الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم ، وما كان منهم إلى الحجيج ، لعن الله القرامطة

فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي ، فوصلوا إلى مكة سالمين ، وتوافت الركوب هناك من كل جانب ، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية ، فانتهب أموالهم ، واستباح قتالهم ، فقتل الناس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام وفي جوف الكعبة ، وجلس أميرهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي - لعنه الله - على باب الكعبة ، والرجال تصرع حوله في المسجد الحرام في الشهر الحرام ، ثم في يوم التروية ، الذي هو من أشرف الأيام ، وهو [ ص: 38 ] يقول :


أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا

فكان الناس يفرون فيتعلقون بأستار الكعبة ، فلا يجدي ذلك عنهم شيئا ، بل يقتلون وهم كذلك ، ويطوفون فيقتلون في الطواف ، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف ، فلما قضى طوافه أخذته السيوف ، فلما وجب ، أنشد وهو كذلك :


ترى المحبين صرعى في ديارهم     كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

ثم أمر القرمطي - لعنه الله - أن تدفن القتلى ببئر زمزم ، ودفن كثيرا منهم في أماكنهم وحتى في المسجد الحرام - ويا حبذا تلك القتلة وتلك الضجعة - ولم يغسلوا ، ولم يكفنوا ، ولم يصل عليهم ; لأنهم شهداء في نفس الأمر ، بل من خيار الشهداء ، وهدم قبة زمزم ، وأمر بقلع باب الكعبة ، ونزع كسوتها عنها ، وشققها بين أصحابه ، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة ، فأراد أن يقتلعه ، فسقط على أم رأسه ، فمات لعنه الله وصار إلى أمه الهاوية ، فانكف اللعين عند ذلك عن الميزاب ، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود ، وجاءه رجل فضرب الحجر بمثقل في يده ، وقال : أين الطير الأبابيل ؟ [ ص: 39 ] أين الحجارة من سجيل ؟ ثم قلع الحجر الأسود - شرفه الله وكرمه وعظمه - وأخذوه معهم حين راحوا إلى بلادهم ، فكان عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه ، كما سنذكره في موضعه في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ولما رجع القرمطي إلى بلاده ، تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده وسأله وتشفع إليه في أن يرد الحجر ليوضع في مكانه ، وبذل له جميع ما عنده من الأموال ، فلم يفعل - لعنه الله - فقاتله أمير مكة فقتله القرمطي ، وقتل أكثر أهله وجنده ، واستمر ذاهبا إلى بلاده ومعه الحجر الأسود وأموال الحجيج .

وقد ألحد هذا اللعين في المسجد الحرام إلحادا لم يسبقه إليه أحد ولا يلحقه فيه ، وسيجازيه على ذلك الذي لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد ، وإنما حمل هؤلاء على هذا الصنيع ; أنهم كانوا كفارا زنادقة ، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنين ببلاد إفريقية من أرض المغرب ، ويلقب أميرهم بالمهدي ، وهو أبو محمد عبيد الله بن ميمون القداح ، وقد كان صباغا بسلمية يهوديا ، فادعى أنه أسلم ، ثم سار منها إلى بلاد إفريقية ، فادعى أنه شريف فاطمي ، فصدقه على ذلك طائفة كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة ، وصارت له دولة فملك مدينة سجلماسة ثم ابتنى مدينة وسماها المهدية وكان قرار ملكه بها ، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه ويترامون عليه ، ويقال : إنهم : إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له .

[ ص: 40 ] وذكر ابن الأثير أن المهدي هذا كتب إلى أبي طاهر القرمطي يلومه على فعله بمكة ، حيث سلط الناس على الكلام في عرضهم ، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح ، وأمره برد ما أخذه منها ، وعوده إليها ، فكتب إليه بالسمع والطاعة ، وأنه قد قبل ما أشار إليه من ذلك .

وقد أسر بعض أهل الحديث في أيدي القرامطة ، فمكث في أيديهم مدة ، ثم فرج الله عنه ، وكان يحكي أن الذي أسره كان يستخدمه في أشق الخدمة وأشدها ، وكان يعربد عليه إذا سكر ، فقال لي ذات ليلة وهو سكران : ما تقول في محمدكم ؟ فقلت : لا أدري . فقال : كان رجلا سائسا . ثم قال : ما تقول في أبي بكر ؟ فقلت : لا أدري ، فقال : كان ضعيفا مهينا ، وكان عمر فظا غليظا ، وكان عثمان جاهلا أحمق ، وكان علي ممخرقا ، أليس كان عنده أحد يعلمه ما ادعى أنه في صدره من العلم ؟ أما كان يمكنه أن يعلم هذا كلمة وهذا كلمة ؟ ثم قال : هذا كله مخرقة . فلما كان الغد ، قال لي : لا تخبر بهذا الذي قلته لك أحدا . رواه ابن الجوزي في " منتظمه " .

وروى عن بعضهم أنه قال : كنت في المسجد الحرام يوم اقتلع الحجر الأسود ، إذ دخل رجل وهو سكران ، راكب على فرسه ، فصفر لها حتى بالت في المسجد الحرام في مكان الطواف ، ثم حمل على رجل كان إلى جانبي فقتله [ ص: 41 ] ثم نادى بأعلى صوته : يا حمير ، أليس قلتم في بيتكم هذا ومن دخله كان آمنا [ آل عمران : 97 ] فأين الأمن ؟ قال : فقلت له : أتسمع جوابا ؟ قال : نعم . قلت : إنما أراد الله : فأمنوه . قال : فثنى رأس فرسه وانصرف .

وقد سأل بعضهم هاهنا سؤالا فقال : قد أحل الله عز وجل بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى ، وهؤلاء شر منهم - ما ذكره في كتابه العزيز حيث يقول : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ومعلوم أن القرامطة شر من اليهود والنصارى والمجوس ، بل ومن عبدة الأصنام ، فهلا عوجلوا بالعقوبة ، كما عوجل أصحاب الفيل ؟ وقد أجيب عن ذلك : بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهارا لشرف البيت الحرام ، ولما يراد به من التشريف والتعظيم بإرسال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من البلد الذي كان هذا البيت فيه ; ليعلم شرف هذا الرسول الكريم الذي هو خاتم الأنبياء ، فلما أراد هؤلاء إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها عما قريب ، أهلكهم سريعا عاجلا ، غير آجل ، كما ذكر في كتابه ، وأما هؤلاء ، فكان من أمرهم ما كان بعد تقرير الشرائع وتمهيد القواعد ، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة ، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء من أكبر الملحدين الكافرين ; بما تبين من كتاب الله تعالى وسنة [ ص: 42 ] رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة ، بل أخرهم الرب جل جلاله ليوم تشخص فيه الأبصار ، والله سبحانه وتعالى يمهل ويملي ويستدرج ، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [ هود : 102 ]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ; إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم وقال تعالى : ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار [ إبراهيم : 42 ] وقال تعالى : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد [ آل عمران : 196 ، 197 ] وقال تعالى : نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ [ لقمان : 24 ] وقال : متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [ يونس : 70 ] .

وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين طائفة من العامة ، اختلفوا في تفسير قوله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [ الإسراء : 79 ] فقالت الحنابلة : يجلسه معه على العرش . وقال الآخرون : المراد بذلك الشفاعة العظمى ، فاقتتلوا بسبب ذلك ، وقتل بينهم [ ص: 43 ] قتلى ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد ثبت في " صحيح البخاري " أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى ، يشفع عند الله عز وجل في أن يأتي لفصل القضاء بين عباده ، وهو المقام الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم ، حتى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، ويغبطه به الأولون والآخرون .

وفيها وقعت فتنة بالموصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش ، وانتشرت ، وكثر أهل الشر فيها واستظهروا ، وجرت بينهم شرور ، ثم سكنت .

وفيها وقعت فتنة ببلاد خراسان بين بني سامان وأميرهم نصر بن أحمد الملقب بالسعيد .

وخرج في شعبان خارجي بالموصل ، وخرج آخر بالبوازيج ، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شرهم ، وتفرق أصحابهم .

وفيها التقى مفلح الساجي وملك الروم الدمستق ، فهزمه مفلح وطرد وراءه إلى أرض الروم ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، ولله الحمد .

وفيها هبت ريح شديدة ببغداد ، تحمل رملا أحمر يشبه رمل أرض الحجاز ، فامتلأت منه البيوت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث