الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم

جزء التالي صفحة
السابق

( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ) لما مات أصحمة النجاشي ملك الحبشة . ومعنى أصحمة بالعربية عطية ، قال سفيان بن عيينة وغيره : ( صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقال قائل : يصلى عليه العلج النصراني وهو في أرضه ، فنزلت ، قاله جابر بن عبد الله ، وابن عباس ، و أنس . وقال الحسن والسدي : في النجاشي وأصحابه . وقال ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح : في مؤمني أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وبه قال مجاهد . وقال ابن جريج وابن زيد ومقاتل : في عبد الله بن سلام وأصحابه . وقال عطاء : في أربعين من نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم ، كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، و ( من ) في ( لمن ) الظاهر أنها موصولة ، وأجيز أن تكون نكرة موصوفة ، أي : لقوما . والذي أنزل إلينا هو القرآن ، والذي أنزل إليهم هو كتابهم .

( خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ) كما اشترت بها أحبارهم الذين لم يؤمنوا . وانتصاب ( خاشعين ) على الحال من الضمير في ( يؤمن ) ، وكذلك ( لا يشترون ) هو في موضع نصب على الحال . وقيل : حال من الضمير في ( إليهم ) ، والعامل فيها ( أنزل ) . وقيل : حال من الضمير في ( لا يشترون ) ، وهما قولان ضعيفان . ومن جعل ( من ) نكرة موصوفة ، يجوز أن يكون ( خاشعين ) و ( لا يشترون ) صفتين للنكرة . وجمع ( خاشعين ) على معنى ( من ) كما جمع في ( وما أنزل إليهم ) . وحمل أولا على اللفظ في قوله : ( يؤمن ) ، فأفرد ، وإذا اجتمع الحملان ، فالأولى أن يبدأ بالحمل على اللفظ . وأتى في الآية بلفظ ( يؤمن ) دون آمن ، وإن كان إيمان من نزل فيهم قد وقع إشارة إلى الديمومة والاستمرار . ووصفهم بالخشوع وهو التذلل والخضوع المنافي للتعاظم والاستكبار ، كما قال تعالى : ( وأنهم لا يستكبرون ) .

( أولئك لهم أجرهم عند ربهم ) أي ثواب إيمانهم ، وهذا الأجر مضاعف مرتين بنص الحديث الصحيح : ( وأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين ) يضاعف لهم الثواب بما تضاعف منهم من الأسباب . و ( عند ) ظرف في موضع الحال ، والعامل فيه العامل في ( لهم ) ، ومعنى ( عند ربهم ) : أي في الجنة .

( إن الله سريع الحساب ) أي سريع الإتيان بيوم القيامة وهو يوم الحساب . والمعنى : أن أجرهم قريب إتيانه أو سريع حسابه لنفوذ علمه ، فهو عالم بما لكل عامل من الأجر . وتقدم تفسير هذه الجملة مستوفى .

( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الوصاية التي جمعت الظهور في الدنيا على العدو ، والفوز بنعيم الآخرة ، فأمره تعالى بالصبر والمصابرة والرباط . فقيل : اصبروا وصابروا بمعنى واحد [ ص: 149 ] للتأكيد . وقال الحسن ، والسدي ، والضحاك ، وابن جريج : اصبروا على طاعة الله في تكاليفه ، وصابروا أعداء الله في الجهاد ، ورابطوا في الثغور في سبيل الله . أي : ارتبطوا الخيل كما يرتبطها أعداؤكم . وقال أبي ومحمد بن كعب القرظي : هي مصابرة وعد الله بالنصر ، أي : لا تسأموا وانتظروا الفرج . وقيل : رابطوا : استعدوا للجهاد كما قال : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة ، ولم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم غزو مرابط فيه . واحتج بقوله عليه السلام : ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، ثلاثا ) فعلى هذا لا يكون ( رابطوا ) من باب المفاعلة . قال ابن عطية : والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله ، أصلها من ربط الخيل ، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا ، فارسا كان أو راجلا ، واللقطة مأخوذة من الربط . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : فذلكم الرباط إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله ، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية ، والرباط اللغوي هو الأول . والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما ، قاله ابن المواز ، ورواه . فأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعتمرون ويكتسبون هناك فهم وإن كانوا حماة ، ليسوا بمرابطين . انتهى كلامه . وقال الزمخشري : وصابروا أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب ، لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا . والمصابرة باب من الصبر ، ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تحقيقا لشدته وصعوبته . ورابطوا : وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو . قال الله تعالى : ( ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة ) انتهى كلام الزمخشري . وفي البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ) وفي مسلم : ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه رزقه وأمن الفتان ) وفي سنن أبي داود قال : ( كل الميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتاني القبر ) .

وتضمنت هذه الآيات من ضروب البيان والبديع : الاستعارة : عبر بأخذ الميثاق عن التزامهم أحكام ما أنزل عليهم من التوراة والإنجيل ، وبالنبذ وراء ظهورهم عن ترك عملهم بمقتضى تلك الأحكام ، وباشتراء ثمن قليل عن ما تعوضوه من الحطام على كتم آيات الله ، وبسماع المنادي إن كان القرآن عن ما تلقوه من الأمر والنهي والوعد والوعيد بالاستجابة عن قبول مسألتهم ، وبانتفاء التضييع عن عدم مجازاته على يسير أعمالهم ، وبالتقلب عن ضربهم في الأرض لطلب المكاسب ، وبالمهاد عن المكان المستقر فيه ، وبالنزول عما يعجل الله لهم في الجنة من الكرامة ، وبالخشوع الذي هو تهدم المكان وتغير معالمه عن خضوعهم وتذللهم بين يديه ، وبالسرعة التي هي حقيقة في المشي عن تعجيل كرامته . قيل : ويحتمل أن يكون الحساب استعير للجزاء ، كما استعير ( ولم أدر ما حسابيه ) ؛ لأن الكفار لا يقام لهم حساب كما قال تعالى : فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا . والطباق في : لتبيننه للناس ولا تكتمونه ، وفي ( السماوات والأرض ) ، و ( اختلاف الليل والنهار ) ، فالسماء جهة العلو ، والأرض جهة السفل ، والليل عبارة عن الظلمة ، والنهار عبارة عن النور ، وفي : قياما وقعودا و من ذكر أو أنثى . والتكرار في : لا تحسبن فلا تحسبنهم ، وفي : ( ربنا ) في خمسة مواضع ، وفي : فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ، إن كان المعنى [ ص: 150 ] واحدا ، وفي : ما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وفي : ثوابا و حسن الثواب . والاختصاص في : لأولي الألباب ، وفي : وما للظالمين من أنصار ، وفي : وتوفنا مع الأبرار ، وفي : ولا تخزنا يوم القيامة ، وفي : وما عند الله خير للأبرار . والتجنيس المماثل في : أن آمنوا بربكم فآمنا ، وفي : عمل عامل منكم . والمغاير في : مناديا ينادي . والإشارة في : ما خلقت هذا باطلا ، والحذف في مواضع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث