الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف والمحل المنيف

قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن أنيس بن أبي يحيى ، حدثني أبي ، قال : سمعت أبا سعيد الخدري ، قال : اختلف رجلان - رجل من بني خدرة ، ورجل من بني عمرو بن عوف - في المسجد الذي أسس على التقوى . فقال الخدري : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال العمري : هو مسجد قباء . فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال : " هو هذا المسجد " . لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : " في ذلك خير كثير " . يعني مسجد قباء . ورواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن أنيس بن أبي يحيى الأسلمي به ، وقال : حسن صحيح .

وروى الإمام أحمد ، عن إسحاق بن عيسى ، عن الليث بن سعد ، [ ص: 542 ] ، والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة ، عن الليث ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه ، قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى . وذكر نحو ما تقدم .

وفي " صحيح مسلم " من حديث حميد الخراط ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد : كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى ؟ قال : قال أبي : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن المسجد الذي أسس على التقوى ، فأخذ كفا من حصباء ، فضرب به الأرض ، ثم قال : " هو مسجدكم هذا " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد ، قال : اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال أحدهما : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر : هو مسجد قباء . فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه ، فقال : " هو مسجدي هذا " .

[ ص: 543 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي ، عن عمران بن أبي أنس ، عن سهل بن سعد ، عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا " .

فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بأنه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإلى هذا ذهب عمر ، وابنه عبد الله ، وزيد بن ثابت ، وسعيد بن المسيب ، واختاره ابن جرير . وقال آخرون : لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء - كما تقدم بيانه - وبين هذه الأحاديث; لأن هذا المسجد أولى بهذه الصفة من ذلك ، لأن هذا أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها ، كما ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد; مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، ومسجد بيت المقدس " . وفي " صحيح مسلم " عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " . وذكرها . وثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلاة في مسجدي هذا خير [ ص: 544 ] من ألف صلاة فيما سواه ، إلا المسجد الحرام " . وفي " مسند أحمد " بإسناد حسن زيادة حسنة ، وهي قوله : " فإن ذلك أفضل " .

وفي " الصحيحين " من حديث يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن خبيب ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ، ومنبري على حوضي " . والأحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا ، وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب " الأحكام الكبير " إن شاء الله ، وبه الثقة ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .

وقد ذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام ; لأن ذاك بناه إبراهيم ، وهذا بناه محمد صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم عليه السلام ، وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك ، وقرروا أن المسجد الحرام أفضل; لأنه في بلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، وحرمه إبراهيم الخليل عليه السلام ومحمد خاتم المرسلين ، فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره ، ولبسط هذه المسألة موضع آخر . وبالله المستعان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث