق جريان ذلك يديه فأما الحضور قصدا فممنوع ، بدليل الحديث الأول .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بعث الله عز وجل نبيا إلا وله حواري فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله تعالى يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره ، حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وبسنة نبيهم ، فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رءوس المنابر يقولون ، ما يعرفون ، ويعملون ما ينكرون ، فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك إسلام .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه : كان أهل قرية يعملون بالمعاصي ، وكان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون ، فقام أحدهم فقال : إنكم تعملون كذا وكذا فجعل ينهاهم ويخبرهم بقبيح ما يصنعون ، فجعلوا يردون عليه ولا يرعوون عن أعمالهم فسبهم فسبوه ، وقاتلهم فغلبوه فاعتزل ثم قال : اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ، وسببتهم فسبوني ، وقاتلتهم فغلبوني . ثم ذهب ، ثم قام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه ، فسبهم فسبوه فاعتزل ثم قال : اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ، وسببتهم فسبوني ، ولو قاتلتهم لـغلبوني ثم ذهب ثم قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه ، فاعتزل ثم قال : اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ، ولو سببتهم لسبوني ، ولو قاتلتهم لغلبوني . ثم ذهب، ثم قام الرابع فقال : اللهم إني لو نهيتهم لعصوني ، ولو سببتهم لسبوني ، ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب . قال ابن مسعود رضي الله عنه : كان الرابع أدناهم منزلة ، وقليل فيكم مثله .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما قيل : يا رسول الله ، أتهلك القرية وفيها الصالحون ؟ قال : نعم . قيل : بم يا رسول الله ؟ قال : بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله تعالى .

وقال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها . فقال يا رب ، إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين . قال : اقلبها عليه وعليهم ؛ فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط .

وقالت عائشة رضي الله عنها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عذب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا عملهم عمل الأنبياء ، قالوا : يا رسول الله ، كيف ؟ قال : لم يكونوا يغضبون لله ، ولا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر .

وعن عروة عن أبيه قال : قال موسى صلى الله عليه وسلم : يا رب ، أي عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يتسرع إلى هواي : كما يتسرع النسر إلى هواه ، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالثدي والذي يغضب إذا أتيت محارمي كما يغضب النمر لنفسه ؛ فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا .

وهذا يدل على فضيلة الحسبة مع شدة الخوف .

وقال أبو ذر الغفاري قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله ، هل من جهاد غير قتال المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم يا أبا بكر ، إن لله تعالى مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء مرزوقين ، يمشون على الأرض ، يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة كما تزينت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ، ومن هم ؟ قال : الآمرون بالمعروف ، والناهون عن المنكر ، والمحبون في الله ، والمبغضون في الله، ثم قال : والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء ، للغرفة منها ثلاثمائة ألف باب، منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور ، وإن الرجل منهم ليزوج بثلاثمائة ألف حوراء ، قاصرات الطرف عين ، كلما التفت إلى واحدة منهن ، فنظر إليها ، تقول له : أتذكر يوم كذا وكذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ؟ كلما نظر إلى واحدة منهن ذكرت له مقاما أمر فيه بمعروف ونهى فيه عن منكر .

وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قلت : يا رسول الله ، أي الشهداء أكرم على الله عز وجل ؟ قال : رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر ، فقتله ؛ فإن لم يقتله فإن القلم لا يجرى عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش .

وقال الحسن البصري رحمه الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ، ونهاه عن المنكر، فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط ، وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر .

التالي السابق


(وأما الأخبار) وهي كثيرة أيضا (فمنها ما روي عن أبي بكر) الصديق (رضي الله عنه أنه قال: في خطبة خطبها) بعد أن استخلف: (يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأولونها على خلاف تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل، إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده) ، هذا الحديث تقدم ذكره في أول كتاب العزلة مبسوطا، بين سياقيهما تفاوت، فإنه سبق له في كتاب العزلة بلفظ: قام أبو بكر خطيبا وقال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وهي يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، وإنكم تضعونها غير موضعها، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب.

وهذا السياق هو الذي أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن حميد والعدني وابن منيع والحميدي في مسانيدهم، والأربعة، وصححه الترمذي وأبو يعلى والكجي في سننهم، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني في الأفراد، وابن منده في غرائب شعبه، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب، والضياء في المختارة، كلهم من طريق قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه.. فذكره، والذي ساقه المصنف هنا هو أقرب إلى حديث جرير البجلي مرفوعا فيما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد : ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي أمنع منه وأعز لا يغيرون عليه، إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب.

ولفظ ابن مردويه من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خطب أبو بكر الناس، فكان في خطبته: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين آمنوا لا تتكلوا على هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ؛ إن الداعر ليكون في الحى فلا يمنعونه، فيعمهم الله بعقاب، وله أيضا من حديث ابن عباس قال: قعد أبو بكر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم سمي خليفة رسول الله، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مد يده فوضعها على المجلس الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عليه من منبره، ثم قال: سمعت الحبيب وهو جالس في هذا المجلس يتأول هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، ثم فسرها، فكان تفسيره لنا أن قال: نعم، ليس من قوم عمل فيهم بمنكر، ويفسد فيهم بقبيح، فلم يغيروه ولم ينكروه، إلا حق على الله أن يعمهم بالعقوبة جميعا، ثم لا يستجاب لهم، ثم أدخل أصبعيه في أذنيه، فقال: إن لا أكون سمعته من الحبيب صمتا.

وأخرج أبو ذر الهروي في الجامع من طريق قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر الصديق وقرأ هذه الآية في المائدة: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ؛ لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم، أو ليعمنكم الله بعقاب، وقد تقدم شيء من ذلك في كتاب العزلة، (وروي عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه) في اسمه أقوال، وهو ممن بايع تحت الشجرة، منسوب إلى جده حسين بن لاي، وذكر في كتاب الحلال والحرام (أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، فقال: يا أبا ثعلبة، مر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع العوام؛ إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم، للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم. قيل: بل منهم يا رسول الله. قال: بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانا، ولا يجدون عليه أعوانا) .

قال العراقي : رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه . اهـ .

قلت: ورواه أيضا ابن جرير والبغوي في معجمه، وابن المنذر وابن أبي [ ص: 7 ] حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب، من طريق أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، عليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم.

وفي رواية للحاكم بعد قوله: "مؤثرة": "وأمرا لا بد لك من طلبه، فعليك نفسك، ودعهم وعوامهم"، وفيه أيضا: "صبر فيهن كقبض على الجمر" .

وقد روي مثل ذلك من حديث معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، الآية، وقال: يا معاذ، مروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل امرئ برأيه، فعليكم أنفسكم، لا يضركم ضلالة غيركم؛ فهو من ورائكم أيام صبر، المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر، فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم. قلت: يا رسول الله، خمسين منهم؟ قال: بل خمسين منكم أنتم.

أخرجه ابن مردويه (وسئل ابن مسعود) رضي الله عنه (عن تفسير هذه الآية، فقال: إن هذا ليس زمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكن قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا، وتقولون فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ ، كلهم من طريق الحسن عنه أنه سأله رجل عن قوله: عليكم أنفسكم ، فقال: أيها الناس، إنه ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا. أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم ، الآية.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عنه في قوله تعالى: عليكم أنفسكم ، الآية، قال: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السيف والسوط، فإذا كان ذلك كذلك فعليكم أنفسكم.

وروي مثله عن الضحاك عن ابن عباس ، أخرجه ابن جرير من طريق جويبر عنه، وأخرج عبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن، وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق أبي العالية قال: كنا عند ابن مسعود ، فوقع بين رجلين بعض ما يكون بين الناس حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك؛ فإن الله تعالى يقول:عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ، فسمعها ابن مسعود، فقال: مه، لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل الآية.

وقد روي بمثل تفسير ابن مسعود عن غيره من الصحابة ومن بعدهم، قيل لابن عمر: لو جلست في مثل هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؛ فإن الله قال: عليكم أنفسكم فقال: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا فليبلغ الشاهد الغائب، فكنا نحن الشهود، وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم.

أخرجه ابن جرير وابن مردويه ، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق قتادة عن رجل قال: كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال: أبي بن كعب، فقرأ: عليكم أنفسكم فقال: إنما تأويلها في آخر الزمان .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم جلوس، فقرأ أحدهم: عليكم أنفسكم ، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم .

وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغر القوم، نتذاكر الأمر بالمعروف والنهي [ ص: 8 ] عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول: عليكم أنفسكم ؟ فأقبلوا علي بلسان واحد، فقالوا: أتنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟! حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك انتزعت آية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

وأخرج ابن مردويه من حديث أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لم يجئ تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول أن رجلا سأله عن هذه الآية، فقال: إن تأويل هذه الآية لم يجئ بعد، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك بنفسك، لا يضرك حينئذ من ضل إذا اهتديت، (وقال صلى الله عليه وسلم: لتأمرن بالمعروف، وتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم) .

قال العراقي : رواه البزار من حديث عمر بن الخطاب، والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ، وكلاهما ضعيف، وللترمذي من حديث حذيفة نحوه، إلا أنه قال: أو ليوشكن الله يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم. قال: هذا حديث حسن. اهـ .

قلت: حديث أبي هريرة أخرجه الخطيب أيضا، وحديث حذيفة أخرجه كذلك أحمد والبيهقي (معناه: تسقط مهابتهم عن أعين الأشرار، فلا يخافونهم) ولا يكون لكلامهم وقع في قلوبهم .

(وقال صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، إن الله تعالى يقول: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجيب لكم) .

قال العراقي : رواه أحمد والبيهقي من حديث عائشة بلفظ: مروا وانهوا .

عند ابن ماجه دون عزوه إلى كلام الله تعالى، وفي إسناده لين. اهـ .

قلت: لفظ ابن ماجه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم .

(وقال صلى الله عليه وسلم: ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي) .

قال العراقي : رواه الديلمي في مسند الفردوس مقتصرا على الشطر الأول من حديث جابر بإسناد ضعيف، وأما الشطر الأخير فرواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية، من رواية يحيى بن عطاء مرسلا، أو معضلا، ولا أدري من يحيى بن عطاء. اهـ .

قلت: لفظ الديلمي: ما أعمال العباد كلهم عند المجاهدين في سبيل الله إلا كمثل خطاف أخذ بمنقاره من ماء البحر.

وهكذا رواه أيضا أبو الشيخ، ابن حبان من حديث أنس ، وأما يحيى بن عطاء فليس له ذكر، ووجد بخط الحافظ ابن حجر في هامش الكتاب: لعله يحيى عن عطاء. قلت: فلا يكون الحديث معضلا، وينظر من يحيى هذا الذي روى عن عطاء.

(وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى ليسأل العبد: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله العبد حجته قال: رب، وثقت بك وفرقت من الناس) أي: خفت منهم. قال العراقي : رواه ابن ماجه بإسناد جيد، وقد تقدم .

(وقال صلى الله عليه وسلم: إياكم والجلوس على الطرقات. قالوا:) يا رسول الله (ما لنا بد؛ إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا ذاك فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر) أي: عن المحارم (وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر) .

قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي سعيد. اهـ .

قلت: وكذلك رواه أحمد وأبو داود ، وعند بعضهم: إياكم والجلوس على الطرقات؛ فإن أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها.. الحديث .

(وقال صلى الله عليه وسلم: كلام ابن آدم كله عليه، لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله تعالى) .

رواه عبد بن حميد والترمذي ، وقال: غريب، وابن ماجه وابن أبي الدنيا في الصمت، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر وابن السني والطبراني في الكبير وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والعسكري في الأمثال، والحاكم والبيهقي ، كلهم من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد بن حسين، قال: دخلت على سفيان الثوري نعوده ومعنا سعيد بن حسان المخزومي، فقال له سفيان: أعد علي الحديث الذي كنت حدثتنيه [ ص: 9 ] عن أم صالح. قال: حدثتني أم صالح بنت صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فساقه، فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان: وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله عز وجل، أما سمعت الله عز وجل يقول: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ؟ فهو هذا بعينه الحديث، وقد تقدم في كتاب العلم .

(وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه) .

قال العراقي : رواه أحمد من حديث عدي بن عميرة، وفيه من لم يسم، والطبراني من حديث أخيه العرس بن عميرة، وفيه من لم أعرفه. اهـ .

قلت: ولفظ أحمد: لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يرى المنكر بين ظهرانيهم.. وفي آخره: فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة.

وأخرجه الخطيب في رواة مالك من طريق ابن مسلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

(وروى أبو أمامة) عدي بن عجلان (الباهلي) رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كيف أنتم إذا طغى نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: إن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده، وأشد منه سيكون. قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف، ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه. قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون. قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، يقول الله تعالى: بي) أي: بعظمتي وجلالي (حلفت، لأتيحن) أي: لأقدرن (لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران) .

قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا بإسناد ضعيف، دون قوله: "إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف"، ورواه أبو يعلى من حديث أبي هريرة مقتصرا على الأسئلة الثلاثة الأول وأجوبتها، دون الآخرين، وإسناده ضعيف أيضا. اهـ .

قلت: وقد أخرج أبو عثمان الصابوني في المئتين حدثنا حديثا عن أنس يشبه سياقه، إلا أن المراجعة فيه من سلمان، وهو طويل جدا قد أمليته في جملة الأمالي الشيخونية (وعن عكرمة عن ابن عباس ) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقفن عند رجل يقتل مظلوما؛) أي: من غير وجه شرعي (فإن اللعنة تنزل على من حضر حين لم يدفعوا، ولا تقفن عند رجل يضرب مظلوما؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه) .

قال العراقي : رواه الطبراني بسند ضعيف، والبيهقي في شعب الإيمان بسند حسن .

(قال) ابن عباس (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به؛ فإنه لم يقدم أجله ولم يحرمه رزقا هو له) .

قال العراقي : رواه البيهقي من حديث ابن عباس بسند الحديث الذي قبله .

وروى الترمذي وحسنه، وابن ماجه من حديث أبي سعيد: لا يمنعن رجلا هيبته للناس أن يقول الحق إذا علمه. اهـ .

(وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة) أي: مساكنهم ومجامعهم، (وحيث يشاهد المنكر ولا يقدر على تغييره) بيده، أو بلسانه؛ (فإنه قال: اللعنة تنزل على من حضره، ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة؛ اعتذارا بأنه عاجز) عن دفعه، (ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة) عن الناس؛ (لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع) والحمامات (وعجزهم [ ص: 10 ] عن التغيير، وهذا يقتضي الهجرة للخلق) أي: مهاجرتهم (ولهذا قال عمر بن عبد العزيز) الأموي رحمه الله تعالى: (ما ساح السواح في الأرض وخلوا دورهم وأولادهم) أي: تركوها بما فيها، وتركوا العيال (إلا لمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر، والخير قد اندرس، ورأوا أنه لا يقبل ممن يتكلم) أي: بالحق، (ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تغير بهم) أي: على يدهم، (وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه) لكونهم معهم، (فرأوا أن مجاورة السباع) الضارية في الأجمات، (وأكل البقول) المباحة (خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم، ثم قرأ) قوله تعالى: ( ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ، قال: ففر قوم، فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة) من السر (ما جعل; لقلنا: ما هم بأفضل من هؤلاء فيما بلغنا أن الملائكة) عليهم السلام (لتتلقاهم، فتصافحهم، والسحاب والسباع يمر بأحدهم فيناديهم، فتجيبه ويسألها) ، إلا السحاب (أين أمرت؟ فتخبره، وليس بنبي) أخرجه أبو نعيم في الحلية .

(وقال أبو هريرة ) رضي الله عنه (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حضر معصية، فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها فأحبها، فكأنه حضرها) .

قال العراقي : رواه ابن عدي ، وفيه يحيى بن سليمان، قال البخاري : منكر الحديث، ولأبي داود من حديث العرس ابن عميرة. اهـ .

قلت: ومن حديث أبي هريرة رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورواه أيضا البيهقي وضعفه، ولفظهم في الموضعين: "فكأنما" بدل "فكأنه" (ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة) داعية، (أو يتفق جريانه بين يديه) من غير أن يكون له علم بذلك (فأما الحضور قصدا فممنوع، بدليل الحديث الأول .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بعث الله عز وجل نبيا إلا وله حواري) أي: أنصار (فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله يعمل بكتاب الله وبأمره، حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وسنة نبيهم، فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رؤوس المنابر، ويقولون ما يعرفون، ويعملون ما ينكرون، فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ليس وراء ذلك إسلام) قال العراقي : رواه مسلم نحوه. اهـ .

قلت: وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري رفعه، فيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه بلفظ: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان .

وقد رواه كذلك الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وابن حبان ، ورواه النسائي بلفظ: من رأى منكرا، فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان .

وسيأتي للمصنف في الباب الثاني (وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كان) فيمن مضى (أهل قرية يعملون بالمعاصي، وكان فيهم أربعة نفر ينكرون) عليهم (بما يعملون، فقام أحدهم فقال: إنكم تعملون كذا وكذا) يعني المعاصي، (فجعل ينهاهم ويخبرهم بقبيح ما يصنعون، فجعلوا يردون عليه ولا يرعوون) أي: لا ينكفون (عن أعمالهم) القبيحة (فسبهم) بلسانه (فسبوه، وقاتلهم) بيده (فغلبوه) ، فاعتزل عنهم (ثم قال: اللهم إني قد نهيتهم) عن المعاصي (فلم يطيعوني، وسببتهم فسبوني، وقاتلتهم فغلبوني. ثم ذهب، ثم قام الآخر فنهاهم فلم يطيعوه، فسبهم فاعتزل) عنهم (ثم قال: [ ص: 11 ] اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني، وسببتهم فسبوني، ولو قاتلتهم غلبوني) وفي نسخة لقاتلوني، (ثم قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه، فاعتزل) عنهم (ثم قال: اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني، ولو سببتهم لسبوني، ولو قاتلتهم غلبوني. ثم ذهب، ثم قام الرابع فقال: اللهم إني لو نهيتهم عصوني، ولو سببتهم لسبوني، ولو قاتلتهم غلبوني. قال ابن مسعود:) بعد أن ساق حديثهم (كان الرابع أدناهم منزلة، وقليل فيكم مثله) .

وقد روي عن ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل الآية، ما يقارب هذا السياق، تقدمت الإشارة إليه .

وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، (وقال ابن عباس ) رضي الله عنه (قيل: يا رسول الله، أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال: نعم. قيل: بم يا رسول الله؟ قال: بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله تعالى) .

قال العراقي : رواه البزار والطبراني بسند ضعيف (وقال جابر بن عبد الله ) الأنصاري رضي الله عنه: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها. قال) الراوي: (فقال) الملك: (يا رب، إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين. قال: اقلبها عليه وعليهم؛ فإن وجهه لم يتغير في ساعة قط) ، وفي نسخة لم يتمعر .

قال العراقي : رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب، وضعفه، وقال: المحفوظ من قول مالك بن دينار .

(وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عذب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا عملهم عمل الأنبياء، قالوا: يا رسول الله، كيف؟ قال: لم يكونوا يغضبون لله عز وجل، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر) . قال العراقي : لم أقف عليه مرفوعا .

وروى ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن إبراهيم بن عمر والصغاني: أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم. قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، فكانوا يؤاكلونهم، ويشاربونهم. اهـ .

قلت: وجد بخط الحافظ ابن حجر في هامش الكتاب ما لفظه هذا، ذكره الغزالي في الباب الذي بعد هذا، وأغفل الشيخ التنبيه عليه .

قلت: قد ذكر هذه القصة في الآثار كما سيأتي قريبا .

(وعن عروة) بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي أبي عبد الله المدني الفقيه (عن أبيه) أحد العشرة المبشرة رضي الله عنه (قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يتسارع إلى هواي: كما يتسارع النسر) ، وفي بعض النسخ: النسيم (إلى هواه، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالثدي) ، أي: ثدي أمه، وفي نسخة: بالناس (والذي يغضب إذا أتيت محارمي كما يغضب النمر لنفسه؛ فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا) .

رواه الطبراني في الأوسط (وهذا يدل على فضيلة الحسبة مع شدة الخوف) أي: كلما كان الخوف على النفس شديدا، كانت فضيلة الحسبة أكثر .

(وقال أبو ذر) جندب بن جنادة (الغفاري) رضي الله عنه (قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، هل من جهاد غير قتال المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم يا أبا بكر، إن لله تبارك وتعالى مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء يرزقون، يمشون على الأرض، يباهي الله عز وجل بهم الملائكة، ويزين لهم الجنة كما تزينت أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ومن هم؟ قال: هم الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، والمحبون في الله تعالى، والمبغضون في الله تعالى. قال: والذي نفسي [ ص: 12 ] بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء، للغرفة منها ثلاثمئة ألف باب، منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور، وإن الرجل منهم ليزوج ثلاثمئة ألف حوراء، قاصرات الطرف عين، كلما التفت إلى واحدة منهن، فنظر إليها، تقول له: أتذكر يوم كذا وكذا أمرت فيه بالمعروف، ونهيت عن المنكر؟ كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أمر فيه بمعروف ونهى عن منكر) .

قال العراقي : الحديث بطوله لم أقف له على أصل، وهو منكر .

(وعن أبي عبيدة بن الجراح) رضي الله عنه، وهو أحد العشرة المبشرة (قلت: يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله تعالى؟ قال: رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، فقتله؛ فإن لم يقتله فإن القلم لا يجري عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش) . قال العراقي : رواه البزار إلى قوله: "فقتله"، وهذه الزيادة منكرة، وفيه أبو الحسن، غير منسوب، لا يعرف. اهـ .

قلت: وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي عبيدة بن الجراح مرفوعا: قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار، فقام مئة واثنا عشر رجلا من عبادهم، فأمروهم ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا في آخر النهار، فهم الذين ذكرهم الله تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل الآيات .

(وقال الحسن البصري) رحمه الله تعالى مرسلا: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، فقتله على ذلك، فهو الشهيد، منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر) . قال العراقي : لم أره من حديث الحسن، وللحاكم في المستدرك، وصحح إسناده من حديث جابر: سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. اهـ .

قلت: وكذلك رواه الخطيب في التاريخ، والضياء في المختارة من حديث جابر.

(وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بئس القوم لا يأمرون بالقسط، وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر) .

قال العراقي : رواه أبو الشيخ ابن حبان من حديث جابر بسند ضعيف، وأما حديث عمر فأشار إليه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بقوله: وفي الباب: ورواه علي بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من حديث الحسن مرسلا. اهـ .

وقد وردت في فضل الأمر بالمعروف أخبار كثيرة توجد مفرقة في كتب الحديث، وقد اعتنى بجمعها جماعة من المحدثين، منهم الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا، فأتى بما لا مزيد عليه، فمن أراد الزيادة فعليه بكتاب الأمر بالمعروف، له .




الخدمات العلمية