الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 405 ] ثم دخلت سنة سبع وثمانين

ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة ، وولى عليها ابن عمه وزوج أخته - فاطمة بنت عبد الملك - عمر بن عبد العزيز فدخلها في ثلاثين بعيرا في ربيع الأول منها ، فنزل دار مروان وجاء الناس للسلام عليه - وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة - فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم : عروة بن الزبير ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وأخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، فدخلوا عليه فجلسوا ، فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ، وتكونون فيه أعوانا على الحق ، إني لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم ، أو برأي من حضر منكم ، فإن رأيتم أحدا يتعدى ، أو بلغكم عن عامل لي ظلامة ، فأحرج على من بلغه [ ص: 406 ] ذلك إلا أبلغني ، فخرجوا من عنده يجزونه خيرا ، وافترقوا على ذلك .

وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان ، وكان سيئ الرأي فيه ; لأنه أساء إلى الناس بالمدينة في مدة ولايته عليهم ، وكانت نحوا من أربع سنين ، ولا سيما إلى سعيد بن المسيب ، وإلى علي بن الحسين وأهل بيته ، فلما أوقف للناس قال هشام : ما أخاف إلا من سعيد وعلي بن الحسين . فقال سعيد بن المسيب لابنه ومواليه : لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل ، فإني تركت ذلك لله وللرحم ، وأما كلامه فلا أكلمه أبدا . وأما علي بن الحسين فإنه مر به وهو موقوف عند دار مروان فلم يتعرض له ، وكان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض له أحد منهم ، فلما اجتاز به علي بن الحسين وتجاوزه ، ناداه هشام بن إسماعيل فقال : " الله أعلم حيث يجعل رسالاته " .

وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقا كثيرا ، وفتح حصونا كثيرة ، وغنم غنائم جمة ، ويقال : إن الذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ، ففتح حصن بولق ، وحصن الأخرم ، وبحيرة الفرسان ، وحصن بولس وقميقم ، وقتل من المستعربة نحوا من ألف ، وسبى ذراريهم ، وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك ، وصالحه ملكهم نيزك على [ ص: 407 ] مال جزيل ، وعلى أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين .

وفيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير ، وهي من أعمال بخارى فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن حولهم من الأتراك ، فأتوهم في جمع عظيم ، فأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق ، فتواقف هو وهم قريبا من شهرين ، وهو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولا ، ولا يأتيه من جهتهم رسول ، وأبطأ خبره على الحجاج حتى خاف عليه ، وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك ، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد ، وكتب بذلك إلى الأمصار .

وقد كان قتيبة ومن معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم ، وكان لقتيبة عين من العجم يقال له : تندر ، فأعطاه أهل بخارى مالا جزيلا على أن يأتي قتيبة فيخذله عنهم ، فجاء إليه فقال له : أخلني ، فأخلاه ، فلم يبق عنده سوى رجل يقال له : ضرار بن حصين ، فقال له تندر : هذا عامل يقدم عليك سريعا بعزل الحجاج ، فلو انصرفت بالناس إلى مرو . فقال قتيبة لمولاه سياه : اضرب عنقه ، فقتله ، ثم قال قتيبة لضرار : لم يبق أحد سمع هذا غيري وغيرك ، وإني أعطي الله عهدا إن ظهر هذا الخبر حتى ينقضي حربنا لألحقنك به ، فاملك عليك لسانك ، فإن انتشار هذا يفت في أعضاد الناس ، ثم نهض قتيبة فحرض الناس على الحرب ، ووقف على أصحاب الرايات يحرضهم ، فاقتتل الناس قتالا شديدا ، وأنزل الله على المسلمين الصبر ، فما انتصف النهار [ ص: 408 ] حتى أنزل الله عليهم النصر ، فهزمت الترك هزيمة عظيمة ، واتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ، ويأسرون ما شاءوا ، واعتصم من بقي منهم بالمدينة ، فأمر قتيبة الفعلة بهدمها ، فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم ، وجعل عليهم رجلا من أهله ، وعنده طائفة من الجيش ، ثم سار راجعا ، فلما كان منهم على خمس مراحل نقضوا العهد ، وقتلوا الأمير ، وجدعوا أنوف من كان معه ، فرجع إليهم وحاصرها شهرا ، وأمر النقابين والفعلة فعلقوا سورها على الخشب ، وهو يريد أن يضرم النار فيها ، فسقط السور ، فقتل من الفعلة أربعين نفسا ، فسألوه الصلح فأبى ، ولم يزل حتى افتتحها ، فقتل المقاتلة ، وسبى الذرية وغنم الأموال .

وكان الذي ألب على المسلمين رجل أعور منهم ، فأسر فقال : أنا أفتدي نفسي بخمسة أثواب صينية ، قيمتها ألف ألف ، فأشار الأمراء على قتيبة بقبول ذلك منه ، فقال قتيبة : لا والله لا أروع بك مسلما مرة ثانية ، وأمر به فضربت عنقه ، وقد غنم المسلمون من بيكند شيئا كثيرا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب ، وكان فيها صنم سبك فخرج منه مائة ألف وخمسون ألف دينار من الذهب ، ووجدوا في خزائن الملك أموالا كثيرة وسلاحا كثيرا وعددا متنوعة ، وجواهر نفيسة ، وأخذوا من السبي شيئا كثيرا ، فكتب قتيبة إلى الحجاج في أن يعطي ذلك للجند ، فأذن له فتمول المسلمون مالا كثيرا جدا ، وصارت لهم [ ص: 409 ] أسلحة وعدد ، وتقووا على الأعداء قوة عظيمة ، ولله الحمد والمنة .

وقد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة ، وقاضيه بها أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وعلى العراق والمشرق بكماله الحجاج بن يوسف الثقفي ، ونائبه على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي ، وقاضيه بها عبد الله بن أذينة ، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله البجلي ، وقاضيه بها أبو بكر بن أبي موسى الأشعري ، ونائبه على خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث