الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في شروط الحوالة وأحكامها

ولما أنهى الكلام على الشروط الستة أخرج منها قوله ( لا كشفه ) أي ليس من شروطها أن يكشف المحال ( عن ذمة المحال عليه ) أغني هو أم فقير بل تصح مع عدم الكشف على المذهب ( ويتحول ) بمجرد عقد الحوالة ( حق المحال على المحال عليه وإن أفلس أو جحد ) المحال عليه الحق بعد عقد الحوالة وأما جحده قبلها ولا بينة فلا تصح لفقد شرطها من ثبوت الدين بخلاف الفلس حين الحوالة فلا يمنع منها بل يتحول الحق معه بدليل قوله ( إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه ) أي إفلاس المحال عليه ( فقط ) أي دون المحال فله الرجوع على المحيل ; لأنه غره والظاهر أن الظن القوي كالعلم ومثل علمه بإفلاسه علمه بلدده أو عدمه ( وحلف ) المحيل ( على نفيه ) أي نفي العلم بإفلاس المحال عليه إذا ادعى عليه المحال العلم ( إن ظن به العلم ) أي إن كان مثله يظن به ذلك وإلا لم يحلف وإن اتهمه المحال فقوله ظن بالبناء للمجهول ثم فرع على قوله ويتحول إلخ قوله ( فلو أحال بائع ) لسلعة شخصا بدين له كان على البائع ( على ) [ ص: 329 ] ( مشتر ) لتلك السلعة ( بالثمن ) أي بثمنها ( ثم رد ) المبيع المفهوم من بائع على بائعه المحيل ( بعيب ) أو فساد ( أو استحق ) المبيع من يد مشتريه ( لم تنفسخ ) الحوالة عند ابن القاسم ; لأنها معروف فيلزم المشتري دفعه للمحال ويرجع به على البائع المحيل ( واختير خلافه ) أي اختار ابن المواز وغيره خلاف قول ابن القاسم وهو قول أشهب بفسخ الحوالة وعليه الأكثر ( والقول للمحيل ) بيمين أنه أحال على أصل دين ( إن ادعى عليه ) المحال ( نفي الدين للمحال عليه ) إذا مات أو غاب غيبة انقطاع فلو كان المحال عليه حاضرا فهو ما قدمه في قوله ويتحول حق المحال إلخ ( لا ) يقبل قوله ( في دعواه وكالة ) للمحال على قبض مال من مدينه ( أو سلفا ) من المحيل للمحال ويرد له بدله مع صدور لفظ الحوالة بينهما بل القول للقابض بيمينه أنه من دينه أحاله به تغليبا للفظ الحوالة وهذا قول عبد الملك بن الماجشون في مسألة الوكالة لكنه قيده بأن يكون القابض يشبه أن يداين المحيل وإلا فالقول لرب المال بيمينه أنه وكالة وخرج اللخمي مسألة السلف عليه والمنصوص لابن القاسم أن القول في دعوى السلف للمحيل وخرج عليه مسألة الوكالة فكان ينبغي للمصنف الجري عليه

التالي السابق


. ( قوله : الشروط الستة ) لعل الأولى السبعة ( قوله لا كشفه إلخ ) لأن الحوالة معروف فاغتفر فيها الغرر بخلاف بيع الدين فإنه يشترط فيه العلم بحال ذمة المدين وإلا كان غررا المازري شرط بيع الدين علم حال ذمة المدين وإلا كان غررا بخلاف الحوالة لأنها معروف فاغتفر فيها الغرر ونحو هذا لابن يونس واللخمي انظر المواق ا هـ بن .

( قوله : وإن أفلس أو جحد ) ابن عرفة سمع سحنون المغيرة أن شرط المحال على المحيل إن أفلس المحال عليه رجع على المحيل فله شرطه ونقله الباجي كأنه المذهب وقال ابن رشد هذا صحيح لا أعلم فيه خلافا ا هـ ابن عرفة وفيه نظر لأن شرطه هذا مناقض لعقد الحوالة وأصل المذهب في الشرط المناقض للعقد أنه يفسده تأمل ا هـ بن .

( قوله : ولا بينة ) أي والحال أن المحال لم يصدق المحيل على ثبوت الدين فلو صدقه صحت لأن تصديق المحال بالدين يكفي في ثبوته انظر بن .

( قوله : حين الحوالة ) أي قبلها .

( قوله : بل يتحول الحق معه ) أي حيث كان المحال حين الحوالة عالما بإفلاسه .

( قوله : لأنه غره ) استفيد من كلام الشارح أن المحال إذا علم بإفلاس المحال عليه علم بذلك المحيل أيضا أو لا فإنه لا رجوع له على المحيل وإن انفرد المحيل بالعلم بذلك للمحال الرجوع عليه لأنه غره فإن شك المحال في إفلاس المحال عليه مع علم المحيل بذلك ففي ابن عرفة والتوضيح والشامل أن للمحال الرجوع على المحيل .

( قوله : والظاهر أن الظن القوي ) أي ظن المحيل حين الحوالة بإفلاس المحال عليه كعلمه بذلك وحينئذ فيرجع عليه المحال .

( قوله : أو عدمه ) أي وإن لم يكن مفلسا ولو عبر المصنف بعدمه بدل إفلاسه كان أخصر وأحسن فيكون إفلاسه أولى بل كلامه يوهم أن العلم بالفقر ليس كالعلم بالإفلاس وليس كذلك .

( قوله : إن كان مثله يظن به ذلك ) أي يتهم بالعلم بفلسه ويؤخذ من قول الشارح إن كان مثله إلخ أن هذه اليمين تهمة فلا ترد على المحال بل يرجع المحال على المحيل بمجرد نكوله .

( قوله فلو أحال بائع ) مفهومه أنه لو أحال مشتر بالثمن الذي عليه البائع على غريم له ثم حصل رد [ ص: 329 ] بعيب أو بفساد أو حصل استحقاق قبل قبض المحال للثمن فينبغي الجزم ببطلان الحوالة لبطلان حق المحال بالاستحقاق وما معه وما في خش من الجزم بعدم البطلان وصحة الحوالة فهو غير ظاهر انظر بن ولو وهب البائع في مسألة المصنف الثمن أو تصدق به على شخص ثم أحاله على المشتري ثم ردت السلعة بعيب أو استحقت أو ردت لفساد ففي التوضيح أن المعروف من قول ابن القاسم أن الهبة تبطل إذا لم يقبضها الموهوب له فإن قبضها لم يتبع بها لا الموهوب له ولا الواهب ويضيع ذلك على المشتري ا هـ ويظهر من كلامه أن هذا هو الراجح من الأقوال الخمسة التي ذكرها في المسألة وأما ما في عبق من بطلان الحوالة فإن قبض الموهوب له أخذه منه المشتري فهو قول أشهب انظر بن ( قوله ثم رد المبيع بعيب أو استحق ) أي قبل أن يقبض المحال الثمن من المشتري .

( قوله لأنها معروف ) أي ولأن الدين لازم للمشتري حين الحوالة .

( قوله : واختير خلافه ) أي واختير القول المخالف له وهو القول بفسخ الحوالة على المصنف من حيث التعبير بمادة الاختيار وصيغة الفعل المقتضي ذلك أنه للخمي من عند نفسه مع أن هذا القول الثاني القائل بفسخ الحوالة لأشهب والذي اختاره ابن المواز وقال إنه قول أصحاب الإمام كلهم وليس للخمي اختيار متعلق به فما ذكره المصنف غير جار على قاعدته من وجهين تعبيره بالاختيار وكونه بلفظ الفعل فكان الأولى للمصنف أن يقول والأصح خلافه ليكون جاريا على اصطلاحه انظر ح ا هـ بن ويعترض على المصنف أيضا من جهة تصديره بقول ابن القاسم مع أن الثاني هو المعتمد قاله شيخنا العدوي ومحل الخلاف الواقع بين ابن القاسم وأشهب في أن الحوالة المذكورة تفسخ أو تفسخ حيث كان البائع يظن ملكه لما باع في الاستحقاق وإلا فسخت اتفاقا ومحله أيضا في الرد بالفساد إذا لم يعلم به المشتري وإلا لم تبطل اتفاقا وهل يدفع المحال عليه للمحال الثمن الذي اشترى به شراء فاسدا أو يدفع له القيمة قولان الأول لابن القاسم والثاني لأشهب ذكر ذلك في شرح الشامل .

( قوله : إن ادعى عليه نفي الدين للمحال عليه ) اللام بمعنى على متعلقة بالدين أو بمعنى عن متعلقة بنفي وحاصله أنه إذا تنازع المحيل والمحال بعد موت المحال عليه أو غيبته غيبة انقطاع فقال المحال أحلتني على غير دين فأنا أرجع عليك بديني وقال المحيل بل أحلتك على دين لي في ذمة المحال عليه وقد برئت ذمتي فلا رجوع لك علي فالقول قول المحيل بيمين ولا يصدق المحال في دعواه .

( قوله : لا يقبل قوله ) أي المحيل يعني أن الحوالة إذا صدرت بينهما بصيغتها فلما قبض المحتال القدر الذي احتال به قال له المحيل إنما أحلتك لتقبضه لي على سبيل الوكالة أو على سبيل أنه سلف مني لك ترد بدله وقال المحتال إنما قبضته من الدين الذي لي عليك فإن القول في ذلك قول المحتال بيمينه تغليبا لجانب الحوالة إن أشبه أن مثله يداين المحيل وإلا كان القول قول المحيل بيمينه .

( قوله : وهذا قول عبد الملك ) اعلم أن ابن الحاجب قال ولا يقبل قول المحيل في دعواه وكالة أو سلفا على الأصح أي في كل من الوكالة والسلف فقال في التوضيح أراد بالأصح قول ابن الماجشون في المبسوط في مسألة الوكالة وما خرجه اللخمي عليه في مسألة السلف وغير الأصح قول ابن القاسم في العتبية في السلف وما خرج عليه في مسألة الوكالة فكل مسألة فيها قول منصوص ومخرج عليه قول آخر في الأخرى ا هـ وبتصحيح ابن الحاجب للقول المخرج في السلف يندفع قول شارحنا تبعا لعبق وكان ينبغي للمصنف الجري عليه أي قول ابن القاسم في السلف لأجل أن يكون جاريا على المنصوص في المسألتين انظر بن



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث