الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                        فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْإِكْرَاهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الْمُكْرِهِ غَالِبًا قَادِرًا عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ ، بِوِلَايَةٍ ، أَوْ تَغَلُّبٍ ، وَفَرْطِ هُجُومٍ ، وَكَوْنُ الْمُكْرَهِ مَغْلُوبًا عَاجِزًا عَنِ الدَّفْعِ بِفِرَارٍ أَوْ مُقَاوَمَةٍ ، أَوِ اسْتِعَانَةٍ بِغَيْرِهِ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِنِ امْتَنَعَ مِمَّا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ ، أَوْقَعَ بِهِ الْمَكْرُوهَ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : لَا إِكْرَاهَ إِلَّا بِأَنْ يُنَالَ بِالضَّرْبِ . وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ ، عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَنْجِيزِ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ بَلْ يَكْفِي التَّوَعُّدُ . وَفِيمَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِهِ إِكْرَاهًا ، سَبْعَةُ أَوْجُهٍ . أَحَدُهَا : الْقَتْلُ فَقَطْ . حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَالْإِمَامُ . وَالثَّانِي : الْقَتْلُ ، أَوْ قَطْعُ طَرَفٍ ، أَوْ ضَرْبٌ يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ . وَالثَّالِثُ : قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَثِيرُونَ : أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَا سَبَقَ أَيْضًا الضَّرْبُ الشَّدِيدُ ، وَالْحَبْسُ ، وَأَخْذُ الْمَالِ ، وَإِتْلَافُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ فِي " الْإِفْصَاحِ " وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَوْ تَوَعَّدَهُ بِنَوْعِ اسْتِخْفَافٍ ، وَكَانَ الرَّجُلُ وَجِيهًا يَغُضُّ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَهُوَ إِكْرَاهٌ . قَالَ هَؤُلَاءِ : فَالضَّرْبُ وَالْحَبْسُ وَالِاسْتِخْفَافُ ، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ . وَالتَّخْوِيفُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَأَخْذِ الْمَالِ ، لَا يَخْتَلِفُ . وَقَالَ الْمَاسَرْجِسِيُّ : يَخْتَلِفُ بِأَخْذِ الْمَالِ ، فَلَا يَكُونُ تَخْوِيفُ الْمُوسِرِ بِأَخْذِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ مِنْهُ إِكْرَاهًا ، قَالَ الرُّويَانِيُّ : هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ ، فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ هِيَ الْمَوْجُودَةُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ . وَأَصَحُّهَا : الثَّالِثُ ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا . وَالرَّابِعُ : أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا خَوَّفَهُ بِمَا يَسْلُبُ الِاخْتِيَارَ ، وَيَجْعَلُهُ كَالْهَارِبِ مِنَ الْأَسَدِ الَّذِي يَتَخَطَّى النَّارَ وَالشَّوْكَ ، وَلَا يُبَالِي ، فَعَلَى هَذَا الْحَبْسُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ . وَكَذَا التَّخْوِيفُ بِالْإِيلَامِ الشَّدِيدِ . قَالَ الْإِمَامُ : لَكِنْ لَوْ فُوتِحَ بِهِ ، احْتُمِلَ جَعْلُهُ إِكْرَاهًا . وَالْخَامِسُ : لَا يُشْتَرَطُ سُقُوطُ الِاخْتِيَارِ ، بَلْ إِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى فِعْلٍ يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ حَذَرًا مِمَّا تَهَدَّدَهُ بِهِ ، حَصَلَ الْإِكْرَاهُ . فَعَلَى هَذَا ، يُنْظَرُ فِيمَا طَلَبَهُ مِنْهُ وَمَا هَدَّدَهُ بِهِ ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إِكْرَاهًا فِي مَطْلُوبٍ دُونَ مَطْلُوبٍ ، وَفِي شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ . فَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الطَّلَاقِ ، حَصَلَ بِالْقَطْعِ وَبِالتَّخْوِيفِ بِالْحَبْسِ الطَّوِيلِ ، وَبِتَخْوِيفِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ بِالصَّفْعِ فِي الْمَلَأِ ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ وَالطَّوْفِ بِهِ فِي السُّوقِ . وَقِيلَ : لَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِالْحَبْسِ وَمَا بَعْدَهُ إِكْرَاهًا ، وَطُرِدَ هَذَا الْخِلَافُ فِي التَّخْوِيفِ بِقَتْلِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ ، أَنَّهُ إِكْرَاهٌ . وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّخْوِيفَ بِإِتْلَافِ الْمَالِ لَيْسَ إِكْرَاهًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى قَتْلٍ فَالتَّخْوِيفُ بِالْحَبْسِ ، وَقَتْلِ الْوَلَدِ ، وَإِتْلَافِ الْمَالِ لَيْسَ إِكْرَاهًا . وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى إِتْلَافِ مَالٍ ، فَالتَّخْوِيفُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِكْرَاهًا . وَقِيلَ : لَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِإِتْلَافِ الْمَالِ إِكْرَاهًا فِي إِتْلَافِ الْمَالِ . الْوَجْهُ السَّادِسُ : أَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّخْوِيفِ بِعُقُوبَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الْمُكْرَهِ ، بِحَيْثُ لَوْ حَقَّقَهَا تَعَلَّقَ بِهِ قِصَاصٌ ، فَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ ، كَأَخْذِ الْمَالِ وَقَتْلِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ ، وَالزَّوْجَةِ ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ ، وَالْحَبْسِ الْمُؤَبَّدِ ، إِلَّا أَنْ يُخَوِّفَهُ بِحَبْسٍ فِي قَعْرِ بِئْرٍ يَغْلِبُ مِنْهُ الْمَوْتُ . وَاخْتَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا . الْوَجْهُ السَّابِعُ : لَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ إِلَّا بِعُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِهِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ ، وَالضَّرْبُ الشَّدِيدُ ، وَالتَّجْوِيعُ وَالتَّعْطِيشُ ، وَالْحَبْسُ الطَّوِيلُ ، وَيَخْرُجُ مَا خَرَجَ عَنِ الْوَجْهِ السَّادِسِ ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ التَّخْوِيفُ بِالِاسْتِخْفَافِ بِإِلْقَاءِ الْعِمَامَةِ وَالصَّفْعِ ، وَمَا يُخِلُّ بِالْجَاهِ . وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، دُخُولَ الْحَبْسِ وَخُرُوجَ قَتْلِ الْوَلَدِ ، وَأَمَّا التَّخْوِيفُ بِالنَّفْيِ عَنِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ، فَكَالْحَبْسِ الدَّائِمِ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : إِكْرَاهٌ ، لِأَنَّ مُفَارَقَةَ الْوَطَنِ شَدِيدَةٌ ، وَلِهَذَا جُعِلَتْ عُقُوبَةً لِلزَّانِي ، وَجَعَلَ الْبَغْوَيُّ التَّخْوِيفَ بِاللِّوَاطِ ، كَالتَّخْوِيفِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ . وَقَالَ : لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِكْرَاهًا عَلَى الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ . وَفِي كَوْنِهِ إِكْرَاهًا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَجْهَانِ . قُلْتُ : الْأَصَحُّ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْمُنْتَشِرِ ، هُوَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ ، لَكِنْ فِي بَعْضِ تَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ . فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُقَالَ : الْإِكْرَاهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَرْعٌ لَا يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِالتَّخْوِيفِ بِعُقُوبَةٍ آجِلَةٍ كَقَوْلِهِ : لَأَقْتُلَنَّكَ غَدًا ، وَلَا بِأَنْ يَقُولَ : طَلِّقِ امْرَأَتَكَ وَإِلَّا قَتَلْتُ نَفْسِي ، أَوْ كَفَرْتُ ، أَوْ أَبْطَلْتُ صَوْمِي أَوْ صَلَاتِي . وَلَا بِأَنْ يَقُولَ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ : طَلِّقِ امْرَأَتَكَ ، وَإِلَّا اقْتَصَصْتُ مِنْكَ . فَرْعٌ لَوْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ الظَّالِمُ بِسَبَبِ غَيْرِهِ وَطَالَبَهُ بِهِ فَقَالَ : لَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ ، أَوْ طَالَبَهُ بِمَالِهِ فَقَالَ : لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدِي ، فَلَمْ يُخَلِّهِ حَتَّى يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ فَحَلَفَ بِهِ كَاذِبًا ، وَقَعَ طَلَاقُهُ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الطَّلَاقِ ، وَإِنَّمَا تَوَصَّلَ بِالْحَلِفِ إِلَى تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهُ اللُّصُوصُ : لَا نُخَلِّيكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنْ لَا تَذْكُرَ مَا جَرَى ، فَحَلَفَ ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ إِذَا ذَكَرَهُ ، لِأَنَّهُمْ أَكْرَهُوهُ عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ هُنَا . فَرْعٌ تَلَفَّظَ بِطَلَاقٍ ثُمَّ قَالَ : كُنْتُ مُكْرَهَا وَأَنْكَرْتُ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةً أُخْرَى . وَلَوْ قَالَ : طَلَّقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ ، أَوْ نَائِمٌ ، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ : يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ . قَالَ : وَلَوْ طَلَّقَ فِي الْمَرَضِ ، وَقَالَ : كُنْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . قُلْتُ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي النَّائِمِ ، فِيهِ نَظَرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية