الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الشرط الثالث : وهو العدالة ، فقد اعتبرها قوم وقالوا : ليس للفاسق أن يحتسب وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ، وقوله تعالى : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : كنا نأمر بالخير ولا نأتيه ، وننهى عن الشر ونأتيه .

وبما روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم عظ نفسك ؛ فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحي مني .

وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره ومتى يستقيم الظل والعود أعوج وكل ما ذكروه خيالات وإنما الحق أن للفاسق أن يحتسب ، وبرهانه هو أن نقول : هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع ثم حسم لباب الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم والأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا ، والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية وكذا جماعة من الأنبياء .

ولهذا قال سعيد بن جبير إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء ، لم يأمر أحد بشيء فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير وإن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر حتى يجوز للابس الحرير أن يمنع من الزنا وشرب الخمر فنقول: وهل لشارب الخمر أن يغزو الكفار، ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر ؟ فإن قالوا : لا خرقوا الإجماع ؛ إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشارب الخمر وظالم الأيتام ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعده فإن قالوا : نعم فنقول : شارب الخمر هل له المنع من القتل أم لا ؟ فإن قالوا : لا ، قلنا : فما الفرق بينه وبين لابس الحرير إذ جاز له المنع من الخمر ، والقتل كبيرة بالنسبة إلى الشرب ، كالشرب بالنسبة إلى لبس الحرير ، فلا فرق ، وإن قالوا : نعم وفصلوا الأمر فيه بأن كل مقدم على شيء فلا يمنع عن مثله ولا عما دونه ، وإنما يمنع عما فوقه ، فهذا تحكم فإنه كما لا يبعد أن يمنع الشارب من الزنا والقتل ، فمن أين يبعد أن يمنع الزاني من الشرب ؟ بل من أين يبعد أن يشرب ويمنع غلمانه وخدمه من الشرب ويقول : يجب علي الانتهاء والنهي ؟ فمن أين يلزمني من العصيان بأحدهما أن أعصي الله تعالى بالثاني وإذا كان النهي واجبا علي فمن أين يسقط وجوبه بإقدامي؟ إذ يستحيل أن يقال: يجب النهي عن شرب الخمر عليه ما لم يشرب ، فإذا شرب سقط النهي فإن قيل : فيلزم على هذا أن يقول القائل : الواجب علي الوضوء والصلاة ، فأنا أتوضأ وإن لم أصل وأتسحر وإن لم أصم؛ لأن المستحب لي السحور والصوم جميعا ولكن يقال : أحدهما مرتب على الآخر ، فكذلك تقويم الغير مرتب على تقويمه بنفسه فليبدأ بنفسه ثم بمن يعول والجواب أن التسحر يراد للصوم ولولا الصوم لما كان التسحر مستحبا وما يراد لغيره لا ينفك عن ذلك الغير ، وإصلاح الغير لا يراد لإصلاح النفس ، ولا إصلاح النفس لإصلاح الغير ، فالقول بترتب أحدهما على الآخر تحكم وأما الوضوء والصلاة فهو لازم ، فلا جرم أن من توضأ ولم يصل كان مؤديا أمر الوضوء وكان عقابه أقل من عقاب من ترك الصلاة والوضوء جميعا ، فليكن من ترك النهي والانتهاء أكثر عقابا ممن نهى ولم ينته كيف والوضوء شرط لا يراد لنفسه ، بل للصلاة ؟ فلا حكم له دون الصلاة، وأما الحسبة فليست شرطا في الانتهاء والائتمار فلا مشابهة بينهما ، فإن قيل : فيلزم على هذا أن يقال : إذا زنى الرجل بامرأة ، وهي مكرهة مستورة الوجه ، فكشفت وجهها باختيارها ، فأخذ الرجل يحتسب في أثناء الزنا ، ويقول: أنت مكرهة في الزنا ومختارة في كشف الوجه لغير محرم وها أنا غير محرم لك فاستري وجهك فهذا احتساب شنيع يستنكره قلب كل عاقل ، ويستشنعه كل طبع سليم فالجواب أن الحق قد يكون شنيعا وأن الباطل قد يكون مستحسنا بالطباع ، والمتبع الدليل دون نفرة الأوهام والخيالات ، فإنا نقول : قوله لها في تلك الحالة : لا تكشفي وجهك واجب أو مباح أو حرام فإن قلتم : إنه واجب فهو الغرض لأن الكشف معصية ، والنهي عن المعصية حق ، وإن قلتم : إنه مباح فإذن له أن يقول ما هو مباح ، فما معنى قولكم : ليس للفاسق الحسبة؟ وإن قلتم: إنه حرام ، فنقول وكان : هذا واجبا ، فمن أين حرم بإقدامه على الزنا؟ ومن الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب ارتكاب حرام آخر ، وأما نفرة الطباع عنه واستنكارها له فهو لسببين ، أحدهما أنه ترك الأهم واشتغل بما هو مهم وكما أن الطباع تنفر عن ترك المهم إلى ما لا يعني فتنفر عن ترك الأهم والاشتغال بالمهم كما تنفر عمن يتحرج عن تناول طعام مغصوب وهو مواظب على الربا وكما تنفر عمن يتصاون عن الغيبة ويشهد بالزور ؛ لأن الشهادة بالزور أفحش وأشد من الغيبة التي هي إخبار عن كائن يصدق فيه المخبر، وهذا الاستبعاد في النفوس لا يدل على أن ترك الغيبة ليس بواجب ، وأنه لو اغتاب أو أكل لقمة من حرام لم تزد بذلك عقوبته، فكذلك ضرره في الآخرة من معصيته أكثر من ضرره من معصية غيره، فاشتغاله عن الأقل بالأكثر مستنكر في الطبع ، من حيث إنه ترك الأكثر، لا من حيث إنه أتى بالأقل، فمن غصب فرسه ولجام فرسه فاشتغل بطلب اللجام وترك الفرس نفرت عنه الطباع ويرى مسيئا إذ قد صدر منه طلب اللجام ، وهو غير منكر ، ولكن المنكر تركه لطلب الفرس بطلب اللجام ، فاشتد الإنكار عليه لتركه الأهم بما دونه ، فكذلك حسبة الفاسق تستبعد من هذا الوجه ، وهذا لا يدل على أن حسبته من حيث إنها حسبة مستنكرة .

التالي السابق


(وأما الشرط الثالث، وهو العدالة، فقد اعتبرها قوم) من العلماء، (وقالوا: ليس للفاسق أن يحتسب) أي: ليس بأهل لذلك، (وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد) في الآيات والأخبار (على من يأمر بما لا يفعله) هو (مثل قوله تعالى: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ، وقوله تعالى: كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ففيهما وعيد شديد ونكير وتهديد على من يأمر بشيء ولا يأتي به، (وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض) أي: تقطع (شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه، وننهى عن الشر ونأتيه) .

وفي رواية: فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون .

رواه كذلك الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية أيضا من حديث أنس ، وقد تقدم الكلام عليه في كتاب العلم .

(وبما روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام) يا عيسى (عظ نفسك؛ فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني) أخرجه أبو نعيم في الحلية، فقال: حدثنا الحسين بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن محمد بن معاوية حدثنا سليمان بن داود القزاز حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام.. فذكره .

(وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير) وإرشاده (فرع للاهتداء) فمن لم يكن مهديا في نفسه فكيف يكون هاديا لغيره، (وكذلك تقويم الغير فرع الاستقامة) فالمستقيم في نفسه يمكن أن يقوم غيره، (والإصلاح) للغير (زكاة عن نصاب الصلاح) في النفس، (فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره) هذا كقولهم: (متى يستقيم الظل والعود أعوج) هو مصراع بيت من بحر الطويل، والأثر تابع للمؤثر لا محالة، (وكل ما ذكروه) من هذا الجنس من الأدلة (خيالات) وتخبيطات، (وإنما الحق) الصريح (أن للفاسق أن يحتسب، وبرهانه هو أن نقول: هل يشترط في الاحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها) دقيقها وجليلها (فإن شرط ذلك فهو خرق للإجماع) أولا (ثم حسم لباب الاحتساب) وسدله؛ (إذ لا عصمة للصحابة) رضوان الله عليهم، وهم أشرف الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم (فضلا عمن دونهم) في المقام والرتبة، (والأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا، والقرآن دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية) كقوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى ، (وكذا جماعة من الأنبياء عليهم السلام) كداود عليه السلام، وكإخوة يوسف الصديق عليهم السلام، على القول بنبوتهم، وقد عقد القاضي عياض في كتابه "الشفاء" فصلا لإثبات عصمتهم وأنه مذهب أهل السنة والجماعة، وكذا أبو الحجاج البلوي في كتابه "ألف باء" وأجابوا عما وقع في القرآن في المواضع التي وقع فيها نسبتهم إلى المعاصي، فالأنبياء معصومون، والأولياء محفوظون، وقال الراغب: العصمة فيض إلهي يقوى به الإنسان على تحري الخير، وتجنب الشر؛ حتى يصير كمانع له من باطنه، وإن لم يكن منعا محسوسا، وإياه عنى بقوله تعالى: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ، وقد روي أن يوسف عليه السلام رأى صورة أبيه وهو عاض على إبهامه، فأحجم، وليس ذلك بمانع ينافي التكليف كما توهمه بعض المتكلمين؛ فإن ذلك كان تصورا منه وتذكرا لما كان قد حذره منه، وعلى هذا قال: لنصرف عنه السوء والفحشاء ، ومن عصمة الله تعالى أن يكرر الوعيد على من يريد عصمته؛ لئلا يغفل ساعة عن مراعاة نفسه. اهـ .

وقد تطلق العصمة ويراد بها الحفظ، وعليه خرجوا قول أبي الحسن الشاذلي - قدس سره- في حزبه الصغير: نسألك العصمة في الحركات.. إلخ. أي: الحفظ من الوقوع في المعاصي، وفيه كلام أوردته في شرحي على الحزب الكبير له، فراجعه .

(ولهذا قال سعيد بن جبير) التابعي رحمه الله تعالى (إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء، لم يأمر أحد بشيء) ؛ فإنه ما منا من لا يكون فيه شيء (فأعجب مالكا) ابن أنس الإمام رحمه الله تعالى (ذلك) القول (من سعيد بن [ ص: 16 ] جبير) أي: استحسنه، (وإن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر حتى يجوز للابس الحرير) وهو محرم (أن يمنع من الزنا وشرب الخمر) وهما أيضا محرمان، (فنقول: هل لشارب الخمر أن يغزو الكفار ويقاتلهم، ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر؟ فإن قالوا: لا) ، فقد (خرقوا الإجماع؛ إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشاربي الخمر وظالمي الأيتام، و) مع ذلك (لم يمنعوا من الغزو) مع الكفار (لا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعده) في عصر الخلفاء الراشدين وبعد عصرهم إلى زماننا هذا (فإن قالوا: نعم) له ذلك (فنقول: شارب الخمر هل له المنع من القتل أو لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فما الفرق بينه وبين لابس الحرير إذ جاز له المنع من الخمر، والقتل كبيرة بالنسبة إلى الشرب، كالشرب) كبيرة (بالنسبة إلى لبس الحرير، فلا فرق، وإن قالوا: نعم) له المنع من القتل، (وفصلوا الأمر فيه بأن كل مقدم) على شيء فلا يمنع غيره (عن مثله ولا عما دونه، وإنما يمنع عما فوقه، فهذا تحكم) بلا دليل، (فإنه كما لا يبعد أن يمنع الشارب من الزنا والقتل، فمن أين يبعد أن يمنع الزاني من الشرب؟ بل من أين يبعد أن يشرب ويمنع غلمانه وخدمه من الشرب ويقول: يجب علي الانتهاء والنهي؟ فمن أين يلزمني بالعصيان في أحدهما أن أعصي الله بالثاني؛ إذ كان النهي واجبا علي؟ فمن أين يسقط وجوبه بإقدامي) على الشرب، (إذ يستحيل أن يقال: يجب النهي عن شرب الخمر عليه ما لم يشرب، فإذا شرب سقط عنه النهي) ، ولم يقل به أحد (فإن قيل: فيلزم على هذا أن يقول القائل: الواجب علي الوضوء والصلاة، فأنا أتوضأ وإن لم أصل، و) كذلك في الصوم والسحور، (فأنا أتسحر وإن لم أصم؛ لأن المستحب لي السحور والصوم جميعا) ، وهذا في التطوع (ولكن يقال: أحدهما مرتب على الآخر، فكذلك تقويم الغير) وإصلاحه (مرتب على تقويم نفسه) وإصلاحها (فليبدأ) بنفسه في التقويم (ثم بمن يعول) يشير إلى الخبر المشهور في النفقة: ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول، (والجواب) عن هذا (أن التسحر) إنما يراد للصوم (ولولا الصوم لما كان التسحر محبوبا) ومطلوبا، (وما يراد لغيره لا ينفك عن ذلك الغير، وإصلاح الغير لا يراد لإصلاح النفس، ولا إصلاح النفس) يراد (لإصلاح الغير، فالقول بترتب أحدهما على الآخر تحكم) محض، (وأما الوضوء والصلاة فهو لازم، فلا جرم من توضأ ولم يصل كان مؤديا أمر الوضوء) فقط، (وكان عقابه أقل من عقاب من ترك الوضوء والصلاة جميعا، فليكن) على هذا (من ترك النهي والانتهاء أكثر عقابا ممن نهى) غيره، (ولم ينته) بنفسه (كيف والوضوء شرط لا يراد لنفسه، بل للصلاة؟ فلا حكم له دون الصلاة، فأما الحسبة فليست شرطا في الانتهاء والائتمار) فافترقا (فلا مشابهة بينهما، فإن قيل: فيلزم على هذا أن يقال: إذا زنا الرجل بامرأة، وهي مكرهة) أي: أكرهها على الفعل بها (مستورة الوجه، فكشفت وجهها باختيارها، فأخذ الرجل يحتسب في أثناء الزنا، ويقول: أنت مكرهة في الزنا ومختارة في كشف الوجه لغير محرم، وما أنا بمحرم لك، فاستري وجهك) عني (فهذا احتساب شنيع يستنكره قلب كل عاقل، ويستشنعه كل طبع سليم [ ص: 17 ] والجواب) عن هذا (أن الحق قد يكون شنيعا) مستقبحا (وأن الباطل قد يكون مستحسنا بالطباع، والمتبع الدليل دون نفرة الأوهام والخيالات، فإنا نقول: قوله لها في تلك الحالة: لا تكشفي وجهك) أو: استري وجهك (واجب أو مباح أو حرام) لا يخلو من أحد الثلاثة (فإن قلتم: إنه واجب فهو الغرض) المطلوب; (لأن الكشف معصية، والنهي عن المعصية حق، وإن قلتم: إنه مباح، فما معنى قولكم: ليس للفاسق الحسبة؟ وإن قلتم: إنه حرام، فنقول: كان هذا واجبا، فمن أين حرم بإقدامه على الزنا؟ ومن الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب الحرام، وأما نفرة الطباع عنه واستنكارها فهو لشيئين، أحدهما أنه ترك الأهم) أي: أشده اهتماما له (واشتغل بما هو مهم) ، فلذلك نفرت عنه الطباع (وكما أن الطباع تنفر عن ترك المهم إلى ما لا يعنى) أي: ما لا يعتنى به، (فتنفر عن ترك الأهم والاشتغال بالمهم) ، وفرق بين المهم والأهم كما أنه فرق بين المهم وبين غير المهم (كما تنفر عمن يتحرج عن تناول طعام مغصوب وهو مواظب على الربا) ، وفي نسخة على الزنا، (وكما تنفر عمن يتصاون عن الغيبة) في إخوانه (ويشهد بالزور؛ لأن الشهادة بالزور أشد وأفحش من الغيبة التي هي إخبار عن كائن يصدف فيه المخبر، وهذا الاستبعاد في النفوس لا يدل على أن ترك الغيبة ليس بواجب، وأنه لو اغتاب) رجلا، (أو أكل لقمة من حرام لم تزد بذلك عقوبته، فكذلك ضرره في الآخرة من معصيته أكثر من ضرره من معصية غيره، فاشتغاله بالأقل عن الأكثر مستنكر بالطبع، من حيث إنه ترك الأكثر، لا من حيث إنه أتى بالأقل، فمن سرق فرسه ولجام فرسه فاشتغل بطلب اللجام وترك الفرس) ولم يطلبها (نفرت منه الطباع) وأنكرته، (ويرى مسيئا) في فعله (وقد صدر منه طلب اللجام، وهو غير منكر، ولكن المنكر تركه لطلب الفرس بطلب اللجام، فاشتد الإنكار عليه لتركه الأهم بما دونه، فكذلك حسبة الفاسق تستبعد من هذا الوجه، وهذا لا يدل على أن حسبته من حيث إنها حسبة مستنكرة) .




الخدمات العلمية