الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 52 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مِدْرَارًا ) : حَالٌ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَمْ يُؤَنِّثْهُ ; لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ السَّمَاءَ : السَّحَابُ ، فَذَكَرَ مِدْرَارًا عَلَى الْمَعْنَى . وَالثَّانِي : أَنَّ مِفْعَالًا لِلْمُبَالَغَةِ ، وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُؤَنَّثُ وَالْمُذَكَّرُ ، مِثْلُ : فَعُولٍ ، كَصَبُورٍ ، وَفَعِيلٍ ، كَبَغِيٍّ . ( إِلَى قُوَّتِكُمْ ) " إِلَى " هُنَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى ، وَمَعْنَى يَزِدْكُمْ : يُضِفْ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " إِلَى " صِفَةً لِقُوَّةٍ ; فَتَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ ; أَيْ قُوَّةً مُضَافَةً إِلَى قُوَّتِكُمْ . قَالَ تَعَالَى : ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ( 53 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ) : يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِجِئْتَ ; وَالتَّقْدِيرُ : مَا أَظْهَرْتَ بَيِّنَةً . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا ; أَيْ وَمَعَكَ بَيِّنَةٌ ، أَوْ مُحْتَجًّا بِبَيِّنَةٍ . قَالَ تَعَالَى : ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِلَّا اعْتَرَاكَ ) : الْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، تَقْدِيرُهُ : إِنْ نَقُولُ إِلَّا قَوْلًا هُوَ اعْتَرَاكَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهَا نَصْبًا ; أَيْ مَا نَذْكُرُ إِلَّا هَذَا الْقَوْلَ . قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) : أَيْ تَتَوَلَّوْا ، فَحَذَفَ التَّاءَ الثَّانِيَةَ . ( يَسْتَخْلِفُ ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الضَّمِّ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجَوَابِ بِالْفَاءِ . وَقَدْ سَكَّنَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَوْضِعِ ، أَوْ عَلَى التَّخْفِيفِ لِتَوَالِي الْحَرَكَاتِ . قَالَ تَعَالَى : ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ( 60 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ; أَيْ جَحَدُوا رَبَّهُمْ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتَصَبَ لَمَّا حَذَفَ الْبَاءَ وَقِيلَ : التَّقْدِيرُ : كَفَرُوا نِعْمَةَ رَبِّهِمْ ; أَيْ بَطَرُوهَا . قَالَ تَعَالَى : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( غَيْرَ تَخْسِيرٍ ) : الْأَقْوَى فِي الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ " غَيْرَ " هُنَا اسْتِثْنَاءً فِي الْمَعْنَى ; وَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِتَزِيدُونَنِي ; أَيْ فَمَا تَزِيدُونَنِي إِلَّا تَخْسِيرًا . وَيَضْعُفُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ ; إِذِ التَّقْدِيرُ : فَمَا تَزِيدُونَنِي شَيْئًا غَيْرَ تَخْسِيرٍ ، وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْنَى . قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّهُ مُعْرَبٌ ، وَانْجِرَارُهُ بِالْإِضَافَةِ . وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ مَعَ " إِذْ " لِأَنَّ " إِذْ " مَبْنِيٌّ ، وَظَرْفُ الزَّمَانِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى مَبْنِيٍّ جَازَ أَنْ يُبْنَى لِمَا فِي الظُّرُوفِ مِنَ الْإِبْهَامِ ; وَلِأَنَّ الْمُضَافَ يَكْتَسِبُ كَثِيرًا مِنْ أَحْوَالِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ; كَالتَّعْرِيفِ ، وَالِاسْتِفْهَامِ ، وَالْعُمُومِ ، وَالْجَزَاءِ . وَأَمَّا " إِذْ " فَقَدَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا . قَالَ تَعَالَى : ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( 67 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ) : فِي حَذْفِ التَّاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ . وَالثَّانِي : أَنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الصَّيْحَةَ بِمَعْنَى الصِّيَاحِ ، فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى . قَالَ تَعَالَى : ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ( 68 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْأَعْرَافِ . ( لِثَمُودَ ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ ; لِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ ، وَهُوَ حَيٌّ ، أَوْ أَبُو الْقَبِيلَةِ . وَبِحَذْفِ التَّنْوِينِ غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَلَى أَنَّهَا الْقَبِيلَةُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية