الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ ) : فِيهِ أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ؛ أَيْ هُمُ الَّذِينَ ، وَ " هُمْ " يَرْجِعُ عَلَى قَوْلِهِ : ( مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ، وَالْخَبَرُ : " يَطْبَعُ اللَّهُ " وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ مِنْهُمْ . وَ ( كَذَلِكَ ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ؛ أَيِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، وَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضٌ مُسَدَّدٌ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ " كَبُرَ مَقْتًا " أَيْ كَبُرَ قَوْلُهُمْ مَقْتًا . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا ؛ أَيْ مُعَانِدُونَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَالْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( عَلَى كُلِّ قَلْبِ ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ . وَ ( مُتَكَبِّرٍ ) : صِفَةٌ لَهُ ؛ وَالْمُرَادُ صَاحِبُ الْقَلْبِ . وَيُقْرَأُ بِالْإِضَافَةِ ، وَإِضَافَةُ " كُلِّ " إِلَى الْقَلْبِ يُرَادُ بِهَا عُمُومُ الْقَلْبِ لِاسْتِيعَابِ كُلِّ قَلْبٍ بِالطَّبْعِ ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ . قَالَ تَعَالَى : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ( 36 ) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ ( 37 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ) : هُوَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ . ( فَأَطَّلِعَ ) - بِالرَّفْعِ - عَطْفًا عَلَى أَبْلَغُ ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ ؛ أَيْ إِنْ تَبْنِ لِي أَطَّلِعَ . وَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ جَوَابُ لَعَلِّي ؛ إِذْ كَانَ فِي مَعْنَى التَّمَنِّي . قَالَ تَعَالَى : ( وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( تَدْعُونَنِي ) : الْجُمْلَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا بَدَلٌ ، أَوْ تَبْيِينٌ لِتَدْعُونَنِي الْأَوَّلِ . قَالَ تَعَالَى : ( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 44 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي " أَقُولُ " . قَالَ تَعَالَى : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( 46 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ) : فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : هُوَ مُبْتَدَأٌ وَ " يُعْرَضُونَ " : خَبَرُهُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ " سُوءِ الْعَذَابِ " . وَيَقْرَأُ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ " يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا " تَقْدِيرُهُ : يُصْلَوْنَ النَّارَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَلَا مَوْضِعَ لِيُعْرَضُونَ عَلَى هَذَا ، وَعَلَى الْبَدَلِ مَوْضِعُهُ حَالٌ ؛ إِمَّا مِنَ النَّارِ ، أَوْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ . ( أَدْخِلُوا ) : يُقْرَأُ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ يُقَالُ : لِآلِ فِرْعَوْنَ ؛ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ : يَا آلَ فِرْعَوْنَ . وَيُقْرَأُ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ ؛ أَيْ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ . قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ( 47 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَطُوفًا عَلَى " غُدُوًّا " وَأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : وَاذْكُرْ . وَ ( تَبَعًا ) : مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ اسْمِ الْفَاعِلِ . وَ ( نَصِيبًا ) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُغْنُونَ ، تَقْدِيرُهُ : هَلْ أَنْتُمْ دَافِعُونَ عَنَّا أَوْ مَانِعُونَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ ، كَمَا كَانَ شَيْءٌ كَذَلِكَ ؛ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) [ آلِ عِمْرَانَ : 10 ] فَشَيْئًا فِي مَوْضِعِ غَنَاءٍ ؛ فَكَذَلِكَ نَصِيبًا . قَالَ تَعَالَى : ( وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ( 49 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا ؛ أَيْ يُخَفِّفْ عَنَّا فِي يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الْعَذَابِ ؛ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ . وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " مِنْ " زَائِدَةً ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ؛ أَيْ عَذَابَ يَوْمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا ) : [ الْبَقَرَةِ : 48 ] أَيْ عَذَابَ يَوْمٍ . قَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 52 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَا يَنْفَعُ ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ " يَوْمَ يَقُومُ " . قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا الْمُسِيءُ ) : " لَا " زَائِدَةٌ . قَالَ تَعَالَى : ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِذِ الْأَغْلَالُ ) " إِذْ " ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ ، وَالْمُرَادُ بِهَا الِاسْتِقْبَالُ هُنَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) . وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ) [ الْبَقَرَةِ : 165 ] . وَ ( السَّلَاسِلُ ) - بِالرَّفْعِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الْأَغْلَالِ ، وَالْخَبَرُ : " فِي أَعْنَاقِهِمْ " وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ؛ أَيِ السَّلَاسِلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ . وَ " يُسْحَبُونَ " عَلَى هَذَا : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ ، أَوْ مُسْتَأْنَفًا . وَأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ " يُسْحَبُونَ " وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ يُسْحَبُونَ بِهَا . وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ ؛ وَيَسْحَبُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، وَالْمَفْعُولُ هُنَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِعْلِ . قَالَ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ( 78 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا ، وَالْجُمْلَةُ نَعْتٌ لِرُسُلٍ ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا . قَالَ تَعَالَى : ( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ( 81 ) . ( فَأَيَّ ) مَنْصُوبٌ بِـ " تُنْكِرُونَ " . قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 83 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) : " مِنْ " هُنَا بِمَعْنَى الْبَدَلِ ؛ أَيْ بَدَلًا مِنَ الْعِلْمِ ؛ وَتَكُونُ حَالًا مِنْ " مَا " أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّرْفِ . قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ( 85 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( سُنَّتَ اللَّهِ ) : هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ؛ أَيْ سَنَنَّا بِهِمْ سُنَّةَ اللَّهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية