الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع

( الفرق السادس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع )

المشروع من الحبس ثمانية أقسام الأول يحبس الجاني لغيبة المجني عليه حفظا لمحل القصاص الثاني حبس الآبق سنة حفظا للمالية رجاء أن يعرف ربه الثالث يحبس الممتنع عن دفع الحق إلجاء إليه الرابع يحبس من أشكل أمره في العسر ، واليسر اختبارا لحاله فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسرا أو يسرا الخامس الحبس للجاني تعزيرا وردعا عن معاصي الله تعالى السادس [ ص: 80 ] يحبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة كحبس من أسلم على أختين أو عشر نسوة أو امرأة وابنتها ، وامتنع من التعيين السابع من أقر بمجهول عين أو في الذمة ، وامتنع من تعيينه فيحبس حتى يعينهما فيقول العين هو هذا الثوب أو هذه الدابة ، ونحوهما أو الشيء الذي أقررت به هو دينار في ذمتي الثامن يحبس الممتنع في حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عند الشافعية كالصوم ، وعندنا يقتل كالصلاة ، وما عدا هذه الثمانية لا يجوز الحبس فيه ، ولا يجوز الحبس في الحق إذا تملك الحاكم من استيفائه فإن امتنع من دفع الدين ، ونحن نعرف ماله أخذنا منه مقدار الدين ، ولا يجوز لنا حبسه ، وكذلك إذا ظفرنا بماله أو داره أو شيء يباع له في الدين كان رهنا أم لا فعلنا ذلك ، ولا نحبسه لأن في حبسه استمرار ظلمه ، ودوام المنكر في الظلم ، وضرره هو مع إمكان أن لا يبقى شيء من ذلك كله ، وكذلك إذا رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه أخذه من عليه قهرا ، وباعه فيما عليه ، ولا يحبسه تعجيلا لدفع الظلم ، وإيصال الحق لمستحقه بحسب الإمكان .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق السادس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع )

قلت ما قاله في هذا الفرق من انحصار الأسباب الموجبة للحبس في ثمانية أقسام كما قال ليس وفي ذلك نظر وما قاله في الفروق الأربعة بعده صحيح أو نقل وترجيح .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثامن والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما يشرع من الحبس وقاعدة ما لا يشرع منه )

الحبس عشرة أقسام بما زاده ابن فرحون على ما اقتصر عليه الأصل :

( الأول ) حبس الجاني لغيبة المجني عليه حفظا لمحل القصاص

( الثاني ) حبس الآبق سنة حفظا للمالية رجاء أن يعرف ربه

( الثالث ) حبس الممتنع من دفع الحق ، ولو درهما ، وهو يقدر عليه دفعه وعجزنا عن أخذه منه إلا به لجاء إليه فلا يطلق حتى يدفعه ، ولا يقال قواعد الشرع تقتضي تقدير العقوبات بقدر الجنايات ، وتخليده في الحبس عقوبة عظيمة كيف تكون في جناية حقيرة ، وهي الامتناع من دفع درهم وجب عليه لأنا نقول لا نسلم أن التخليد عقوبة واحدة عظيمة حتى يرد مخالفة القواعد لم لا يجوز أن تقابل كل ساعة من ساعات الحبس كل ساعة من ساعات الامتناع فهي جنايات وعقوبات متكررة متقابلة فلم تخالف القواعد كما للأصل سلمنا أنه عقوبة واحدة عظيمة لكن لا نسلم أن الامتناع من دفع درهم وجب عليه جناية حقيرة بل هو جناية عظيمة فإن مطل الغني ظلم ، والإصرار على الظلم والتمادي عليه جناية عظيمة فاستحق ذلك التخليد ، والظالم أحق أن يحمل عليه كما لابن فرحون في تبصرته [ ص: 134 ]

( الرابع ) حبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختبار لحاله فإذا ظهر حاله حكم بموجبه عسرا أو يسرا .

( الخامس ) حبس الجاني تعزيرا أو ردعا عن معاصي الله تعالى .

( السادس ) حبس من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة كحبس من أسلم عن أختين أو عشرة نسوة أو امرأة وابنتها ، وامتنع من التعيين .

( السابع ) حبس من أقر بمجهول عين أو في الذمة ، وامتنع من تعيينه فيحبس حتى يعينه فيقول المقر به هو هذا الثواب أو هذه الدابة أو الشيء الذي أقررت به في ذمتي هو دينار .

( الثامن ) حبس الممتنع من حق الله تعالى الذي لا تدخله النيابة عندنا ، وعند الشافعي كالصوم والصلاة فيقتل فيه قال ابن فرحون ولا يدخل في ذلك عندنا من امتنع من فعل الحج ، وإن قلنا أنه على الفور مراعاة للقول بأنه على التراخي ، وأما ترك السنن فمثاله ترك الوتر قال أصبغ بتأديب تارك الوتر ا هـ هذا ما اقتصر عليه الأصل .

( التاسع ) من يحبس اختبار لما ينسب إليه من السرقة والفساد .

( العاشر ) حبس المتداعي فيه قال تسولي العاصمية ، وحاصله أن الطالب إما أن يأتي بعدلين أو بعدل أو بمجهول مرجو تزكيته أو بمجهولين كذلك أو بلطخ أو بمجرد الدعوى فالتوقيف في الأول ليس إلا للإعذار ما لا خراج له من العقار بالغلق ، وما له خراج يوقف خراجه ، وغير العقار من العروض والثمار والحبوب بالوضع تحت يد أمين ، وبيع ووضع ثمنه عنده في الثمار إن كان مما يفسد ، وفي الثاني للإعذار فيه أو لإقامة ثان إن لم يرد أن يحلف معه لرجاء شاهد آخر فالمنع من التفويت فقط في العقار ، ولا ينزع من يده لكن يوقف ماله خراج منه ، وفي غير العقار بالوضع تحت يد أمين ، وبيع ما يفسد أيضا إلا أن يقول إن لم أجد ثانيا فلا أحلف مع هذا ألبتة فلا يباع حينئذ بل يترك للمطلوب ، وفي الثالث التزكية والإعذار بعدها ، وحكمه على ما لابن رشد وأبي الحسن وابن الحاجب حكم الذي قبله في سائر الوجوه قال ابن رحال في شرحه هو كالعدل المقبول في وجوب الإيقاف به إلا أنه لا يحلف معه ، وفي الرابع التزكية والإعذار أيضا ، وحكمه كالذي قبله إلا في بيع ما يفسد فيباع على كل حال .

وفي الخامس ، ولا يتأتى إلا في غير العقار بالوضع عند أمين ما لم يكن مما يفسد فيخلي بينه وبين حائزه فيما يظهر لأنه كالعدل الذي لا يريد صاحبه الحلف معه ، وفي السادس لا عقل أي لا حبس أصلا إذ لا يعقل على أحد بشيء بمجرد دعوى الغير فيه على المنصوص ، وجرى العمل بالإيقاف بمجرد الدعوى في غير العقار قال ناظمه :

وكل مدع للاستحقاق مكن من الإثبات بالإطلاق

لكن حكى ابن ناجي الاتفاق على أن هذا إن صح مستنده ففيه ما لا يخفى من الإخلال بحق ، والمحافظة على حق الطالب فإن كان ولا بد فينبغي أن يضع قيمة كرائها في أيام الذهاب والإيقاف زيادة على قيمتها فإن لم يثبت شيئا أخذه المطلوب لأن هذا قد اعترض مال غيره ، وعطله عن منافعه من غير أن يستند إلى لطخ بخلاف ما إذا استند له فلا يضمن الكراء الشبهة ، ولم أر ذلك منصوصا لأحد ممن قال بهذا العمل ، وقد حكى كثير من الناس أنهم كانوا إذا تعذر عليهم المعاش يذهبون للفنادق فيعترضون دواب الواردين حتى يصالحوهم بقليل أو كثير ، ولا سيما إن كان رب الدابة مزعوجا يريد الخروج في الحين ، وقد شاهدنا من ذلك [ ص: 135 ] العجب العجاب ، وقد قال في الذخيرة إذا التزم المدعى عليه إحضار المدعي فيه لتشهد البينة على عينه فإن ثبت الحق فالمؤنة على المدعى عليه لأنه مبطل ، وإلا فعلى المدعي لأنه مبطل في ظاهر الشرع .

ولا تجب أجرة تعطيل المدعى به في مدة الإحضار انتهى فتأمل قوله لأنه مبطل في ظاهر الشرع إلخ مع أن ما قاله من وجوب الإحضار إنما هو مع قيام اللطخ انتهى المراد من كلام التسولي هذا ما زاده ابن فرحون في تبصرته على ما اقتصر عليه الأصل من حصر الأسباب الموجبة للحبس في الأقسام الثمانية الأول فلذا قال أبو القاسم بن الشاط ليس كما قاله ، وفي ذلك نظر أهو ما عدا هذه الأقسام العشرة لا يجوز الحبس فيه . قال الأصل : ولا يجوز الحبس في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه مثل أن يمتنع من دفع الدين ، ونحن نعرف ماله فإنا نأخذ منه مقدار الدين ، ولا يجوز لنا حبسه ، وكذلك إذ ظفرنا بداره أو بشيء يباع له في الدين كان هنا أم لا فإنا نفعل ذلك ، ولا نحبسه فإن في حبسه استمرار ظلمه ، ودوام المنكر من المطل ، وضرره هو مع إمكان أن يبقى شيء من ذلك كله قال ، وكذلك إذا رأى الحاكم على الخصم في الحبس من الثياب والقماش ما يمكن استيفاؤه عنه أخذه من عليه قهرا ، وباعه فيما عليه ، ولا يحبسه تعجيلا ابن المناصف في تنبيه الحكام على مأخذ الأحكام ، وإذا ضرب الأجل للطالب في إثبات ما ادعاه قبل المطلوب فسأل أن يأخذ من المطلوب كفيلا بوجهه لأجل الخصومة فعليه ذلك فإن عجز عن الكفيل لم يحبس ، ولم يلزمه شيء ، وقيل للطالب لازمه إن شئت ، وفي المدونة فيمن ادعى على رجل دينا أو شيئا مستهلكا ، وسأل القاضي أن يأخذ له منه كفيلا بذلك الحق فإنه إن كان للمدعي بينة على المخالطة والمعاملة .

وما يوجب اللطخ ، وهم حضور فإنه يوكل بالمطلوب حتى يأتي بذلك اللطخ فيما قرب من يومه ، وشبهه انظر تمامها في التهذيب أفاده ابن فرحون في التبصرة ، وقد عقد فصلا لأمثلة الأقسام العشرة مع تقسيمه القسم الثالث ، وهو حبس الممتنع من دفع الحق إلى ثلاثة أقسام حبس تضييق وتنكيل ، وحبس تعزير وتنكيل ، وحبس تعزير وتأديب ، وحبس ملوم واختيار ، وبيان من لكل قسم ، وأمثلته ، وفصلا لبيان أن قدر مدة الحبس يختلف باختلاف أسبابه وموجباته فانظر .

( فائدة ) قال ابن فرحون في التبصرة في وثائق ابن الهندي أن السجن مشتق من الحصر قال الله تعالى { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } أي سجنا وحبسا قال أو السجن ، وإن كان أسلم العقوبات فقد تأول بعضهم قوله تعالى { إلا أن يسجن أو عذاب أليم } أن السجن من العقوبات البليغة لأنه سبحانه وتعالى قرنه مع العذاب الأليم ، وقد عد يوسف عليه الصلاة والسلام الانطلاق من السجن إحسانا إليه في قوله { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } ولا شك أن السجن الطويل عذاب ، وقد حكى الله تعالى عن فرعون إذ أوعد موسى { لأجعلنك من المسجونين } ونسأل الله العافية ، ولما استخلف مروان بن الحكم ابنه على بعض المواضع أوصاه أن لا يعاقب في حين الغضب ، وحضه على أن لا يسجن حتى يسكن غضبه ثم يرى رأيه ، وكان يقول إن أول من اتخذ السجن كان حليما ، ولم يرد مروان طول السجن ، وإنما أراد السجن الخفيف حتى يسكن غضبه ، وقال ابن قيم الجوزية الحنبلي اعلم أن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق ، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه حيث شاء سواء كان في بيت أو في مسجد أو كان يتوكل نفس الغريم أو وكيله عليه ، وملازمته له .

ولهذا أسماه النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 136 ] أسيرا ففي سنن أبي داود وابن ماجه { عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لغريم لي فقال الزمه ثم قال لي يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك } ، وفي رواية ابن ماجه مر بي آخر النهار فقال ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم ، وهذا كان هو الحبس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ولم يكن له حبس معد لحبس الخصوم فلما انتشرت الرعية في زمن عمر رضي الله عنه ابتاع بمكة دارا ، وجعلها سجنا يحبس فيها ، وجاء أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بأربعة آلاف درهم ، وجعلها حبسا ، وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الحبس ا هـ .

وقال أبو عبد الله محمد بن الفرج المعروف بابن الطلاع الأندلسي المالكي في كتابه المسمى بأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفت الآثار هل سجن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحدا أم لا فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن ، ولا سجنا أحدا ، وذكر بعضهم { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجن في المدينة في تهمة دم } رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما ، وفي غير المصنف { أنه صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه } .

ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح عن أيوب بن سليمان { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجن رجلا أعتق شركا له في عبد } فأوجب عليه استتمام عتقه قال في الحديث حتى باع غنيمة له .

وقال ابن شعبان في كتابه وقد روي { عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم بالضرب والسجن } فثبت بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سجن ، وإن لم يكن ذلك في سجن متخذ لذلك ، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان له سجن ، وأنه سجن الحطيئة على الهجو ، وسجن ضبعا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات ، وشبههن وأمره الناس بالتفقه في ذلك ، وضربه مرة بعد مرة ، ونفاه إلى العراق ، وقيل إلى البصرة ، وكتب أن لا يجالسه أحد قال المحدث فلو جاءنا ، ونحن مائة لتفرقنا عنه ثم كتب أبو موسى إلى عمر أنه قد حسنت توبته فأمره عمر رضي الله تعالى عنه فخلى بينه وبين الناس ، وسجن عثمان رضي الله تعالى عنه صابئ بن حارث ، وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم حتى مات في الحبس ، وسجن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الكوفة ، وسجن عبد الله بن الزبير في مكة ، وسجن أيضا في سجن عارم محمد بن الحنفية إذ امتنع من بيعته ا هـ ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث