الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل ( آخر من يدخل الجنة )

روى الدارقطني في كتابه " الرواة عن مالك " ، والخطيب البغدادي ، من طريق غريبة ، عن عبد الملك بن الحكم ، حدثنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة ، يقال له : جهينة . فيقول أهل الجنة : عند جهينة الخبر اليقين ، سلوه : هل بقي في النار أحد من الخلائق ؟ " . وهذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مالك ; لجهالة رواته عنه ، ولو كان محفوظا من حديثه لكان في كتبه المشهورة عنه ، ك " الموطأ " وغيره مما رواه عنه الثقات . والعجيب أن القرطبي ذكره في " التذكرة " ، وجزم به ، فقال : قال ابن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة ، يقال له : جهينة . فيقول أهل الجنة : وعند جهينة الخبر اليقين " . وكذلك ذكره السهيلي ، ولم يضعفه ، وحكى السهيلي قولا آخر أن اسمه هناد . فالله أعلم .

[ ص: 251 ] وقال مسلم : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة ، وآخر أهل النار خروجا منها ، رجل يؤتى به يوم القيامة ، فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، وارفعوا عنه كبارها ، فتعرض عليه صغار ذنوبه ، فيقال : عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ، فيقول : نعم . لا يستطيع أن ينكر ، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه ، فيقال له : فإن لك مكان كل سيئة حسنة . فيقول : رب ، قد عملت أشياء لا أراها ههنا " . فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه .

وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن سعد بن يحيى الرقي ، حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن سنان الرهاوي ، حدثني أبي عن أبيه ، حدثني أبو يحيى الكلاعي ، عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن ، كالغلام يضربه أبوه ، وهو يفر منه يعجز عنه عمله أن يسعى ، فيقول : يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار ، فيوحي الله إليه : عبدي ، إن أنا نجيتك من النار ، وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك ؟ فيقول العبد : نعم يا رب ، وعزتك وجلالك لئن نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي . فيجوز الجسر ، ويقول العبد فيما بينه وبين [ ص: 252 ] نفسه : لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار . فيوحي الله إليه : عبدي ، اعترف لي بذنوبك وخطاياك أغفرها لك ، وأدخلك الجنة . فيقول العبد : لا وعزتك وجلالك ، ما أذنبت ذنبا قط ، ولا أخطأت خطيئة قط . فيوحي الله إليه : إن لي عليك بينة . فيلتفت يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول : يا رب ، أرني بينتك ، فيستنطق الله جلده بالمحقرات ، فإذا رأى العبد ذلك يقول : يا رب ، عندي وعزتك العظائم . فيوحي الله إليه : عبدي أنا أعرف بها منك ، اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة . فيعترف العبد بذنوبه ، فيدخله الجنة " . ثم ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، يقول : " هذا أدنى أهل الجنة منزلة ، فكيف بالذي فوقه ؟ ! " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا سلام - يعني ابن مسكين - عن أبي ظلال ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة : يا حنان ، يا منان " . قال : " فيقول الله لجبريل : اذهب فائتني بعبدي هذا . فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون ، فيرجع إلى ربه ، فيخبره ، فيقول : اذهب فائتني به ، فإنه في مكان كذا وكذا . فيجيء به ، فيوقفه على ربه ، فيقول له : يا عبدي ، كيف وجدت مكانك ومقيلك ؟ فيقول : يا رب ، شر مكان وشر مقيل . فيقول : ردوا عبدي . فيقول : يا رب ، ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها . فيقول : دعوا عبدي " . انفرد به أحمد .

[ ص: 253 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أخبرنا ثابت وأبو عمران الجوني ، عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يخرج أربعة من النار - قال أبو عمران : أربعة . وقال ثابت : رجلان - فيعرضون على الله ، عز وجل ، ثم يؤمر بهم إلى النار ، فيلتفت أحدهم فيقول : أي رب ، قد كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها . فينجيه الله سبحانه منها " . وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، به .

وقال عبد الله بن المبارك : حدثني رشدين بن سعد ، حدثني ابن أنعم ، عن أبي عثمان ، أنه حدثه عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن رجلين ممن دخل النار يشتد صياحهما ، فقال الرب جل جلاله : أخرجوهما . فأخرجا ، فقال لهما : لأي شيء اشتد صياحكما ؟ قالا : فعلنا ذلك لترحمنا . قال : رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار . قال : فينطلقان ، فيلقي أحدهما نفسه ، فيجعلها الله عليه بردا وسلاما ، ويقوم الآخر ، فلا يلقي نفسه ، فيقول له الرب تعالى : ما منعك أن تلقي نفسك ، كما ألقى صاحبك ؟ فيقول : رب ، إني أرجوك أن لا تعيدني فيها بعد ما أخرجتني منها . فيقول الرب : لك رجاؤك . فيدخلان جميعا الجنة برحمة الله ، عز وجل " .

وذكر بلال بن سعد في خطبته أن الله تعالى إذا أمرهما بالرجوع إلى النار [ ص: 254 ] ينطلق أحدهما في أغلاله وسلاسله حتى يقتحمها ، ويتلكأ الآخر ، فيقول الله تعالى للأول : ما حملك على ما صنعت ؟ فيقول : إني خبرت من وبال معصيتك ما لم أكن أتعرض لسخطك ثانيا . ويقول للآخر : ما حملك على أن تلكأت ؟ فيقول : حسن ظني بك إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها . فيرحمهما الله ، عز وجل ، ويدخلهما الجنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث