الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين

ذكر ابن الأثير في " كامله " أن أفتكين غلام معز الدولة الذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدم ، والتف عليه عساكر وجيوش من الديلم والترك والأعراب ، نزل في هذه السنة على دمشق ليأخذها من أيدي الفاطميين ، وكان عليها ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي ، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراؤها وشيوخها ، فذكروا ما هم فيه من الظلم والغشم ومخالفة الاعتقاد بسبب ملك الفاطميين عليهم ، وسألوه أن يصمم على أخذ البلد ليستنقذها منهم ، فعند ذلك صمم على أخذها ، ولم يزل حتى أخذها ، وأخرج ريان الخادم منها ، واستقل بأمرها ، وكسر أهل الشر بها ، ورفع أهل الخير ، ووضع العدل فيهم ، وقمع أهل اللعب واللهو ، وكف أيدي الأعراب الذين كانوا قد عاثوا في الأرض فسادا ، وأخذوا عامة المرج والغوطة ، ونهبوا أهلها .

[ ص: 359 ] ولما استقامت الأمور على يديه ، وصلح أمر أهل الشام عليه ، كتب إليه المعز الفاطمي من مصر يشكر سعيه ويطلبه إليه ; ليخلع عليه ويجعله نائبا من جهته ، فلم يجبه إلى ذلك وخاف غائلته ، وقطع خطبته من الشام وخطب للطائع العباسي ، ثم قصد صيدا وبها خلق من المغاربة عليهم ابن الشيخ ، وفيهم ظالم بن موهوب العقيلي - الذي كان نائبا على دمشق للمعز الفاطمي كما تقدم ، فأساء بهم السيرة - فحاصرهم ، ولم يزل حتى أخذ البلد منهم ، وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف من سراتهم ، ثم قصد طبرية ففعل بأهلها مثل ذلك ، فعند ذلك عزم المعز الفاطمي على المسير إليه وقتاله .

فبينما هو يجمع له ويرتب الجيوش إذ توفي المعز بمصر في سنة خمس وستين كما سيأتي ، وقام بعده ولده العزيز ، فاطمأن عند ذلك أفتكين بالشام ، واستفحل أمره ، وقويت شوكته ، فتشاور المصريون في أمره ، فاتفق رأيهم على أن بعثوا جوهرا القائد إليه ، وذلك عن رأي الوزير يعقوب بن كلس ، فلما تجهز جوهر القائد لقصد الشام حلف أفتكين أهل دمشق على مناصرته ومناصحته ، فحلفوا له بذلك .

وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرا شديدا ، ورأى من شجاعة أفتكين ما بهره ، وحين طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على أفتكين أن يكتب إلى الحسن بن أحمد القرمطي وهو بالأحساء ; ليجيء إليه ، فلما كتب إليه أقبل لنصره ، فلما سمع به جوهر بقدومه لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد ومن خارجها ، فارتحل قاصدا الرملة فتبعه أفتكين والقرمطي في نحو من خمسين ألفا ، فتواقعوا عند نهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من الرملة وحصروا جوهرا بالرملة ، فضاق حاله جدا من قلة الطعام والشراب حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك ، فسأل أن يجتمع هو وأفتكين على ظهور الخيل ، فأجابه إلى ذلك ، فلم يزل يترفق [ ص: 360 ] له أن يطلقه ، ليرجع بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرا له مثنيا عليه الخير ، ولا يسمع من القرمطي رأيه فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك ، فندمه القرمطي ، وقال : الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم ، فإنه الآن سيذهب إلى سيده فيخبره ، ثم يخرجه إلينا ، ولا طاقة لنا به ، فكان الأمر كما قال ، فإنه لما أطلقه أفتكين من الحصر لم يكن له دأب إلا أنه حث العزيز على الخروج إلى أفتكين بنفسه وجيوشه ، فأقبل في جحافل أمثال الجبال وكثرة من الرجال والعدد والأثقال والأموال ، وعلى مقدمته جوهر القائد ، وجمع أفتكين والقرمطي الجيوش والأعراب وساروا إلى الرملة فاقتتلوا في محرم سنة سبع وستين .

ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة أفتكين ما بهره فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدم عساكره وأن يحسن إليه غاية الإحسان ، فترجل أفتكين عن فرسه بين الصفين ، وقبل الأرض نحو العزيز ، وأرسل إليه يقول : لو كان هذا قبل هذا الحال لأمكنني وسارعت وأطعت ، وأما الآن فلا ، ثم ركب فرسه وحمل على الميسرة ، ففرق شملها ، وبدد خيلها ورجلها ، فبرز عند ذلك العزيز من القلب ، وأمر الميمنة ، فحملت حملة صادقة ، فانهزم القرمطي وتبعه بقية الشاميين ، وركبت المغاربة أقفيتهم يقتلون ويأسرون من شاءوا ، وتحول العزيز فنزل خيام الشاميين بمن معه ، وأرسل السرايا وراءهم ، وجعل العزيز لا يؤتى بأسير إلا خلع على من جاء به ، وجعل لمن جاءه بأفتكين مائة ألف دينار .

فاتفق أن أفتكين عطش وهو منهزم عطشا شديدا ، فاجتاز بمفرج بن دغفل ، وكان صاحبه ، فاستسقاه فسقاه ماء وأنزله عنده في [ ص: 361 ] بيوته ، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن الذي يطلب عنده ، فليحمل إليه الذهب ، فأرسل إليه بمائة ألف دينار وجاء من تسلمه منه ، فلما أحيط بأفتكين لم يشك أنه مقتول ، فما هو إلا أن حضر عند العزيز أكرمه غاية الإكرام واحترمه غاية الاحترام ، ورد إليه حواصله وأمواله لم يفقد منها شيئا ، وجعله من أخص أصحابه وأمرائه ، وأنزله إلى جانب منزله ، ورجع به إلى الديار المصرية مكرما معظما ، وأقطعه هنالك إقطاعات جزيلة ، وأرسل إلى القرمطي يعرض عليه أن يقدم عليه ويكرمه كما أكرم أفتكين ، فامتنع عليه وخاف على نفسه ، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار وجعلها له في كل سنة يكف بها شره ، ولم يزل أفتكين مكرما عند العزير ، حتى وقع بينه وبين الوزير يعقوب بن كلس ، فعمل عليه حتى سقاه سما فمات ، وحين علم الخليفة بذلك غضب على الوزير ، وحبسه بضعا وأربعين يوما ، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار ، ثم رأى أن لا غنى به عن الوزير ، فأخرجه من السجن وأعاده إلى الوزارة ، وذهب أفتكين في حال سبيله ، رحمه الله . هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير في كامله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث