الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من واجبات الصيام مراقبة أول شهر رمضان

جزء التالي صفحة
السابق

ونبين ذلك بثلاثة فصول .

الفصل الأول :

في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده .

أما الواجبات الظاهرة فستة .

الأول مراقبة أول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال فإن غم فاستكمال ثلاثين يوما من شعبان .

ونعني بالرؤية العلم ويحصل ذلك بقول عدل واحد ولا يثبت هلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة .

ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنه صدقه لزمه الصوم ، وإن لم يقض القاضي به ، فليتبع كل عبد في عبادته موجب ظنه

التالي السابق


والكلام على جملة المفطرات في شروع كل صوم على الاختصار والتقريب (وتبين ذلك بثلاثة فصول) :

(الفصل الأول : في الواجبات والسنن الظاهرة واللوازم بإفساده ، أما الواجبات الظاهرة فستة) :

(الأول مراقبة) أي انتظار (أول شهر رمضان) وذلك بالتماس هلاله في ليلة الثلاثين من شعبان ؛ لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما كما في الخبر : الشهر هكذا وهكذا وهكذا من غير خنس . يعني ثلاثين يوما ، فيجب طلبه لإقامة الواجب (فإن غم) بعلة كالغيم والغبار ونحوهما (فباستكمال العدة ثلاثين يوما من شعبان) لما في البخاري من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : لا تصوموا رمضان حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فكملوا العدة ثلاثين . وللحديث ألفاظ أخر في الصحيحين [ ص: 196 ] فمن رأى الهلال بنفسه لزمه الصوم ، ولا يتوقف على كونه عدلا ، وقال عطاء بن أبي رباح : لا يصوم إلا برؤية غيره معه .. أ هـ . .

وكذا إذا لم يره بنفسه ولكن أخبر به ، فحصل له به العلم ، وإليه أشار بقوله (ونعني بالرؤية العلم) الشرعي الموجب للعلم ، وهو غلبة الظن ، وكذا صرح به أصحابنا أيضا لا بمعين اليقين كما ذهب إليه بعض أصحابنا (ويحصل ذلك) العلم (بقول عدل واحد) على الأظهر المنصوص في أكثر كتب الشافعي . القول الثاني : لا بد من اثنين .

قال الأسنوي : وهذا هو مذهب الشافعي المتأخر ؛ ففي الأم : لا يجوز على هلال رمضان إلا شاهدان . ونقل البلقيني أن الشافعي رجع بعد فقال : لا يصام إلا بشاهدين . فإن قلنا : لا بد من اثنين فلا مدخل لشهادة النساء والعبيد ، ولا بد من لفظ الشهادة ، ويختص بمجلس القضاء ، ولكنها شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعوى ، ويكفي في الشهادة : أشهد أني رأيت . كما صرح به الرافعي في صلاة العيد ، والروياني ، وغيرهما . فإن قبلنا الواحد فهل هو بطريق الرواية ؟ أم الشهادة ؟ وجهان أصحهما شهادة . فلا يقبل قول العبد والمرأة ، نص عليه في الأم ، وإن قلنا رواية قبلا ، وهل يشترط لفظ الشهادة ؟ قال الجمهور : هو على الوجهين في كونه رواية أو شهادة . وقيل : يشترط قطعا . وإذا قلنا رواية ، ففي الصبي المميز الموثوق به طريقان ؛ أحدهما على الوجهين في قبول رواية الصبي . والثاني وهو المذهب الذي قطع به الأكثرون بأنه لا يقبل (ولا يثبت هلال شوال إلا بقول عدلين احتياطا للعبادة) وقال أبو ثور : يقبل فيه قول واحد .

قال صاحب التقريب : ولو قلت به لم أكن مبعدا (ومن سمع عدلا ووثق بقوله وغلب على ظنه صدقه لزم الصوم ، وإن لم يقض القاضي ، فليتبع كل عبد في عبادته موجب ظنه) وبه قال ابن عبدان وصاحب التهذيب ، ولم يفرعوه على شيء ، ومثله في المجموع بزوجته وجاريته وصديقه ، وقال إمام الحرمين وابن الصباغ : إذا أخبره موثوق به بالرواية لزمه قبوله وإن لم يذكره عند القاضي ، وفرعاه على أنه رواية ، واتفقوا عل أنه لا يقبل قول الفاسق على القولين جميعا ، ولكن إن اعتبرنا العدد اشترطنا العدالة الباطنة ، وإلا فوجهان جاريان في رواية المستور ، ولا فرق على القولين بين أن تكون السماء مصحبة أو مغيمة ، وهل يثبت هلال رمضان بالشهادة على الشهادة ؟ فيه طريقان ؛ أحدهما على قولين كالحدود ؛ لأنه من حقوق الله تعالى ، وأصحهما القطع بثبوته كالزكاة وإتلاف حصر المسجد ، وإنما القولان في الحدود المبنية على الإسقاط فعلى هذا عدد الفروع مبني على الأصول ، وإن اعتبرنا العدد في الأصول فحكم الفروع حكمهم في سائر الشهادات ، ولا مدخل للنساء والعبيد وإن لم يعتبر العدد ، فإن قلنا طريقه الرواية فوجهان ، أحدهما : يكفي واحد لرواية الأخبار ، والثاني : لا بد من اثنين .

قال في التهذيب : وهو الأصح ؛ لأنه ليس بخبر عن كل وجه ، بدليل أنه لا يكفي أن يقول : أخبرني فلان عن فلان أنه رأى الهلال ، فعلى هذا هل يشترط إخبار حرين ذكرين ؟ أم يكفي امرأتان وعبدان ؟ وجهان ، أصحهما الأول ، وإذا قلنا طريقه الشهادة ، فهل يكفي واحد ؟ أم يشترط اثنان ؟ وجهان . وقطع في التهذيب باشتراط اثنين .



(فصل)

وقال أصحابنا : إذا كان بالسماء علة من غيم أو غبار أو نحوهما يقبل في هلال رمضان خبر واحد عدل ولو كان عبدا أو امرأة ، وفي هلال شوال تقبل شهادة رجل حر وامرأتين حرتين ، أما هلال رمضان فلأنه أمر ديني فيقبل فيه خبر الواحد ، ذكرا كان أو أنثى ، حرا أو عبدا ، كرواية الأخبار ، ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة ، وتشترط العدالة ؛ لأن قول الفاسق في الديانات التي يمكن تلقيها من جهة العدول غير مقبول كروايات الأخبار ، بخلاف الإخبار بطهارة الماء ونجاسته ونحوه ؛ حيث يتحرى في قبول خبر الفاسق فيه ، لا يمكن تلقيه من جهة العدول ؛ لأنه واقعة خاصة ؛ لأنه لا يمكن استصحاب العدول فيها ، وفي هلال رمضان يمكن ؛ لأن المسلمين كلهم متشوفون إلى رؤية الهلال فيه وفي عدولهم كثيرة ، فلا حاجة إلى قبول خبر الفاسق فيه كما في روايات الأخبار ، وتأويل قول الطحاوي : عدلا كان أو غير عدل . أن يكون مستورا وهو الذي لم يعرف ولا بالذعارة ويقبل فيه خبر المحدود في القذف بعدما تاب ، ويروى عن أبي حنيفة أنه [ ص: 197 ] لا يقبل ؛ لأنه شهادة من وجه ، ألا ترى أنه يشترط الحضور إلى مجلس القاضي ولا يكون ملزما إلا بعد القضاء ، والأول أصح ؛ لأنه من باب الإخبار ، وأما هلال شوال ؛ فلأنه تعلق به نفع العبد وهو الفطر ، فأشبه سائر حقوقهم ، فيشترط في سائر حقوقهم من العدالة والحرية والعدد ولفظ الشهادة ، وينبغي أن لا يشترط فيه الدعوى كعتق الأمة وطلاق الحرة ، ولا تقبل في شهادة المحدود في قذف لكونه شهادة ، وإن لم تكن بالسماء علة ، فيشترط أن يكون الشهود جمعا كثيرا ، بحيث يقع العلم بخبرهم ؛ لأن التفرد في مثل هذه الحالة يوهم الغلط ، فوجب التوقف في خبره حتى يكون جمعا كثيرا ، بخلاف ما إذا كان بالسماء علة ؛ لأنه قد ينشق الغيم من موضع الهلال فيتفق للبعض النظر فيستبد ، وحد الكثرة أهل المحلة ، وعن أبي يوسف خمسون رجلا اعتبارا بالقامة ، وعن خلف بن أيوب خمسمائة ببلخ قليل ، ولا فرق بين أهل مصر وبين من ورد من خارج المصر في قبول الشهادة لقلة الموانع من غبار ودخان ، وكذا إذا كان في مكان مرتفع في المصر .



(فصل)

قال النووي في الروضة : إذا صمنا بقول واحد تفريعا على الأظهر فلم نر الهلال بعد ثلاثين فهل نفطر ؟ وجهان أصحهما عند الجمهور نفطر ، وهو نصه في الأم ، ثم الوجهان جاريان سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة ، هذا مقتضى كلام الجمهور ، وقال صاحب العدة وحكاه صاحب التهذيب : الوجهان إذا كانت مصحية ، فإن كانت مغيمة أفطرنا أيضا على المذهب الذي قطع به الجماهير ونص عليه في الأم وحرملة ، وقال ابن الحداد : ولا نفطر . ونقل عن ابن سريج أيضا ، وفرع بعضهم على قول ابن الحداد فقال : لو شهد اثنان على هلال شوال ، ثم لم ير الهلال والسماء مصحية بعد ثلاثين ، قضينا أول يوم أفطرناه ؛ لأنه بان كونه من رمضان ، لكن لا كفارة على من جامع فيه ؛ لأن الكفارة تسقط بالشبهة ، وعلى المذهب لا قضاء .. أ هـ . .

قلت : وقال أصحابنا إذا صاموا بشهادة الواحد وأكملوا ثلاثين يوما ولم يروا هلال شوال لا يفطرون فيما روىالحسن عن أبي هريرة عن أبي حنيفة للاحتياط ، ولأن الفطر لا يثبت بشهادة الواحد ، وعن محمد أنهم يفطرون ، ويثبت الفطر بناء على ثبوت الرمضانية بالواحد وإن كان لا يثبت به الفطر ابتداء ، كاستحقاق الإرث بناء على النسب الثابت بشهادة القابلة ، وإن كان الإرث لا يثبت بشهادتها ابتداء ، والأشبه أن يقال : إن كانت السماء مصحية لا يفطرون لظهور غلطه ، وإن كانت مغيمة يفطرون لعدم ظهور الغلط . والله أعلم .



(فصل)

وقال أصحابنا : أيضا : وهلال الأضحى كهلال الفطر حتى لا يثبت به هلال الفطر ، لأنه تعلق به حق العباد ، وهو التوسع ، بلحوم الأضاحي ، فصار كالفطر ، وذكر في النوادر عن أبي حنيفة أنه كرمضان ؛ لأنه يتعلق به أمر ديني ، وهو ظهور وقت الحج ، والأول أصح .



(فصل)

قال النووي في الروضة : لا يجب بما يقتضيه حساب المنجم الصوم عليه ، ولا على غيره ، قال الروياني : وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به على الأصح ، وأما الجواز فقال في التهذيب : لا يجوز تقليد المنجم في حسابه ، لا في الصوم ، ولا في الفطر . وهل يجوز له أن يعمل بحساب نفسه ؟ وجهان ، وجعل الروياني الوجهين فيما إذا عرف منازل القمر وعلم به وجود الهلال ، وذكر أن الجواز اختيار ابن سريج والقفال والقاضي الطبري ، قال : فلو عرفه بالنجوم لم يجز الصوم به قطعا ، ورأيت في بعض المسودات تعدية الخلاف في جواز العمل به إلى غير المنجم .. أ هـ . .

وقال في شرح المنهاج : ولو شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان اقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته ، قال السبكي : لا تقبل هذه الشهادة ؛ لأن الحساب قطعي ، والشهادة ظنية ، والظن لا يعارض القطع ، وأطال في رد هذه الشهادة ، والمعتمد قبولها ؛ إذ لا عبرة بقول الحساب .. أ هـ . .

وقال أصحابنا : ولا يثبت بقول الموقتين وإن كانوا عدولا في الصحيح ، وعليه اتفاق أصحاب أبي حنيفة ، وعزاه الولي العراقي إلى جمهور أصحاب الشافعي ، وصرح بأن الحكم إنما يتعلق بالرؤية دون غيرها ، قال : وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف .. أ هـ . .

ولعدم جواز الأخذ بقولهم قالوا : يجب [ ص: 198 ] على الناس وجوب كفاية أن يلتمسوا هلال شهر رمضان ليلة الثلاثين من شعبان كما سبق ، وفي فتح الباري ظاهر سياق قوله صلى الله عليه وسلم : فإنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب يشعر بنفي تعليق الحكم بحساب النجوم أصلا ، ويوضحه قوله في الحديث الآخر : فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين . ولم يقل : اسألوا أهل الحساب .. أ هـ . .

ومما يدل على عدم الرجوع إلى قولهم ما ورد من حديث أبي هريرة عند أصحاب السنن والحاكم : من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . وله شاهد من حديث جابر وحديث عمران بن حصين ، أخرجهما البزار بسندين جيدين بلفظ : من أتى كاهنا فصدقه . وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسند جيد موقوفا عليه بلفظ : من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا . واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة ، إلا حديث مسلم فقال فيه : لم تقبل صلاة أربعين يوما . والكاهن من يقضي بالغيب أو يتعاطى الخبر عن المستقبلات ، والعراف من يتعاطى معرفة الخبيئة والمسروق والضالة ، وهو والمنجم والرمال وطارق الحصى داخلون في لفظ الكاهن ، والكل مذموم شرعا ومحكوم عليهم وعلى مصدقيهم بالكفر ، صرح به علماؤنا ، وإن أرباب التقاويم من أنواع الكهان لأنهم يدعون العلم بالحوادث الآتية لأمور ، ومن قال إن الخواص يجوز أن يعلموا الغيب في قضية أو قضايا كما وقع لكثير منهم واشتهر ، والذي اختص به تعالى إنما هو علم الجميع ، فإن أراد أن ذلك بإعلام الله لهم إياه وحيا أو إلهاما كالأنبياء أو إلهاما فقط كما يقع للأولياء فهو صحيح لا شك فيه ، وإن أراد غير ذلك فهو باطل مردود والله أعلم .



(فصل)

وفي كتاب الشريعة شهر رمضان هو عين هذا الزمان المعلوم المشهور المعين من الشهور الاثني عشر الذي بين شعبان وشوال ، والمعين من هذا الزمان للصوم الأيام دون الليالي ، وحد يوم الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، فهذا هو حد اليوم المشروع للصوم ، لا حد اليوم المعروف بالنهار ، فإن ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها ، فأول الصوم الطلوع الفجري ، وآخره بالغروب الشمسي ، فلم يجعل أوله يشبه آخره ؛ لأنه اعتبر في أوليته ما لم يعتبر في آخريته موصوف فيه الصائم بالإفطار ، وفي أوليته موصوف فيه بالعدم ، ولا فرق بين الشفق في الغروب والطلوع من حين الغروب إلى مغيب الشفق ، أو من حين الانفجار إلى طلوع الشمس ، ولهذا عدل الشرع إلى لفظة الفجر ؛ لأن حكم انفجاره لوجود النهار حكم غروب الشمس لإقبال الليل وحصوله ، فكما علم بانفجار الصبح إقبال النهار وإن لم تطلع الشمس ، كذلك عرفنا بغروب الشمس إقبال الليل وإن لم يغرب الشفق ، فانظر ما أحكم وضع الشريعة في المعالم ، فالجامع بين الأول والآخر في الصوم وجود العلامة على إقبال زمان الصوم وزمان الفطر وهو إدبار النهار ، كما أن بالفجر إدبار الليل ، وأما تحديد الشهر سواء كان في شهر رمضان أو غيره فأقل مسمى الشهر تسعة وعشرون يوما ، وأكثره ثلاثون يوما ، هذا هو الشهر العربي القمري ، خاصة الذي كلفنا أن نعرفه ، وشهور العادين بالعلامة أيضا ، لكن أصحاب العلامة يجعلون شهرا تسعا وعشرين وشهرا ثلاثين ، والشرع تعبدنا في ذلك برؤية الهلال وفي الغيم بأكثر المقدارين ، إلا في شعبان إذا غم علينا هلال شهر رمضان فإن فيه خلافا بين أن نمد شعبان إلى أكثر المقدارين ، وهو الذي ذهب إليه الجماعة ، وإما أن نرده إلى أقل المقدارين وهو تسعة وعشرون ، وهو مذهب الحنابلة ومن تابعهم ، ومن خالف من غير هؤلاء لم يعتبر أهل السنة خلافهم ، فإنهم شرعوا ما لم يأذن به الله ، وأما الشهور التي لا تعد بالقمر فلها مقادير مخصوصة ، أقل مقادير ثمانية وعشرون ، وهو المسمى بالرومية فبراير ، وأكثرها مقدارا ستة وثلاثون يوما وهو المسمى بالقبطية مسرى ، وهو آخر شهور سنة القبط ، ولا حاجة لنا بشهور الأعاجم فيما تعبدنا به من الصوم ، فأما انتهاء الثلاثين في ذلك فهو عدد المنازل والمنازلين اللذين لا يخسفان ، وهما الشمس المشبهة بالروح الذي ظهرت به حياة الجسم للشمس والقمر المشبه بالنفس لوجود الزيادة والنقص والكمال الزيادي والنقصي والمنازل مقدار المساحة التي يقطعها ما ذكرناه دائما ، فإن بالشهر ظهرت بسائط الأعداد ومركباتها بحرف العطف من واحد وعشرين إلى تسعة وعشرين وبغير [ ص: 199 ] حرف العطف من أحد عشر إلى تسعة عشر ، وحصر وجود الفردية في البسائط وهي الثلاثة ، وفي العقد وهي الثلاثون ، ثم تكرار الفرد لكمال التثليث الذي عنه يكون الإنتاج في ثلاث مواضع ، وهي الثلاثة في البسائط ، والثلاثة عشر في العدد الذي هو مركب بغير حرف عطف ، والثلاثة والعشرون بحرف العطف ، وانحصرت الأقسام ، ولما رأينا أن الروح يوجد فتكون الحياة ، ولا يكون هناك نقص ولا زيادة ، فلا تكون للنفس عين موجودة لها حكم كموت الجنين في بطن أمه بعد نفخ الروح فيه ، أو عند ولادته ، لذلك كان الشهر قد يوجد من تسعة وعشرين يوما ، فإذا علمت هذا فقد علمت حكمة مقدار الشهر العربي ، وإذا عددناه بغير سير الهلال ونوينا شهرا مطلقا في إيلاء أو نذر عملنا بالقدر الأقل في ذلك ، ولم نعمل بالأكثر ، فإنا قد حزنا بالأقل حد الشهر ففرغنا ، وإنما نعتبر القدر الأكثر في الموضع الذي شرع لنا أن نعتبره ، وذلك في الغيم على مذهب ، أو نعطي ذلك رؤية الهلال لقوله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته .



(فصل)

في اعتبار الشاهد والشاهدين .

اختلفوا فيما يراه أهل الله من التجلي في الأسماء الإلهية هل يقف مع رؤيته أو يتوقف حتى يقوم له في ذلك شاهد من الشرع ؟ قال الجنيد : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، وقال تعالى : أفمن كان على بينة من ربه وهو صاحب الرؤية ويتلوه شاهد منه وهو صاحب الخبر ، والشاهد الواحد كتاب أو سنة ، والشاهدان كتاب وسنة ، وهو يتعذر الوقوف عليه ، ولا سيما عند من لم يتقدم له علم من الكتاب ولا من السنة ، ولكن رأينا بعض الذي لقيناهم إذا أعطاهم الحق أمرا أعطاهم الشاهد على ذلك من الكتاب والسنة أو من أحدهما ، ومتى لم يعط ذلك لم يحكم عليه ما رأى احتياطا ، ولا يرده ويتركه موقوفا ، والذي أعرفه من قول الجنيد أنه أراد أن يفرق بين ما يظهر لصاحب الخلوات والرياضات على غير طريق الشرع بما تقتضيه رياضات النفوس ، وبين ما يظهر لهم على الطريقة المشروعة ، بأن ذلك الظاهر له من عند الله ، فهذا معنى قول الجنيد : علمنا هذا مقيد ومشيد بالكتاب والسنة ؛ أي هو ينتجه عن عمل مشروع إلهي ليفرق بينه وبين ما يظهر لأرباب العقول ، والمعلوم واحد والطريق مختلفة ، وصاحب الذوق يفرق بين الأمرين ، والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث