الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفدية في إفطار رمضان

وأما الفدية فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما لكل يوم مد حنطة لمسكين واحد مع القضاء والشيخ الهرم إذا لم يصم تصدق عن كل يوم مدا .

التالي السابق


ولنعد إلى شرح كلام المصنف قال -رحمه الله تعالى- (وأما الفدية) وهو مد من الطعام وجنسه جنس زكاة الفطر فيعتبر على الأصح غالب قوت البلد ومصرفها مصرف الصدقات إلى الفقراء والمساكين .

وقال أصحابنا الفدية مثل صدقة الفطر لكل يوم نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر وعند أحمد أنها مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير (فتجب على الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما) وأما إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضيتا ولا فدية عليهما كالمريض فإن خافتا على ولديهما ففي الفدية ثلاثة أقوال :

أصحها : وبه قال أحمد أنها تجب (لكل يوم) من أيام رمضان مد حنطة وكل مد بمثابة كفارة تامة فيجوز صرف عدد منها (لمسكين واحد) بخلاف أمداد الكفارة الواحدة يجب صرف كل واحدة منها إلى مسكين (مع القضاء) أي : لهما الإفطار وعليهما القضاء ودليل الفدية ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية أنه منسوخ الحكم إلا في حق الحامل والمرضع أخرجه أبو داود بمعناه .

والقول الثاني من الأقوال الثلاثة : أنه يستحب لهما الفدية ولا تجب وبه قال أبو حنيفة والمزني واختاره القاضي الروياني في الحلية ووجه تشبيه الحامل بالمريض لأن الضرر الذي يصيب الولد يتعدى إليها وتشبيه المرضع بالمسافر يفطران لئلا يمنعهما الصوم عما هما بصدده وهو الإرضاع في حق هذه والسفر في حق ذاك وقد يشبهان معا بالمريض والمسافر من حيث إن الإفطار سائغ لهما والقضاء يكفي تداركا .

والقول الثالث وبه قال مالك : أنها تجب على المرضع دون الحامل لأن المرضع تخاف على نفسها والحامل تخاف بتوسط الخوف على الولد فكانت كالمريض ، ويحكى القول الأول عن الإمام والقديم ، والثاني عن رواية حرملة ، والثالث عن البويطي ، وإذا فرعنا على الأصح فلا تتعدد الفدية بتعدد الأولاد في أصح الوجهين وهو الذي أورده صاحب التهذيب وهل يفترق الحال بين أن ترضع ولدها أو غيره بإجارة أو غيرها ؟ ونفى صاحب التتمة وقال تفطر المستأجرة وتفدي كما أن السفر لما أفاد جواز الفطر لا يفترق الحال فيه بين أن يكون بفرض نفسه أو بفرض غيره وأجاب المصنف في الفتاوى بأن المستأجرة لا تفطر بخلاف الأم لأنها متعينة طبعا وإذا لم تفطر فلا خيار لأهل الصبي وقال النووي في زوائد الروضة : الصحيح قول صاحب التتمة وقطع به القاضي حسين في فتاويه فقال : يحل لها الإفطار بل يجب إن أضر الصوم بالرضيع وفدية الفطر على من تجب ؟ قال : يحتمل وجهين بناء على ما لو استأجر المتمتع فعلى من يجب دمه فيه وجهان قال ولو كان هناك مراضع فأرادت أن ترضع [ ص: 228 ] صبيا تقربا إلى الله تعالى جاز الفطر لها والله أعلم .

قلت : وفي عبارة أصحابنا والحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أو على أنفسهما أفطرتا وقضتا لا غير قياسا على المريض دفعا للحرج والضرر ولا كفارة عليهما لأنه إفطار بعذر ولا فدية قال ابن الهمام وقولهم على ولديهما يرد ما وقع في بعض حواشي الهداية معزيا إلى الذخيرة من أن المراد بالمرضع الظئر لوجوب الإرضاع عليها بالعقد بخلاف الأم فإن الأب يستأجر غيرها وكذا عبارة غير القدوري أيضا أن ذلك للأم ولأن الإرضاع واجب على الأم ديانة. أهـ . (والشيخ الهرم) الذي لا يطيق الصوم أو تلحقه به مشقة شديدة لا صوم عليه و (إذا لم يصم) ففي الفدية قولان : أصحهما : أنها تجب وإليه أشار المصنف بقوله (تصدق عن كل يوم بمد) فلا قضاء وبه قال أبو حنيفة وأحمد ويروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس وأبي هريرة -رضي الله عنهم- وهو ظاهر قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فإن كلمة "لا " مقدرة أي : لا يطيقونه أو المراد يطيقونه حال الشباب ثم يعجزون عنه بعد الكبر وروى البخاري : أن ابن عباس وعائشة كانا يقرآن : "وعلى الذين يطيقونه " بتشديد الواو المفتوحة ومعناه يكلفون الصوم فلا يطيقونه وقيل : لا تقدير في الآية بل كانوا مخيرين في أول الإسلام بين الصوم والفدية فنسخ ذلك كما تقدم. أهـ .

والقول الثاني : أنها تجب ويحكى عن رواية البويطي وحرملة وبه قال مالك واختاره الطحاوي كالمريض الذي يرجو زوال مرضه إذا اتصل مرضه بالموت وأيضا فإنه يسقط فرض الصوم عنه فأشبه الصبي والمجنون وإذا أوجبنا الفدية على الشيخ فلو كان معسرا هل تلزمه إذا قدر ؟ فيه قولان ولو كان رقيقا فعتق ترتب الخلاف على الخلاف في زوال الإعسار وأولى بأن لا تجب لأنه لم يكن من أهل الفدية عند الإفطار ولو قدر الشيخ بعد ما أفطر على الصوم هل يلزمه الصوم قضاء ؟ نقل صاحب التهذيب أنه لا يلزمه لأنه لم يكن مخاطبا بالصوم بل كان مخاطبا بالفدية .



(تنبيه)

ومن مسائل الفدية ما إذا فاته صوم يوم أو أيام من رمضان ومات قبل القضاء فله حالتان : الأولى : أن يكون موته بعد التمكن من القضاء فلا بد من تداركه بعد موته وما طريقه فيه قولان : الجديد : وبه قال مالك وأبو حنيفة أن طريقه أن يطعم من تركته لكل يوم مد ولا سبيل إلى الصوم عنه لأن الصوم عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة فكذا بعد الموت كالصلاة ، والقديم : وبه قال أحمد أنه يجوز لوليه أن يصوم عنه لما في الخبر من حديث عائشة مرفوعا : من مات وعليه صوم صام عنه وليه ولو مات وعليه صلاة أو اعتكاف لم يقض عنه وليه ولا يسقط عنه بالفدية ، وعن البويطي أن الشافعي قال في الاعتكاف يعتكف عنه وليه وفي رواية : يطعم عنه وليه قال صاحب التهذيب ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فليطعم عن كل صلاة مدا قال النووي في زيادات الروضة : والمشهور في المذهب تصحيح القول الجديد وذهب جماعة من محققي أصحابنا إلى تصحيح القديم وهذا هو الصواب وينبغي أن يجزم بالقديم فإن الأحاديث الصحيحة تثبت فيه وليس للجديد حجة من السنة والحديث الوارد بالإطعام عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا : "من مات وعليه صوم فليطعم عنه وليه مكان كل يوم مسكينا " ضعيف فيتعين القول بالقديم ثم من جوز الصيام جوز الإطعام. أهـ .

الحالة الثانية : أن يكون موته قبل التمكن من القضاء بل لا يزال مريضا من استهلال شوال إلى أن يموت فلا شيء في تركته ولا على ورثته كما لو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن من الأداء لا شيء عليه .



(فصل)

في كتاب الشريعة : في الحامل والمرضع إذا أفطرتا ما عليهما فمن قائل يطعمان ولا قضاء عليهما وبه أقول وهو نص القرآن والآية عندي مخصصة غير منسوخة في حق الحامل والمرضع والشيخ والعجوز ومن قائل يقضيان فقط ولا إطعام عليهما ومن قائل يقضيان ويطعمان ومن قائل الحامل تقضي ولا تطعم والمرضع تقضي وتطعم والإطعام مد عن كل يوم أو يحفن حفانا ويطعم كما كان أنس يصنع .

الاعتبار أن الحامل الذي يملكه الحال والمرضع الساعي في حق الغير على حق الله لمسيس الحاجة فإنه [ ص: 229 ] حكم الوقت ومن قدم حق الله على حق الغير رأى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : "إن حق الله أحق بالقضاء " ثم تقديم الله الوصية على الدين في آية المواريث فقدم حق الله قال تعالى : من بعد وصية يوصي بها أو دين فأما المرضع وإن كانت في حق الغير فحق الغير من حقوق الله وصاحب الحال ليس في حق من حقوق الله لأنه غير مكلف في وقت الحال والمرضع كالساعي في حق الغير فهي في حق الله فإنه في أمر مشروع فقد وكلناك بعد هذا البيان والتفصيل إلى نفسك في النظر فيمن ينبغي له القضاء والإطعام أو أحدهما ممن ذكرنا أما الشيخ والعجوز فقد أجمع العلماء على أنهما إذا لم يقدرا على الصوم أن يفطرا واختلفوا إذا أفطرا هل يطعمان أو لا ؟ فقال قوم : يطعمان وقال قوم : لا يطعمان وبه أقول غير أنهما أستحب لهما الإطعام وأما الذي أقول به أنهما لا يطعمان فإن الإطعام إنما شرع مع الطاقة على الصوم وأما من لا يطيقه فقد سقط عنه التكليف به وليس في الشرع حكم بإطعام من هذه صفته من عدم القدرة عليه .

الاعتبار من كان مشهده أن لا قدرة له وهو الذي يقول إن القدرة الحادثة لا أثر لها في المقدور وكان مشهده أن الصوم لله فقد انتفى الحكم عنه بالصوم والإطعام إنما هو عوض عن واجب يقدر عليه ولا واجب فلا عوض فلا إطعام وهجر صاحب هذا المقام لا قوة إلا بالله قائمة وليس له في إياك نستعين مدخل ولا في نون نفعل ولا في ألف أفعل لكن له من هذه الزوائد التاء في تفعل بضمير المخاطب وهو الأنتية والكاف والباء في يفعل بالهوية لا غير .



(فصل)

فيمن مات وعليه صوم فمن قائل يصوم عنه وليه ومن قائل لا يصوم أحد عن أحد واختلف أصحاب هذا القول فبعضهم قال : يطعم عنه وليه وقال بعضهم : لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي به وقال قوم : يصوم فإن لم يستطع أطعم وفرق قوم بين النذر والصيام المفروض فقالوا : يصوم عنه وليه في النذر ولا يصوم في الصيام المفروض .

الاعتبار قال الله تعالى : الله ولي الذين آمنوا وقال تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فالمريد صاحب التربية يكون الشيخ قد أهله بذكر مخصوص لنيل حالة مخصوصة ومقام خاص فإن مات قبل تحصيله فمنا من يرى أن الشيخ لما كان وليه وقد حال الموت بينه وبين ذلك المقام الذي لو حصل له نال به المنزلة الإلهية التي يستحقها رب ذلك المقام فيشرع الشيخ في العمل الموصل إلى ذلك المقام نيابة عن المريد الذي مات فإذا استوفاه سأل الله أن يعطيه ذلك التلميذ الذي مات فيناله المريد عند الله على أتم وجوهه وهذا مذهب شيخنا أبي يعقوب يوسف بن يخلف الكردي -رحمه الله تعالى- ومنا من قال لا يقوم عنه الشيخ في العمل ولكن يطلبه له من الله بهمته وهذا اعتبار من قال لا يصوم أحد عن أحد ومن قال : لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي به فهو أن يقول المريد للشيخ عند الموت اجعلني من همتك واجعل لي نصابا في عملك عسى الله أن يعطيني ما كان في أملي وهذا إذا فعله المريد كان سوء أدب مع الشيخ حيث استخدمه في حق نفسه وتهمة منه للشيخ في نسيان حق المريد فيذكره بذلك والطريق تقتضي أن الشيخ لا ينسى مريده الذي يربيه بل لا ينسى من سلم عليه مرة واحدة وعرف وجهه بل لا ينسى عند الله من سعى في أذاه ووقع فيه وهذا كان حال أبي يزيد بل لا ينسى أن في الناس من يعرف الشيخ ولا يعرفه الشيخ فيسأل الله أن يغفر ويعفو عمن سمع بذكر الشيخ فأثنى عليه أو سبه ووقع فيه ممن لم يعرفه الشيخ ولا سمع باسمه وهذا مذهبنا ومذهب شيخنا أبي إسحاق بن طريف وأما من فرق بين النذر والصوم المفروض فإن النذر أوجبه الله عليه بإيجابه والصوم المفروض أوجبه الله على العبد ابتداء من غير إيجاب العبد فلما كان للعبد في هذا الواجب تعمل بإيجابه صام عنه وليه لأنه من وجوب عبد فينوب عنه في ذلك عبد مثله حتى تبرأ ذمته والصوم المفروض ابتداء لم يكن للعبد فيه تعمل فالذي فرضه عليه هو الذي أماته فلو تركه صامه فكانت الدية على القاتل وقال تعالى فيمن خرج مهاجرا ثم يدركه الموت : فقد وقع أجره على الله فالذي فرق كان فقيه النفس سديد النظر عالما بالحقائق وهكذا [ ص: 230 ] حكمه في الاعتبار ولنعد إلى شرح كلام المصنف قال -رحمه الله تعالى- .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث