الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 4 ] المقدمة المشتملة على عدة تعريفات .

( التعريف الأول )

اعلم أن الملة المحمدية تنقسم إلى اعتقاديات وعمليات ، فالاعتقاديات هي التي لم تتعلق بكيفية عمل ، مثل : اعتقاد وجوب وجود القادر المختار ووحدانيته ، وتسمى أصلية أيضا . والعمليات هي ما يتعلق بكيفية العمل ، وتسمى فرعية ، فالمتعلق بالعملية علم الشرائع والأحكام ; لأنها لا تستفاد إلا من ( جهة ) الشرع ، فلا يسبق الفهم عند إطلاق الأحكام إلا إليها ، والمتعلق بالاعتقاديات هو علم التوحيد والصفات ، وعلم الكلام ، وعلم أصول الدين . ولما كان هذا العلم أهم لابتناء العمليات عليه أوردوا البراهين والحجج عليه ، واكتفوا في العمليات بالظن المستفاد من الأدلة السمعية ، ولما كان عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان خاليا من البدع الكلامية ، والشبه الخيالية ، والخصوم المعتزلية ، لم تكن أدلة علم أصول الدين مدونة هذا التدوين ، فلما كثرت الشبه والبدع ، وانتشر الاختلاف بين أهل العلم وفشا وسطع ، وصار كل إمام بدعة له نحلة يعول عليها ، وعقيدة يدعو الناس إليها ، وأوضاع يرجع في مهماته إليها ، دون علماء الكلام قواعده المعلومة ، وأوضاعه المفهومة ، لدفع الشبه والخصوم ، وردهم عن تهافتهم إلى الصواب المعلوم ، عن النبي المعصوم .

وعلم الكلام هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية أي المنسوبة إلى دين النبي صلى الله عليه وسلم - وإن لم تكن مطابقة للواقع ; لعدم إخراج الخصم من المعتزلة والجهمية ، والقدرية والجبرية ، والكرامية وغيرهم ، عن أن [ ص: 5 ] يكون من علماء الكلام ، وإن خطأناه أو كفرناه . ( وقيل ) : تعريف علم الكلام الذي هو التوحيد وأصول الدين : العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية ، أي العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسبة من أدلتها اليقينية ، سواء توقفت على الشرع كالسمعيات أم لا ، وسواء كانت من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أو لا ككلام المخالف ، واعتبر في أدلتها اليقين ; لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقاديات بل في العمليات ، " وموضوعه " هو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية ، إذ موضوع كل علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية ، ولا شك أنه يبحث في هذا العلم عن أحوال الصنائع ، من القدم والوحدة ، والقدرة والإرادة وغيرها ليعتقد ثبوتها له تعالى ، وأحوال الجسم والعرض من الحدوث والافتقار والتركيب من الأجزاء ، وقبول الفناء ونحو ذلك ليثبت للصانع ما ذكر مما هو عقيدة إسلامية ، أو وسيلة إليها .

وكل هذا بحث عن أحوال المعلوم كإثبات العقائد الدينية ، وهذا أولى من زعم أن موضوعه ذات الله - تعالى وتقدس - للبحث عن صفاته وأفعاله ، واعلم أنا لا نأخذ الاعتقادات الإسلامية من القواعد الكلامية ، بل إنما نأخذها من النصوص القرآنية والأخبار النبوية ، وليس القصد بالأوضاع الكلامية إلا دفع شبه الخصوم والفرق الضالة عن الطرق الحقيقية ، فإنهم طعنوا في بعض منها بأنه غير معقول ، فبين لهم بالقواعد الكلامية معقولية ذلك البعض .

( واستمداد ) هذا الفن من الكتاب المنزل ، والتفسير والحديث الثابت ، والفقه والإجماع والنظر . ( ومسائله ) القضايا النظرية الشرعية الاعتقادية . ( وغايته ) أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متقنا محكما لا تزلزله شبهة من شبه المبطلين . ( ومنفعته ) في الدنيا انتظام أمر المعاش بالمحافظة على العدل والمعاملة التي يحتاج إليها في إبقاء النوع الإنساني على وجه لا يؤدي إلى الفساد ، وفي الآخرة النجاة من العذاب المرتب على الكفر وسوء الاعتقاد . وسيأتي حد كل بحث من هذا عند ذكره في النظم إن شاء الله - تعالى ، والله - تعالى - الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث